هَامِش بين السطور

0%
هَامِش بين السطورتبِعات ملف

الفصل 11

تبِعات ملف

(الحادي عشر من نوفمبر 2030)

كان يبحث عن ملف تقني في أرشيف الشركة القديم، مشروع تعطل في حوالي عام 2016.

لم يكن يتوقع شيئًا.

مجرد مجلدات مرقمة على خادم بطيء، بعناوين باردة:

"نقل ملكية"، "تسوية ضرائب"، "تقارير 2018-2019".

لكن عينيه وقعتا على مجلد جانبي باسم:

"خاص – مراسلات داخلية – 2017".

بعد لحظة.

فتح المجلد، بدافع الملل أو الفضول... أو شيء لا يعرف كيف يسميه.

وجد بين الملفات ملفًا بعنوان:

"م.م.س - ترتيبات".

فتحه.

ظهرت أمامه سلسلة من المحادثات البريدية بين إسكندر... ومراد.

يداه بدأت ترتجف قبل أن يقرأ، لكنه قرأ.

"صديقي إسكندر، أخبرني فورًا إن بدأ يسأل عنّا.

نحن في منزلنا الجديد، لا نريد أي تشويش في هذه المرحلة. امنحه ما يحتاجه للبقاء، لا أكثر.

لو سأل، أخبره أننا في رحلة عمل طويلة، ولا مجال للاتصال حاليًا."

ثم مرفق داخل البريد.

رسالة بصيغة محمولة (PDF)، محفوظة ولم تُرسل.

فتحها.

كانت معنية باسمه.

" "ماهر،

نحتاج لبعض الوقت لإعادة ترتيب أمورنا، وسنكون بخير.

لا تقلق."

(ملاحظة لإسكندر: لا ترسل الرسالة إن بدا متأقلمًا)"

ظل يحدق في الشاشة...

تلاشت أصوات الخارج.

أنفاسه باتت أعلى.

يداه بقيتا ثابتتين، لكن صدره كان ينفجر ببطء.

أمه كتبت له رسالة... لكنها قررت ألا ترسلها.

كان من المفترض أن يعرف... لكنها قررت ألا يعرف.

هو، الطفل الذي كتب في دفاتره "هل كنتُ خطأ؟"، كان ضحية قرار مكتوب في بريد رسمي.

أغمض عينيه، وعاد إلى عام 2009، في الزاوية، جالسا على كرسي صغير، ينتظر أحدًا -عدا شهاب وصقر- يقول له "اشتقت إليك".

لكنهم كانوا هناك... في مكان آخر، يخططون لسكوت دائم.

فتح عينيه، حدّق في اسمه أعلى الصفحة،

همس لنفسه بصوت اختلط بين الهدوء والشرخ:

ــ "أنتما كنتما تعرفان، لكنكما قررتما السكوت."

أغلق الجهاز.

لم يبكِ.

لم يصرخ.

فقط... جلس هناك، كأنه ينتظر الرسالة أن تُكتب أخيرًا.

لكنها لم ولن تصل.

مرّ يومان ثقيلان قبل أن يسمح لنفسه بالشعور، انسلّا من بين يديه كما يتسلّل الدخان... لا يُمسك ولا يُرى.

لم يغمض له جفن.

يأكل على مضض، يشرب بلا طعم، يمرّ بين الناس كأنه ظلّ لا يراه أحد.

يعمل. يبتسم. يقول للجميع:

"كل شيء على ما يرام."

لكن في الداخل... لم يكن يعرف أين يضع الرسالة.

أيمحوها؟ أيصرخ عليها؟

كل الخيارات بدت ناقصة، باهتة.

في منتصف الليل، لم يذهب إلى سرير غرفة النوم ولا إلى الكنبة، بل جلس على أرضية غرفة نومه القديمة التي حولها إلى مكتب ومكتبة وغرفة ألعاب.

كأن الأرض وحدها كانت صادقة بما يكفي لاحتوائه.

جلس، انحنى، ثم سحب لحافًا قديمًا كان وضعه في ركن الغرفة، لحافًا يحمل بقايا رائحة تشبه ما تبقّى من ذكرياته.

لفّه حول كتفيه، مد يده تحته، وترك نفسه يبكي.

لم تكن دموعه صاخبة، بل ثقيلة... تنسحب من عمق لم يُمسّ منذ سنين.

همس بصوت متقطع لا يسمعه أحد:

"أريد أن أصدق... أنني كنتُ ابنهم.

أريد أن أعلم إن كان أحدهما يحبني، دون أن يقول لي: أنجز، ابتعد، اسكت.

أريد أن أعرف... كيف يكون حضن الأم؟ وكيف يبدو صوت الأب إذا قال: أنا فخور بك؟"

ثم سكت فجأة.

توقفت دموعه، كأنها قررت أن هذا يكفي.

حدّق في يديه المرتجفتين، وهمس من خلف أسنانه:

"أتعلم؟ إنهما لا يستحقان دمعة واحدة."

مد يده إلى الفأرة متجهًا إلى الملف الموجود سلفا والتي فيها الرسالة، وحذفها بهدوء.

لم يكن انتقامًا... بل لأنه لم يعد يراها تخصّه.

وعاد إلى الصمت.

ثم نام — لأول مرة منذ زمن — على الأرض،

كأنه يعلّم قلبه:

"لا تنتظرهما... تعلّم أن تعتني بنفسك."

(يتبع..)