الفصل 1
«الحلم الذي لم يكن لي»
لا أتذكّر متى بدأت أكره أبي.
ربما في المرة الأولى التي أخبرني فيها أن البكاء لا يليق بابنة كاسيان، أو حين أجبرني على إعادة درس لم أخطئ فيه، لأن إجابتي لم تكن بالطريقة التي يريدها. وربما بدأت كراهيتي له في وقت أبكر بكثير، قبل أن أمتلك اسمًا لمشاعري، وقبل أن أفهم أن الإنسان قد يعيش عمرًا كاملًا وهو يركض نحو باب لم يختر يومًا أن يفتحه.
لكنني أتذكّر جيدًا اليوم الذي مات فيه.
كان المطر يهطل منذ الصباح، وكانت السماء رمادية على نحو جعل القصر يبدو وكأنه غارق في ظلّه. وقفت أمام المرآة أرتّب ياقة ثوبي الأسود، بينما كانت الخادمة العجوز، ماريان، تحاول إقناعي بتناول شيء من الطعام.
قالت وهي تضع الصينية على الطاولة:
«آنستي، لم تأكلي منذ البارحة».
نظرت إلى انعكاسي في المرآة.
«لست جائعة».
«لكن عليكِ أن تأكلي شيئًا. سيأتي الناس بعد قليل، ولن يكون من المناسب أن تظهري بهذا الشحوب».
كدت أضحك.
لم يكن موت أبي قد مضى عليه يومان، ومع ذلك كان أكثر ما يشغل الناس هو الطريقة التي سأظهر بها أمامهم.
التفتُّ إليها وقلت:
«وهل سيعود أبي إن ظهرتُ بصحة جيدة؟»
تجمّدت ملامحها.
ندمت على سؤالي للحظة، لا لأنني كنت حزينة، بل لأن ماريان كانت واحدة من القلائل الذين أحبّوا أبي بطريقة لم أفهمها يومًا. كانت تراه رجلًا عظيمًا، أما أنا فكنت أراه رجلًا لا يسمح لأحد بأن يكون عظيمًا إلا وفقًا لشروطه.
خفضت عينيها وقالت:
«رحمه الله، يا روران».
لم أجب.
كان اسم أبي يتردّد في المدينة حتى حين لا يكون حاضرًا. كاسيان؛ الرجل الذي امتلك المال والأراضي والمستشفى الذي كان الناس يقصدونه حين يعجز الأطباء الآخرون عن إنقاذ مرضاهم. كان اسمه كافيًا ليفتح الأبواب، وكافيًا أيضًا ليُغلق أفواهًا كثيرة.
لم يكن محبوبًا.
بل إنني سمعت، في اليوم الذي أعادوا فيه جثمانه إلى القصر، رجلًا يهمس لآخر بأن موت كاسيان قد يكون بداية عهد أكثر عدلًا.
لم أصفعه، ولم أصرخ في وجهه.
اكتفيت بالنظر إليه حتى ابتلع كلماته وغادر.
لم أكن أدافع عن أبي. كنت أكره أن يتحدث الغرباء عنه كما لو أنهم يعرفونه، بينما أمضيت عمري كله أحاول معرفة الرجل الذي يعيش خلف ذلك الاسم.
لم يكن لدي إخوة، ولم تكن أمي موجودة في حياتي منذ زمن بعيد.
انفصلت عن أبي وأنا صغيرة، ولم أحتفظ منها إلا بذكرى ضبابية ليد ناعمة كانت تمرّر أصابعها بين خصلات شعري، ورائحة عطر خفيف لم أعد أعرف اسمه. لم يحدّثني أبي عنها كثيرًا، وحين كنت أسأله، كان يجيب بأن الماضي لا يستحق أن نضيّع وقتنا فيه.
كنت أكرهه حين يقول ذلك.
كيف يمكن للماضي ألّا يستحق وقتنا، وهو الشيء الوحيد الذي يفسّر لنا لماذا أصبحنا على ما نحن عليه؟
ومع ذلك، كنت أطيعه.
كنت أطيعه في كل شيء تقريبًا.
أخبرني أنني سأصبح طبيبة، فحفظت أسماء الأدوية والأمراض. قال إنني سأدير مستشفاه يومًا ما، فبدأت أرافق الأطباء وأراقبهم من خلف الأبواب. وحين كان يحدّث ضيوفه عن مستقبلي، كنت أجلس إلى جواره وأبتسم، كأنهم يتحدثون عن حلم وُلد في صدري أنا.
وكان هناك حلم آخر، أكثر غرابة، لم أكن أجرؤ على الاعتراف به حتى لنفسي.
كنت أتخيّل عالمًا يحكمه الأباطرة، عالمًا تُرفع فيه الستائر الثقيلة أمام الملوك، وتُضاء فيه القاعات بآلاف الشموع، وتصبح فيه امرأة واحدة قادرة على تغيير مصير الرجال بمجرد نظرة. كنت أتخيّل نفسي قريبة من العرش، امرأة لا يمكن تجاهلها ولا استبدالها بسهولة.
لم أكن أعرف إن كنت أريد السلطة فعلًا، أم كنت أريد فقط أن أصبح شخصًا لا يستطيع أحد أن يقرر عنه حياته.
في ذلك العمر، لم أكن أرى الفرق بين الأمرين.
في مساء اليوم الثالث لوفاة أبي، وجدت نفسي واقفة أمام باب مكتبه.
لم أدخله منذ أعادوا جثمانه. كانت رائحته ما تزال عالقة في المكان؛ خليطًا من الخشب المصقول والحبر والتبغ الفاخر. على مكتبه استقرت أوراق مرتّبة بعناية، وبجانبها ساعة ذهبية توقفت عقاربها عند وقت لا أعرف إن كان يعني شيئًا.
اقتربت من الكرسي خلف المكتب.
كان أبي يجلس هنا كل مساء، يقرأ الرسائل ويوقّع الأوراق، بينما أقف أنا أمامه لأخبره بما تعلّمته في ذلك اليوم.
«أصبحتِ أفضل».
كانت هذه عبارته المفضلة حين أنجح.
لم يكن يقول إنني ذكية، أو إنني موهوبة، أو حتى إنه فخور بي. كان يقول إنني أصبحت أفضل، وكأنني مشروع لم يكتمل بعد، وكأن عليّ أن أظل أتحسّن حتى أصل إلى الصورة التي رسمها لي في ذهنه.
مددت يدي نحو إحدى الأوراق، لكن طرقًا خفيفًا على الباب أوقفني.
التفتُّ.
كان واقفًا هناك رجل في منتصف العمر، يرتدي معطفًا داكنًا ويحمل قبعة بين يديه. عرفته من زياراته السابقة إلى القصر، لكنه لم يكن من الأشخاص الذين سمح لي أبي بالاقتراب منهم كثيرًا.
قال بانحناءة مقتضبة:
«الآنسة روران».
«من أنت؟»
تردّد قبل أن يجيب:
«اسمي إدوين. كنت أعمل مع والدك في بعض شؤونه الخاصة».
«وما الذي تريده؟»
نظر إلى المكتب، ثم عاد ببصره إليّ.
«هناك أمور ينبغي أن تعرفيها عن ممتلكاته، وعن الأشخاص الذين كانوا يتعاملون معه».
جلست في كرسي أبي دون أن أدعوه إلى الجلوس.
«إذًا تحدّث».
فتح فمه، ثم أغلقه. بدا كأنه يراجع كلماته قبل أن يسمح لها بالخروج.
«والدك لم يكن رجلًا سهلًا، آنستي. كان له أعداء».
«هذا ليس خبرًا جديدًا».
«لكن بعض أعدائه كانوا أكثر نفوذًا مما تتصورين».
تأملت وجهه. لم يكن يبدو كمن جاء ليعزّيني، بل كمن يحمل خبرًا يخشى عواقبه.
«هل تعرف من قتله؟»
سقط الصمت بيننا.
للمرة الأولى منذ دخل، بدا إدوين خائفًا حقًا.
«لا أملك دليلًا».
«لم أسألك إن كنت تملك دليلًا. سألتك إن كنت تعرف».
شدّ أصابعه حول قبعته، ثم قال:
«أحيانًا، يا آنسة، تكون معرفة الحقيقة أخطر من الجهل بها».
ابتسمت ابتسامة صغيرة لم أشعر بها على وجهي.
«هذا ما يقوله الجبناء حين يريدون أن يبدوا حكماء».
لم يغضب. اكتفى بإحناء رأسه.
«احذري يا روران. ليس كل من يبتسم لك يتمنى لك الخير، وليس كل من يقف في طريقك عدوًا لك».
غادر قبل أن أتمكن من سؤاله عن شيء آخر.
بقيت أنظر إلى الباب المغلق طويلًا.
لم أكن أعرف يومها إن كان الرجل يحاول حمايتي أم إخافتي، لكنني عرفت أمرًا واحدًا: موت أبي لم يكن نهاية شيء. كان بداية شيء لم أكن أعرف اسمه بعد.
في تلك الليلة، لم أنم.
جلست قرب النافذة أراقب المطر وهو ينزلق على الزجاج، وأفكر في الرجل الذي قضى عمره يخطط لمستقبلي، ثم مات دون أن يمنحني فرصة واحدة لأخبره أنني لم أعد متأكدة من رغبتي في ذلك المستقبل.
كنت أريد أن أصبح طبيبة، نعم.
لكن هل كنت أريد ذلك حقًا؟
أم أنني كررت الكلمات نفسها طويلًا حتى تحولت إلى حقيقة في رأسي؟
أغمضت عيني، فرأيت أبي أمامي. ظهره مستقيم، يده فوق عصاه، وصوته هادئًا وهو يقول:
«ستشكرينني يومًا يا روران».
فتحت عيني بسرعة.
لم أكن أريد أن أشكره.
كنت أريد أن أسأله لماذا لم يسألني مرة واحدة عمّا أريده أنا.
نهضت عن مقعدي، وسحبت الستائر الثقيلة حتى انحجبت المدينة عن نظري. كان القصر ساكنًا، لكنني شعرت للمرة الأولى بأنه أضيق من أن يتّسع لي.
لم أكن أعرف أنني سأفتقد يومًا رجلًا لم يطلب مني أن أكون طبيبة، ولا وريثة، ولا امرأة تليق باسم عائلة.
رجلًا سيضع أمامي أصيصًا صغيرًا من التراب، ويقول لي إن النبتة لا تحتاج إلى أن تصبح شجرة كي تستحق أن تعيش.
لم أكن أعرف أن اسمه سيكون جوزيف.
ولا أنني سأخالف وصيته يومًا، ثم أقضي بقية حياتي أتمنى لو أنني امتلكت الشجاعة لأطيعه.
كل ما عرفته في تلك الليلة أن أبي مات، وأنني بقيت وحدي في قصر مليء بالأشياء التي أرادها لي.
وللمرة الأولى، خطر لي سؤال لم أجرؤ على قوله بصوت مسموع:
إذا لم أعد ابنة كاسيان، فمن أكون؟