الفصل 1
بداية...
زودياك.
للمؤلفة: حوراء أحسان
2026
إهداء
إلى كل من شعر يومًا أنه تائه، لا يعرف أين يكمن طريق الصواب... إلى أولئك الذين ساروا طويلًا خلف سرابٍ مهدته لهم الأيدي الخطأ، والوجوه الخطأ، والأصدقاء الخطأ، والأحباء الخطأ... وحتى الشيطان... الذي جاءهم في الهيئة الخطأ.
أعطني عينيك قبل كل شيء، لأن الألم سيصيبهما لاحقًا. ومع ذلك، حاول أن تدرك أخطاءك معي… دون أن تراها ثم تنكرها. كن على وفاقٍ تام بما فعلته، وبما لم تفعله أيضًا.
نحن لسنا صفحاتٍ بيضاء على أي حال، بل صفحات تتشوّه بما ترتكبه أنفسنا. أنفسنا التي، مهما قاتلنا لنُصلحها، تتآمر مع كل شيء لتكون عكس ذلك.
أوجّه سؤالي إليك… رغم إدراكي أنك شخصٌ ملول، وبعد صفحةٍ أو صفحتين ستفرّ هاربًا مني. ويمكنني أن أخبرك لماذا. لأنك لا تبحث عمّا يفضح سريرتك، بل عمّا يرضيها. وأنا أتفق معك في هذه النقطة السوداء.
من ذا الذي يحب أن يُعكّر صفو مزاجه لأجل الصراع القائم في نفسه؟ أقصى ما يمكن أن تقدّمه لها هو أن ترمي عظمًا صغيرًا لها لتصمت طويلًا.
على كل حال… ماذا سيكون رأيك بي حين تتعرّف إلى حياتي؟ ستكرهني؟ أم ستتعاطف معي؟ سيمتلئ رأسك الفارغ بأسئلة لم تتوقع يومًا أنك ستفكر بها.
ولِمَ؟ لأن عقلك كان يعمل وفق ما يحب فقط. ستهدأ للحظات… وتستمع إلى الهمسات التي تبدأ بأكل طبلة أذنيك كأنها عثة جائعة. ستلفّ رأسك جهة اليمين فترى ملاكًا… ثم تعود إلى اليسار فتراه.
مستقيمًا بطوله المبالغ فيه، بلونه الكئيب المظلم، يحمل خلفه إغواءات الحياة وملذاتها التي تسحبنا إلى القاع في النهاية… ونحن غير مدركين لذلك.
أنت الآن، بخطوتك الأولى إلى حياتي، كن مدركًا أن كل ما ستعيشه من مشاعر وأفكار هو واقعك… لكن بأسلوبي الخاص، وبقدراتي المختلفة، وبشياطيني التي هي شياطينك أيضًا.
لا بأس، اطوِ الصفحة إن شعرت بالخطر أو القلق. ذلك لن يغيّر حقيقة أنك ممتلئ… تمامًا مثل كفّتَي الميزان. تابع ما يلي.. لكنني لا أعدك بأنه سينال إعجابك.
لطالما رغبتُ بما ليس لي، وعندما أحصل عليه أفقد رونق اهتمامي به. غريبٌ أنا عن نفسي، ولا تغريني السعادة دومًا. أميل لأن أشتم الحياة كثيرًا… كما لو أنني أحمل لها فضلًا كبيرًا، رغم أن الفضل لها هي، لأنها تتحمّل كائنًا غريب الأطوار مثلي على شكلها الكروي.
أمقت النساء كثيرًا، وأخاف العلاقات الغرامية. أتخيّلها كدوّامة بشرية تبتلع العشّاق في بئرٍ لا حبل له ولا نجاة منه، لذلك لا تتوقع قصة حُب وردية بهذا الكتاب. يمكنك فقط اغلاق الكتاب ورميه جانبًا أن لم يعجبك هذا الأمر.. فقط يمكنك القول "كفى!" لعنة الرب على كاتبه والانصراف عن عتبة اوراقي.
كذلك دعني أخبرك شيئًا عني... أنني أكره يوم الأحد. ينتابني فيه حزنٌ شديد وبكاء… غريب. يراودني شعور وكأن الأرض كلّها تبكي معي وقتها، وهو شعور مقيت أن تشعر بأن الأرض تتواطئ معك بحزنك وضيقك!.
ها أنا أحدّق في الشارع، في تلك البيوت التي لا تبعد عني كثيرًا. أنظر عبر نافذة صغيرة لا تُفتح أبدًا في غرفتي. عند الساعة الرابعة مساءً تعبر العجوز الهرِمة كل يوم أمامي، وتجلس على كرسي مقابل منزل العجوز هنري، محدّقةً بالباب طويلًا، بينما يخرج هنري مرتديًا قميصه الأزرق، كما في كل يوم، ويقف عند الباب ينظر إليها دون حراك.
أدير بصري نحو جوليا الصغيرة، تخرج لتلعب مع كلبها الكريه بالكرة الصفراء التي كلما رأيتها رغبتُ بتمزيقها. تفتح جارتي الباب مودّعةً زوجها عند الرابعة والنصف، وفي تمام الخامسة يأتيها بوب، صديق العائلة، كما في كل مرة.
يوجد جيران كثيرون أمام مشفى الأمراض العقلية… وهذا هو الخطأ الذي لا يراه أحد غيري. عليهم أن يكونوا هم داخل المشفى، لا خارجه. لكن من أنا… وأين أنا؟ هذا ما قد يجول بعقلك الحذق الآن.
أنا مجرد مجنون آخر حُشر في الموطن الأصلي للجنون: مستشفى بيثلم الملكي، أو كما يُطلق عليه عادةً "بيدلام"، وهو اسم مستعار أطلقه بعض الحمقى الذين لا يُرجى منهم شيء.
بيثلم الملكي هو أقدم مشفى في العالم. عندما تقف أمام واجهته سيلقي عليك التحية تمثالان، ولكل تمثال اسم خاص به: "الحزن" و"الهذيان". هما من يتوّجان بوابة المشفى.. قد تظن الآن أنني من اخترع هذه الأسماء للمكان وللتماثيل... لكن يؤسفني اخبارك أنه واقع حال موجود قبل أن اقص عليك حكايتي منذ اعوام طويلة.
لكن لا يخدعك مظهره الملكي، فخامته وضخامته. فهو يحتوي في داخله على أكثر من مجرد مختلين ومرضى نفسيين. يفتح أبوابه أيضًا للمشرّدين. قد يخطر ببالك الآن: لماذا يستقبل مشفى للمجانين أشخاصًا غير مجانين؟
هذا لأنه تأسّس في الأصل كدير مقدّس، وكان ملجأً للغرباء أكثر من كونه مشفى. كان بين حين وآخر يأتي أشخاص من الطبقة الراقية ليطّلعوا على أحوال المرضى، كما لو أننا تماثيل للعرض.
وكان ذلك يثير داخلي غضبًا شديدًا وكراهية لأمثالهم. ولأنني لم أكن من المرضى الذين يُسيطر عليهم بالعادة، هجمتُ عدة مرات على أصحاب الفرو والسجائر الفاخرة… حتى كانت نهايتي الحبس في غرفة لا خروج منها أبدًا.
المهم، دعنا نترك من أكون. لأنني سأكون معك حتى النهاية… أو لا. من يدري؟
لنكمل مع ورقتي وقلمي… نسيتُ أن أحلم. وأقصد بذلك أن حلمًا لم يراودني منذ ما يقارب السنة. منذ أن صعقتني صاعقة كهربائية. لهذا أشعر أنني أكثر كآبة من ذي قبل. كانت الأحلام مصدر قوتي في هذه الغرفة الصغيرة البيضاء.
لا يخنقني شيء سوى اللون الأبيض. حيطان بيضاء. سرير أبيض. طاولة طعام بيضاء. ستائر بيضاء. لدى البعض، الأبيض هو النقاء والطهارة والصفاء. لكنه بنظري مجرد لون يُجمّل سوء حالنا ويُظهرنا طيبين. إنه خانق، ساطع، مخادع… ويبعث في نفسي الكراهية. كفى! تجميل للخديعة الأبيض فقط للأطفال.
في تمام السادسة أغيّر ثيابي وأضعها في السلة قرب الباب. وعند السادسة والنصف أكتب رسالة وأضعها في الدرج، مع باقي الرسائل المكتوبة والمغلّفة. في حياتي يسير كل شيء بشكله المعتاد…. إلا أنا. أنا في المكان والزمان نفسيهما.
يفتح ستيف الباب ذا الأقفال الثلاثة، يدخل يده فقط ليسحب السلة،. ثم يغلقه مسرعًا،. كما لو أن كلبًا سيعضه. يخافني كثيرًا هذا الفتى. وأنا أكره الذين يخافونني.
عند السابعة تُدفع صينية الطعام من أسفل الباب، فالفتحة تكفي بالكاد لدخولها. لكن ذلك يفقدني صوابي. لا أعرف من يدفعها إليّ بتلك الطريقة الوقحة. لكني سأعرفه… وأنجز عليه مهمتي.
بعد أن ينتهي اليوم بطوله، تأتي ساعة الأفكار.. الثانية عشرة منتصف الليل.. اليوم فكرتُ في الآخرة.. سأدخل الجنة. أعرف ذلك، لأنني بقيت حبيسًا طويلًا. أنا لا أفعل شيئًا سوى التفكير. أفكر وأفكر حتى ضجر مني التفكير، وضجرتُ أنا منه.
ومع هذا، أثق أن خروجي من هنا سيغيّر مساري… إلى نحوٍ آخر. إلى شيءٍ أشبه بالسوء. أشعر أنني مبعوث لإنجاز مهمة، لكنها ليست مهمة تجعلني مقدّسًا،. بل أمرًا يحوّلني إلى ملاكٍ ذي قرون، وذيلٍ مسنون، ورمحٍ بيدي مصنوع من جهنم وجنون.
أغمض عينيّ كي أنام، لكن تراودني فكرة أن أحلم. وقد قررتُ اليوم… أن أحلم. زُقاق مظلم، تتدلّى منه مصابيح مكسورة تتأرجح بخفة، ودماء تملأ الأرض كبركة سوداء لامعة تحت ضوء خافت.
صوت تنفّس سريع، متقطّع، كأنه صفير يخرج من صدر مثقوب، وجثة هامدة تسحب أنفاسها الأخيرة فوق أرض قذرة مختلطة بالمطر والطين. يقف ممسكًا سكينًا، قبضته مشدودة حتى ابيضّت مفاصله، ينظر بعينين متّسعتين محمرّتين إلى الكلب الذي يلعق دماء ذلك الشاب بينما يحتضر بعجزٍ وذل.
يتقدّم خطوة، ينزلق حذاؤه قليلًا فوق الدم، فيتوازن سريعًا، ثم ينحني ببطء، يضغط على كتف المصاب بقدمه كي يثبّته، ويغرز السكين في فخذه دفعة واحدة. صرخة مكتومة، جسد ينتفض، ودم دافئ يندفع فوق يده. يهمس له، ووجهه قريب من أذنه المرتجفة:. "أنت تستحق ذلك… الذنب ليس ذنبي. كان يجب أن يموت أحدكما بهذه القصة."
يحرك الشاب المصاب يده المرتعشة، يرفعها بصعوبة، أصابعه تنزلق فوق ياقة القاتل، ثم تمسك برقبة قميصه بقوة مفاجئة. تتلاقى نظراتهما لثانية طويلة… وفجأة... أفتح عينيّ بفزع واول كلمة تخرج من شفتي هي لا!، صدري يرتفع ويهبط بعنف، ألهث كما لو أنني ركضت مسافة طويلة. أتحسس عنقي بيدي، أضغط عليه لأتأكد أنه سليم. كان حلمًا.
أحدّق في السقف الأبيض بشرود، أتابع شقًا صغيرًا يمتد فيه كأنه طريق رفيع إلى اللاشيء. أحرّك بصري ببطء نحو الساعة المثبّتة في الزاوية. السادسة صباحًا.
أبقى ساكنًا لما يقارب خمس عشرة دقيقة، أحدّق في الفراغ، لا أرمش إلا نادرًا، أراقب أنفاسي حتى تنتظم. ثم… أنفجر ضاحكًا بكل ما أوتيت من قوة. ضحكة حادة، طويلة، ترتد عن الجدران البيضاء وتعود إليّ مضاعفة.
أنهض فجأة من السرير، قدماي الحافيتان تصطدمان بالأرض الباردة، أصفّق بيديّ بقوة، أُصفّر نغمة متقطعة، أدور حول نفسي دورة كاملة، ثم أتوقف دفعة واحدة. صمت.. هدوء ثقيل. تبدأ الجدران تُحدثني… "ما أنتَ بفاعل؟"
أجلس متربعًا على الأرض، أضع كفّيّ فوق ركبتيّ، أرفع رأسي قليلًا كأنني أنظر إلى شخص يقف أمامي، وأجيب الصوت بنبرة هادئة: "أنا أبتدئ ما بُعثتُ إليه."
يأتيني صوت آخر، أعمق، أقرب، كأنه يهمس من خلف أذني: "إنك لمجنون… هذا من فعل الشيطان."
أرفع حاجبيّ ببطء، أبتسم ابتسامة جانبية، وأجيب بغضب مكتوم: "لا!...لا أتصرّف بما يحلو للشيطان… بل بما يحلو لي."
يرد الصوت مجددًا، هذه المرة أكثر حدّة:. "عليك أن تتعالج بسرعة، وإلا ستكون أنت الضحية… لا المجرم."
أقلب عينيّ بملل، أزفر بقوة، أضرب الأرض بكفّيّ مرة واحدة، ثم أنهض واقفًا.. "كفى.. صمتًا! أنتم مملّون."
يأتي صوت من جهة الباب هذه المرة، صوت حقيقي، خشن: "إنك تحتاج صعقة كهربائية مجددًا."
يتردد صدى المفاتيح خلف الباب، صوت احتكاك معدن بمعدن، ثم يُفتح الباب ببطء. يدخل مدير المشفى الأصلع جونثان سميث، مع شخصين ضخمين تتقدم أكتافهما قبل أجسادهما.
أنظر إليهما وأنا أبتسم باتساع، أرجّ رأسي قليلًا كما لو أنني أستقبل ضيوفًا في منزلي. "تعلم إنك سوف تندم لاحقًا." يحرك المدير رأسه نحوي ببرود، ثم يلتفت إلى الغولَين الواقفَين خلفه: "خذوه… بدأ يتحدث مع نفسه من جديد."
تخيّل… أو لا تتخيّل. أنصت… أو لا تنصت. أنظر… أو لا تنظر أنت حر في الاختيار… لكنّه سيقبض روحكَ في نهاية المطاف.