الفصل 1
الأربعون
الجزء الأول: الأربعون
في اليوم الأربعين، وقفت رمّانة أمام الباب الحديدي عشر دقائق قبل أن تُدخل المفتاح.
لم يكن المفتاح صعباً. كان القفل يعرفها. الصعب أنها كانت تعرف ما سيحدث حين يرتفع الباب: سيخرج هواءٌ محبوسٌ منذ أربعين يوماً، وفيه رائحة جدّها.
عدّت البلاطات بين قدميها والرصيف. أربع. عدّتها مرّة ثانية لتتأكّد.
ثم رفعت.
خرج الهواء دفعةً واحدة، ساخناً وحلواً وفاسداً في آنٍ معاً: سكّرٌ متخمّر، ونحاسٌ، وليمونٌ ماتَ في سلّته، وشيءٌ تحت كل هذا هو رائحة رجلٍ جلس في مكانٍ واحد ستّين سنة حتى صار الجدارُ يشبهه.
دخلت.
كان المحل ضيّقاً كما تركه: مترانِ ونصف عرضاً، وستّة طولاً. رفٌّ من خشب الجوز فيه كؤوسٌ مقلوبة. ثلاثة كراسٍ عالية أمام الطاولة الرخامية، أرجُلها معدنية والأولى منها تعرج قليلاً. مروحةُ سقفٍ فيها تكّةٌ في الدورة الثالثة من كل أربع دورات — تكّة، تكّة، تكّة، صمت. وعلى اليمين، فوق منضدةٍ من الرخام الأبيض المشروخ في زاويته، وقف المكبس.
المكبس النحاسي.
كان أطول منها بشبر، ذراعُه طويلة ملساء من كثرة الأكفّ، وجسمه أصفرُ داكن كوجهِ رجلٍ عمل في الشمس. لم يلمع منه إلا الموضعُ الذي تقبض عليه اليد.
مدّت رمّانة يدها ولم تلمسه.
على الحائط خلفه، لوحةٌ صغيرة بخطٍّ يدويٍّ باهت:
عصير الرمّانة — منذ ثمانين عاماً
تحتها، بخطّ جدّها، بالقلم مباشرةً على الجصّ:
لا نبيع بارداً بعد المغرب.
ابتسمت رمّانة، ثم ضبطت نفسها تبتسم، فتوقّفت.
الزقاق يستيقظ في السابعة. الحاج فوزي يفتح المقهى في السادسة والنصف لكنه لا يعترف بذلك، ويقول إنه يفتح في السابعة «مثل الناس». صبيُّ الخبز يمرّ بدرّاجة لها جرسٌ مكسور فيصفّر بفمه بدلاً منه. وشجرة التوت على رأس الزقاق تُسقط ما تُسقطه على السيارات، فيلعنها أصحابُها ولا يركن أحدٌ في مكانٍ آخر.
وفي السابعة وخمس دقائق، فُتح الباب المقابل، وخرجت أم عدنان تحمل صينية.
كانت امرأةً في السادسة والستين، قصيرة، عريضة، تمشي كمن يدفع الهواء أمامها. على الصينية إبريقُ شاي وكأسان وصحنٌ فيه كليجة.
«قلتُ في نفسي: البنت ستفتح اليوم.»
«صباح الخير يا خالة.»
«ما هو خير كثير.» وضعت الصينية على الرخام كأنها في بيتها. «أربعون يوماً والزقاق كلّه ينظر إلى هذا الباب مثل الغبيّ. الحاج فوزي يقول لي: تظنّينها ستفتح؟ أقول له: تفتح. البنت مثل جدّها، رأسها ناشف.»
«شكراً.»
«لا تشكريني، اشربي.» جلست على الكرسي الأول — الذي يعرج — وارتفعت وهبطت مرّة، ثم استقرّت. «شو ستعملين فيه؟»
«لا أعرف.»
«حلو. الصدق مبكّراً في الصباح شيءٌ نادر.» صبّت الشاي. «سمعتُ أن رجلاً من شركةٍ يسأل عن الزقاق.»
«أيّ شركة؟»
«شركة.» رفعت كتفاً. «يريدون التوتة. أوّل شيء يقطعونه التوتة، لأنها الشيء الوحيد هنا الذي لم يوقّع على شيء.»
شربت رمّانة نصف الكأس ووضعته.
«خالة، أنا هنا لأرتّب الأوراق فقط. أبيع أو أؤجّر، وأرجع.»
نظرت إليها أم عدنان طويلاً، بعينين صغيرتين ذكيّتين لا تصلح للمجاملة.
«حسناً يا حبيبتي.»
قامت وأخذت الصينية وتركت الكليجة، ووقفت في الباب.
«رمّانة.»
«نعم.»
«الرفّ الثاني، وراء علب الليمون. جدّك كان يخبّئ الدفتر هناك، ويظنّ أن أحداً لا يعرف.»
ومشت.
كان الدفتر حيث قالت.
دفترٌ سميك بغلافٍ من الكرتون الأحمر، تآكل ركنُه، ملفوفٌ بكيسٍ نايلون كأنه يخاف من الرطوبة. حمَلَتْه رمّانة ولم تفتحه. وضعته على الرخام، بجانب الكليجة، ونظرت إليه كما ينظر المرء إلى ظرفٍ من مستشفى.
بدل أن تفتحه، اشتغلت.
مسحت الرفوف. رمت الليمون الذي صار حجارةً سوداء. نزعت من الثلاجة كيساً كان فيه نعناع فصار ماءً أخضر، وغسلت يدها ثلاث مرّات ولم تذهب الرائحة. فتحت الحنفية فسعلت ثم جاءت. رتّبت الكؤوس المقلوبة، فوجدت واحداً منها ليس مقلوباً: كأسٌ منتصب، نظيف، فارغ، على الرفّ الثالث، وحده.
تركته كما هو.
ثم أخرجت من الصندوق الخشبي تحت الطاولة رمّانةً واحدة، آخر ما تبقّى، جافّةً من الخارج كالجلد.
أدارتها في كفّها.
كان جدّها يقول: «الرمّانة لا تُقشَّر بالسكّين. تُكسَر باليد. تُشقّق قشرتها بالإبهام هنا، عند التاج، ثم تفتحينها بلطفٍ مثل كتاب. إذا استعملتِ السكّين قطعتِ الحبّ، وصار في العصير طعمُ الحديد. الناس لا تعرف من أين جاء الطعم، لكنها تعرف أن شيئاً ليس على ما يرام.»
كسرتها.
انفتحت على أربعة أقسام، والحبّ في الداخل ما زال أحمر، حيّاً، مضغوطاً بعضه على بعض مثل جمهورٍ في باب.
وقفت رمّانة في محلٍّ عمره ثمانون سنة، تحمل رمّانةً مكسورة، وبدأت تعدّ الحبّ.
وصلت إلى مئةٍ وسبع وأربعين، ثم فقدت مكانها، ثم بدأت من جديد، ثم جلست على الأرض بين الكرسي والثلاجة وبكت لأول مرّة منذ أربعين يوماً.