دفتر الرمّان

0%
دفتر الرمّانالدفتر

الفصل 2

الدفتر

فتحته في المساء، بعد أن أنزلت الباب ولم تقفله، وأشعلت النور الوحيد فوق المكبس.

الصفحة الأولى بخطٍّ ليس خطَّ جدّها: خطٌّ أقدم، أعرض، بحبرٍ صار بنّياً.

بسم الله. دفتر الحساب. حسّون.

اليوم الأول.

وتحته أرقامٌ صغيرة بعملةٍ لم تعُد موجودة.

قلّبت. عشرون صفحة بخطّ حسّون، ثم انقطاع، ثم تبدأ صفحاتٌ بخطٍّ آخر — خطّ جدّها، مائلٌ إلى اليسار، حروفُه واقفة كأنها تنتظر دورها.

ثلاثة أعمدة: الاسم — المبلغ — التاريخ.

قرأت:

فوزي (مقهى) — ٣٠٠٠ — ١٢ نيسانفوزي — ٤٥٠٠ — ٣ أيارفوزي — ٢٠٠٠ — ١٩ أيارسُدِّد

نظرت في التواريخ. ثلاثة أشهر من الدَّين، ثم كلمةٌ واحدة تمحوه. لا مبلغ في عمود السداد. لا شيء. فقط: سُدِّد.

قلّبت أكثر.

أم عدنان — ٧٠٠٠ — (لا تاريخ)سُدِّدبيت الحدّاد، الثلاثة أولاد، عصير يومي — لا يُحسبسمير (ابن خضير) — ١٥٠٠٠ — ٢ تموزسُدِّد — سافرأبو صبحي — ٩٠٠٠ — ولا يعرف أنني أعرف

صفحةٌ بعد صفحة. ثمانون سنة من الناس الذين شربوا ولم يدفعوا، ورجلٌ يكتب أسماءهم بعناية المحاسب ثم يمحوها بعناية شخصٍ آخر تماماً.

رمّانة، التي اشتغلت خمس سنوات في قسم الذمم المدينة، وتعرف أن الرقم إذا لم يُقبَض يُقيَّد خسارةً ويُقفَل الحساب، جلست تنظر إلى دفترٍ فيه ملايينُ من الخسائر مكتوبةٌ بخط اليد وبجانب كلٍّ منها كلمة سُدِّد — كذبةٌ صغيرة نظيفة، كُرّرت آلاف المرّات، وصدّقها كاتبُها.

«أنت لست محاسباً»، قالت للدفتر بصوتٍ عالٍ. «أنت رجلٌ يكتب رسائل غرام إلى الزقاق.»

ثم وصلت إلى الصفحة.

كانت في الثلث الأخير، وكانت مختلفة.

الحبر أزرق داكن، لا أسود. والخطّ خطُّ جدّها لكنه أصغر، أضيَق، مضغوط، كأن الرجل كان يكتب وهو يشدّ على أسنانه.

في أعلى الصفحة، بلا اسم ولا عنوان:

١٠٠دُفع ٥٠ — بيع البيتالباقي ٥٠ — بذمّتي — السند عند ع.س.

ثم تحته، سطرٌ بعد سطر، خمس سنوات:

خميس — ٢٠٠خميس — ٢٠٠خميس — ١٥٠خميس — ٢٠٠خميس — لم أستطعخميس — ٢٠٠خميس — ٤٠٠ (بعت ساعة أبي)خميس — ٢٠٠

مئتان وستون سطراً تقريباً. كلها تبدأ بكلمة خميس.

ولا رقمٍ نهائي. لا مجموع. الرجل الذي كان يجمع كل شيء في رأسه ويكتب المجاميع في أسفل كل صفحة، لم يجمع هذه.

قلّبت الصفحة.

فارغة.

قلّبت أخرى.

فارغة.

كل ما بعدها فارغ.

أخرجت هاتفها وفتحت الآلة الحاسبة وبدأت تجمع الأسطر واحداً واحداً. أخطأت مرّتين وبدأت من جديد. استغرقت أربعين دقيقة.

المجموع: ثمانيةٌ وثلاثون مليوناً ومئتان.

من خمسين.

فالباقي اثنا عشر مليوناً — إن كان الحساب حساباً.

أغلقت الدفتر ووضعت كفّها عليه.

مئةُ مليون. لماذا يستدين رجلٌ يبيع العصير مئة مليون؟ ولمن؟ ومن هو «ع.س.»؟

كانت تعرف أن هناك ديناً. قال لها في الهاتف مرّةً، قبل ثلاث سنوات، بصوتٍ خفيف: «عندي التزام صغير يا بابا، لا تشغلي بالك.» وسألته وأصرّ أنه صغير، فتركته، لأن تركه كان أسهل، ولأنها كانت في اجتماع.

فتحت الهاتف مرّةً أخرى ودخلت إلى محادثتها معه.

آخر شيء فيها: رسالةٌ صوتية.

٠:٤١

أُرسلت في الحادية عشرة وأربعٍ وخمسين دقيقة ليلاً، قبل ثلاثةٍ وأربعين يوماً. أي قبل أن يموت بثلاث ساعات.

وضعت إبهامها فوقها.

ورفعته.

وأطفأت الشاشة، وقلبت الهاتف على وجهه على الرخام.

في تلك اللحظة بالضبط، طُرق الباب الحديدي النصفُ منزَل، طرقتان خفيفتان بظهر اليد، كمن يعتذر عن الطرق أثناء الطرق.

«معذرةً.» صوتٌ رجولي، عجوز، وواضحٌ وضوحاً غريباً، كأن كل حرفٍ فيه مصقول. «هل فُتح المحلّ؟»