الفصل 3
حكاية بكأس
رفعت الباب.
كان في السبعينات المتأخّرة. نحيل، مستقيم الظهر بشكلٍ يكاد يكون وقحاً، بقميصٍ أبيضَ مكويّ وبنطلونٍ رماديٍّ أوسع منه بمقاسين، وبيده عصا لا يتّكئ عليها بل يحملها كما يحمل المرء مظلّةً في يومٍ صحو. شعره أبيض، مسرَّح إلى الخلف بماء.
نظر إليها، ثم نظر خلفها إلى المحل، ثم إلى المكبس، ثم إلى الكرسي الأوسط.
«الحمد لله»، قال. «كنتُ أخاف أن أجده مقفلاً.»
«هو مقفل.»
«هو مفتوح، أنتِ واقفةٌ فيه.» ودخل.
جلس على الكرسي الأوسط، ووضع العصا على الرخام أمامه بحيث لا تتدحرج، وضبط ياقته.
«رمّان»، قال. «بلا سكّر.»
«سيّدي، أنا لا—»
«بلا سكّر أبداً. لا ملعقة ولا نصف ملعقة. جدّك كان يضع نصف ملعقة ويظنّ أنني لا أنتبه، وكنتُ أنتبه في كل مرّة، وسكتُّ أربعين سنة احتراماً له. الآن مات، فلنتكلّم بصراحة.»
فتحت رمّانة فمها ثم أغلقته.
«أنا لا أبيع اليوم. لا يوجد رمّان أصلاً، ولا—»
«في الصندوق الخشبي تحت الطاولة، إلى اليسار، تحت الخيش. جدّك كان يخبّئ أربعاً هناك دائماً. للطوارئ.»
انحنت رمّانة ورفعت الخيش.
أربع رمّانات.
اعتدلت ببطء.
«من أنت؟»
«نوري.»
«نوري ماذا؟»
«نوري.» ابتسم قليلاً. «الكنيةُ ملكُ الدولة، أمّا الاسم فملكي.»
عصرت له.
فعلتها كما رأت جدّها يفعلها ألف مرّة: كسرت الرمّانتين باليد، وفرّغت الحبّ في القمع النحاسي، وسحبت الذراع الطويلة.
الذراع أثقل مما ظنّت. اضطرت أن تضع كل ثقلها عليها، وأن تقف على أطراف قدميها، وأن تدفع.
وقالت لنفسها: هذا سخيف. هناك آلاتٌ كهربائية بحجم الغلّاية تفعل هذا في ثلاث ثوانٍ.
ثم سال العصير في الكأس، ورأته: لونٌ لم ترَه في أيّ علبةٍ في أيّ سوبرماركت في خمس سنوات — أحمرُ فيه سوادٌ وفيه ضوء، ثقيلٌ يهبط في الكأس بتكاسل.
وضعته أمامه.
«بلا سكّر»، قالت.
رفعه ونظر فيه قبل أن يشرب. شرب ثلاث رشفاتٍ متتالية، ووضعه، وأغمض عينيه ثانيتين.
«ألف شكر.»
ثم لم يفعل شيئاً.
انتظرت.
«ثلاثة آلاف»، قالت.
فتح عينيه. «آه.» وبدا مرتبكاً بأدبٍ شديد، كضيفٍ اكتشف أنه دخل بيتاً خطأً وهو يخلع حذاءه. «أنا لا أدفع.»
«عفواً؟»
«لا أدفع نقداً. هذا اتفاقٌ قديم مع الحاج راضي. حكايةٌ بكأس.»
«حكاية.»
«حكاية.»
نظرت رمّانة إلى الكأس الفارغ نصفَ فراغ، وإلى الرجل، وإلى المحل الذي يدين اثني عشر مليوناً على الأقل، وشعرت بشيءٍ حارٍّ يصعد في حلقها.
«سيّدي. عمّي. باحترام. أنا ورثتُ محلّاً عليه دَين. لا أستطيع أن آخذ حكايات.»
«ولا أنا أستطيع أن أعطي غيرها.» قالها بلا خجلٍ وبلا وقاحة، كمن يذكر فصيلة دمه. «فمَن منّا في ورطةٍ أكبر؟»
«اسمع—»
«ثلاث دقائق. إذا لم تعجبكِ، تأخذين ثلاثة آلاف من جيبي وأنا لا أعود.»
«معك ثلاثة آلاف؟»
«ليس معي.» ووضع كفّه على الرخام. «لكنني سأجدها. الفرق بيني وبين الناس أنني أعرف أنني لا أملك شيئاً. هم لا يعرفون.»
وقبل أن تجيب، بدأ.
«في مدينةٍ ما، وفي سنةٍ لن أقولها لأن السنوات تُشعِر الناس بالأمان، كان في الإذاعة رجلٌ اسمه سليم.
سليم كان يقرأ نشرة الحادية عشرة. صوته كان — كيف أقول — صوتاً يجعل خبر ارتفاع سعر الطماطم يبدو كإعلان حرب. الناس كانوا يطفئون الراديو بعد النشرة مباشرةً لأن ما بعده لا يستحقّ.
في ليلةٍ من ليالي كانون، انتهى سليم من النشرة، وقال 'إلى اللقاء'، ومدّ يده إلى المفتاح.
ولم يضغط.
المفتاح كان قديماً وفيه لعبة، ويحتاج ضغطةً كاملة، وسليم كان متعباً فضغط نصف ضغطة.
فبقي الميكروفون مفتوحاً.
وجلس سليم في الاستوديو، وحده، يظنّ أنه وحده، وأخرج علبة سجائره ووجدها فارغة. فقال بصوتٍ مسموع: 'يا الله. لا سجائر.'
وسمعته المدينة كلها.
ثم دخلت عليه زوجته — كانت تعمل في الأرشيف في الطابق نفسه — ومعها الشاي. وبدأ بينهما نقاشٌ صغير كان قد بدأ في البيت في الظهر ولم ينتهِ: نقاشٌ عن سعر اللحم.
قالت له إن الجزّار يسرقه لأنه يخجل أن يسأل عن السعر. وقال إنه لا يخجل، بل إن السؤال عن السعر ليس من طبعه. وقالت إن 'ليس من طبعي' هي أغلى جملة في اللغة. وقال إنها تضخّم. وقالت إنه يشتري لحماً بضعف سعره منذ إحدى عشرة سنة، وإنها حسبَتْها، وإن المبلغ يكفي لشراء ثلّاجة وسيارة صغيرة.
واستمرّ هذا سبعةً وعشرين دقيقة.
والمدينة، في تلك السنة، كان فيها حظرُ تجوّل. الشوارع فارغة والبيوت مظلمة والناس جالسون في العتمة لا يفعلون شيئاً.
فجلسوا يسمعون.
سبعٌ وعشرون دقيقة، والمدينة كلها تسمع رجلاً وامرأةً يتشاجران على سعر اللحم.
ولا أحد اتّصل بالإذاعة.
هذا هو الجزء الذي أريدكِ أن تنتبهي له: هاتف الإذاعة كان يعمل. والناس كانوا يعرفون الرقم — كانوا يتّصلون به لطلب الأغاني. ولا واحدٌ اتّصل.
في الصباح، طردوا سليم.
وفي الصباح نفسه، كان في المدينة أربعةٌ وسبعون بيتاً قرّر أهلها أن يتكلّموا في شيءٍ كانوا يؤجّلونه.»
صمت.
رفع الكأس وشرب ما تبقّى، ووضعه مقلوباً على الرخام.
«الحساب؟» قالت رمّانة.
«سُدِّد.»
قام، وأخذ عصاه، وضبط ياقته مرّةً أخرى.
«غداً في الساعة نفسها»، قال. «وبلا سكّر.»
وخرج.
وقفت رمّانة وحدها في المحل ثلاث دقائق كاملة. ثم فتحت الدفتر على أول صفحةٍ فارغة، وأخذت قلم جدّها من علبة الحلاوة الصفيح، وكتبت:
الاسم: نوريالمبلغ: ٣٠٠٠التاريخ: ٧ آب
نظرت إلى ما كتبت.
ثم شطبت الرقم، وكتبت مكانه:
حكاية.
ثم كرهت نفسها كراهيةً حقيقية، وأقفلت الدفتر بقوّةٍ، وأطفأت النور.