دفتر الرمّان

0%
دفتر الرمّانالخميس الأول

الفصل 4

الخميس الأول

يوم الخميس، في الرابعة والنصف عصراً، دخل شابٌّ لم ترَه من قبل.

كانت رمّانة تعدّ الليمون الجديد. سمعت الخطوة فقالت «تفضّل» بلا أن ترفع رأسها. ولم يأتِ صوت.

رفعت رأسها.

كان في منتصف العشرينات. أسمر، عريض الكتفين بشكلٍ لا يناسب طولَه، بقميصٍ رماديٍّ مطويِّ الكمّين إلى المرفق. على ساعده الأيمن حرقٌ قديم بحجم قطعة نقود، ناعمٌ ولامع. يداه كبيرتان، والأظافر قصيرة جداً، وفي أخاديد الأصابع خطٌّ أخضرُ داكن لم يخرج بالغسيل.

مشى إلى الكرسي الثالث — الأخير، عند الجدار — وجلس عليه.

ولم يقل شيئاً.

انتظرت. عدّت في رأسها إلى عشرة.

«تفضّل. شو تحبّ؟»

نظر إليها. عيناه كانتا هادئتين إلى درجةٍ مزعجة.

«لا شيء. شكراً.»

«لا شيء؟»

«نعم.»

«هذا محلّ عصير.»

«أعرف.»

وأدار وجهه إلى الطاولة وسكت.

مرّت عشرون دقيقة.

اشتغلت رمّانة، وهي تنظر إليه من طرف عينها كل دقيقتين. لم يخرج هاتفاً. لم ينظر في هاتفٍ ولا في ساعة. جلس، ويداه على الرخام، وبين حينٍ وآخر كان إبهامه يمسح الشرخ في زاوية الرخام مسحةً واحدة، ذهاباً وإياباً، ثم يتوقّف.

دخل زبونان، اشتريا، خرجا.

جاءت مروحة السقف بتكّتها: تكّة، تكّة، تكّة، صمت.

في السادسة إلا ربعاً، قام.

لكنه لم يخرج. مشى إلى تحت المروحة، ونظر إليها، ثم رفع يده وأمسك عمود التعليق وهزّه هزّةً واحدة خفيفة. وأصغى.

ثم سحب الكرسي الأول — العارج — ووقف عليه.

«معذرةً»، قالت رمّانة، وصوتها خرج أحدَّ مما أرادت. «شو تسوّي؟»

لم يجب. مدّ يده إلى الحافّة العليا للمروحة، وأدار شيئاً بأصابعه — لا مفكّ ولا شيء، أصابعه فقط — نصف دورة. ثم نصف دورة أخرى في الجهة المقابلة.

ثم نزل، وأعاد الكرسي إلى مكانه بدقّة، ووقف ينظر إلى المروحة.

تكّة، تكّة، تكّة—

صمت.

صمت.

صمت.

استدارت رمّانة إليها. المروحة تدور، ولا تكّة.

«كيف—»

«الوصلة مرتخية، مو مكسورة.» صوته كان أقل رسمية الآن، أقرب. «إذا صار مرّة ثانية، لا تشدّيها كثيراً. النحاس يكره الشدّ.»

«ليست نحاساً، إنها—»

«محورها نحاس.» ونظر إليها للمرّة الثانية، مباشرةً. «مساء الخير.»

ومشى إلى الباب.

«انتظر.»

توقّف.

«ما اسمك؟»

«يوسف.»

«يوسف—»

لكنه كان قد خرج.

عبرت الزقاق فوراً ودخلت على أم عدنان.

كان دكّان الخردوات ضيّقاً إلى درجةٍ لا تُصدَّق، وفيه من الأشياء ما يكفي مدينة: بكراتُ خيطانٍ مصفوفةٌ حسب اللون في ستّة رفوف، وأزرارٌ في جرارٍ زجاجية، وسحّاباتٌ معلّقةٌ كالضفائر، وصندوقٌ مكتوبٌ عليه بخطّ اليد «مطّاط». وأم عدنان في الوسط على كرسيٍّ عالٍ، تخيط شيئاً.

«خالة، مين هذا؟»

«مين مين؟»

«الشاب. الذي كان عندي الآن. عمره خمسة وعشرون، ستّة وعشرون. أسمر. جلس ساعةً ولم يطلب شيئاً.»

توقّفت إبرة أم عدنان في الهواء نصفَ ثانية.

نصفَ ثانية فقط. لكن رمّانة كانت محاسِبة، والمحاسبون يرون الأرقام التي تتأخّر نصفَ ثانية.

«ما أدري.»

«خالة.»

«يا بنتي، الزقاق فيه ناس. أنا أعرف الجميع؟»

«أنتِ تعرفين كم بيضة أكل الحاج فوزي هذا الصباح.»

«ستّاً، وهو يقول ثلاثاً، والله يهديه.» عادت الإبرة إلى الشغل. «لا أعرفه.»

نظرت إليها رمّانة.

نظرت أم عدنان إلى الخياطة.

«حسناً»، قالت رمّانة.

«حسناً.»

وعند الباب، بلا أن تستدير:

«خالة. الكرسي الثالث — من كان يجلس عليه؟»

سكوت.

«لا أحد يا حبيبتي. الكرسي الثالث كان دائماً فاضياً.»

وكان في صوتها شيءٌ جعل رمّانة تعرف، بلا دليلٍ وبلا سبب، أن هذه أوّل كذبةٍ كبيرة تُقال لها في هذا الزقاق، وأنها لن تكون الأخيرة.