دفتر الرمّان

0%
دفتر الرمّانالصيرفة

الفصل 5

الصيرفة

«ع.س.» كان اسمُه عبد الستار.

عرفت ذلك من ورقةٍ وجدتها مطويّةً بين آخر صفحتين في الدفتر: سندُ رهنٍ عرفيّ، مكتوبٌ بخطّ كاتبٍ محترف، وموقّعٌ بتوقيعين وبصمتين، وفي أعلاه:

المُقرِض: عبد الستار عبد الله الصفّار — صيرفة الأمين — الشارع الكبير

وقفت رمّانة أمام الصيرفة في الحادية عشرة صباحاً وشمسُ آب تنزل على قفاها كيدٍ ثقيلة.

كانت الصيرفة نظيفة إلى درجة العداء. زجاجٌ مصقول، وأربع شاشاتٍ تعرض أسعاراً تتغيّر، وموظّفان شابّان بربطتَي عنقٍ في هذا الحرّ، وبَرْدُ مكيّفٍ يصفع الداخلَ صفعة.

في الداخل، خلف مكتبٍ خشبي، جلس رجلٌ في منتصف الخمسينات، أبيض القميص، حليقٌ بعناية، أمامه ثلاثة أقلامٍ مصفوفةٌ متوازية.

«تفضّلي.»

«أنا رمّانة. بنتُ مهنّد. حفيدةُ الحاج راضي.»

نظر إليها.

ولم يتغيّر في وجهه شيء، لكن يده اليمنى تحرّكت ببطء وسوّت القلم الأوسط الذي كان مستقيماً أصلاً.

«اجلسي.»

جلست.

«الله يرحمه»، قال.

«الله يرحمه.»

«تفضّلي.»

أخرجت الدفتر ووضعته على المكتب وفتحته على الصفحة الزرقاء.

«جدّي كان يسدّد كل خميس. حسبتُها ثلاث مرّات. ثمانيةٌ وثلاثون مليوناً ومئتان من أصل خمسين. يبقى اثنا عشر. جئتُ لأعرف كيف نُغلق الموضوع.»

استمع بلا مقاطعة. ثم فتح دُرجاً، وأخرج دفتراً آخر — دفتراً حديثاً، أسود، بصفحاتٍ مسطّرة — وقلّبه بإبهامه إلى صفحةٍ يعرف مكانها.

وأدار الدفتر نحوها.

«اثنان وستون.»

«ماذا؟»

«الرصيد اثنان وستون مليوناً وسبعمئة.»

نظرت في الصفحة. أعمدة، أرقام، تواريخ. قرأت مرّتين.

«هذا مستحيل. الأصل خمسون. هو دفع ثمانيةً وثلاثين.»

«هو دفع ما هو مسجّلٌ عندي.»

«ما هو المسجّل عندك؟»

«أحدَ عشر.»

سكتت رمّانة.

في الشركة التي عملت فيها، كان هناك رجلٌ اسمه أبو ريّان يشتغل في التحصيل، وكان يقول: حين يعطونك رقماً غير معقول، لا تصرخ. الصراخ يجعل الرقم يبدو معقولاً بالمقارنة.

فلم تصرخ.

«وأين ذهب الباقي؟»

«لا يوجد باقٍ. يوجد ما هو مسجّل.» أشار بإصبعه إلى عمودٍ في يمين الصفحة. «وهذه غرامة التأخير. اثنان في المئة شهرياً على الرصيد. مكتوبةٌ في السند، السطر الرابع، وعليها بصمة جدّك.»

سحبت السند وقرأت السطر الرابع.

كان مكتوباً. بصمة الإبهام واضحة، دائرية، حمراء.

«اثنان في المئة مركّبة على خمس سنوات.»

«نعم.»

«هذا رِبا.»

«هذا اتفاق.»

«جدّي وقّع عليه وهو يبيع بيتَه.»

«جدّك وقّع عليه وهو في كامل عقله، أمام شاهدَين، وأحدهما ما زال حيّاً.» أغلق الدفتر. «يا ابنتي. أنا لا أحبّ هذه الجلسة أكثر منكِ.»

«إذاً لماذا تفعلها؟»

نظر إليها.

للحظةٍ ظنّت رمّانة أنها رأت شيئاً يتحرّك خلف الوجه، مثل سمكةٍ تحت جليد.

«لأن هناك أشياء لا يمكن تركُها.»

ثم أخرج ظرفاً من الدرج ووضعه أمامها.

«إشعارٌ رسمي. أمامكِ حتى نهاية تشرين الأول. إذا لم يُسدَّد الرصيد، أنفّذ الرهن وأتملّك المحل. وقد وصلني عرضٌ عليه، مع بقيّة الزقاق. عرضٌ جيّد.»

«الشركة.»

«الشركة.»

أخذت الظرف.

«آخر يومٍ بالضبط؟»

فتح تقويماً على المكتب، ونظر.

«آخر خميس من تشرين الأول.»

«خميس»، قالت رمّانة.

«خميس.»

وقفت. وعند الباب، لأنها لم تستطع أن تمنع نفسها، استدارت.

«سؤال. اسمك عبد الستار عبد الله الصفّار.»

«نعم.»

«هل تعرف شابّاً اسمه يوسف؟»

هذه المرّة لم تكن نصفَ ثانية. كانت ثانيةً كاملة.

«الاسم شائع»، قال.

وعلى المكتب، إلى يسار الأقلام الثلاثة، كان هناك إطارٌ صغير فيه صورةُ رجلٍ يشبهه ويكبره قليلاً، يضحك، وفي يده كأس. وعلى زاوية الإطار شريطٌ أسود.

خرجت رمّانة إلى شمس آب.

وعدّت الدرجات إلى الشارع. ستّ.