دفتر الرمّان

0%
دفتر الرمّانحساباتٌ لا تُقفَل

الفصل 6

حساباتٌ لا تُقفَل

كانت رمّانة تعرف كيف تُنقِذ شركة. هذا ما كانت تفعله: تدخل على حسابٍ مريض، وتقرأ الأرقام، وتقول أين يُقطَع وأين يُضاف.

فعملت كما تعمل.

أولاً: البنك.

جلست أمام موظّفٍ في الثلاثين، وشرحت، وأخرجت أوراقاً، وتكلّمت بلغة القروض الصغيرة ودراسات الجدوى.

سمعها. طبع اسمها. نظر إلى الشاشة.

ثم غيّر جلسته.

«الأستاذة رمّانة. العقار مرهون رهناً عرفيّاً، وهذا لا نموّل عليه.»

«فهمت. والتمويل الشخصي؟»

طبع مرّةً أخرى. توقّف. رفع عينيه، ثم أنزلهما.

«اسم الوالد مهنّد راضي؟»

«نعم.»

«فيه... تنبيه على الاسم في النظام.»

«تنبيه؟»

«لا أستطيع أن أفصّل.»

«أنا لست أبي.»

«أعرف يا أستاذة.» وكان في صوته أسفٌ حقيقي، وهذا كان أسوأ. «لا أستطيع.»

ثانياً: التحديث.

اشترت لافتةً جديدة بحروفٍ مضيئة وعلّقتها فوق القديمة، وطبعت قائمة أسعارٍ مغلَّفة، ورفعت سعر الكأس من ثلاثة آلاف إلى أربعة.

في اليوم الأول باعت ستّةً وعشرين كأساً.

في الثاني، تسعة عشر.

في الثالث، أحدَ عشر.

وقف الحاج فوزي على الباب في اليوم الرابع، بيديه في جيبيه.

«اللافتة حلوة.»

«شكراً.»

«الحاج راضي كان يقول: الزبون لا يقرأ اللافتة، يقرأ وجهك.» ودخل، وطلب كأساً، ودفع أربعة آلاف، وأصرّ. «بس بيني وبينك؟ الناس هنا لا تشرب عصيراً لأنها عطشانة. تشربه لأنه ثلاثة آلاف. ثلاثة آلاف يعني: أستطيع أن أقف عشر دقائق ولا أكون بخيلاً على نفسي. أربعة آلاف يعني: أنا أشتري شيئاً. فرق كبير يا بنتي.»

في اليوم الخامس أنزلت السعر إلى ثلاثة آلاف.

في اليوم السادس باعت ثلاثةً وثلاثين.

ثالثاً: الآلة.

بحثت عن عصّارةٍ كهربائية. وجدت واحدةً مستعملة بسعرٍ معقول، وحسبت أن الوقت الذي توفّره يعني ثلاثة أضعاف الكؤوس في الساعة.

كان عليها أن تبيع المكبس النحاسي لتشتريها.

جاء رجلٌ من سوق الأنتيكات، ودار حول المكبس، ومسحه، وقلبه، ونظر تحت قاعدته بمصباح الهاتف.

«ثلاثة ملايين ونصف.»

كان مبلغاً حقيقياً. كان يعني ثلاثة أشهرَ من التنفّس.

«اتركني أفكّر.»

«لا تفكّري كثيراً. هذا الشكل ما عاد له سوق، إلا لواحدٍ مثلي.»

خرج، وبقيت رمّانة أمام المكبس.

وضعت كفّها على الذراع، في الموضع الأملس، حيث انطبعت أكفُّ ثلاثة رجالٍ حتى صار النحاس يعرف شكل اليد.

ثم انحنت ونظرت تحت القاعدة، حيث نظر الرجل.

كان هناك ختمٌ مطروق في المعدن، غائرٌ ومملوءٌ بأسود السنين. قرّبت الهاتف.

صُنع في محلّ الصفّار — زقاق التوتة

الصفّار.

اعتدلت ببطء.

رابعاً: أبوها.

اتّصلت في العاشرة مساءً.

رنّ الهاتف تسع مرّات.

«ألو.»

كان صوته كما هو دائماً: مرتاحٌ، دافئٌ، بعيد. صوتٌ في خلفيّته دائماً مقهى.

«بابا.»

«رمّانة! حبيبتي! والله كنتُ سأتّصل بكِ اليوم.»

كانت هذه جملته منذ خمس سنوات.

«بابا، عندي سؤال واحد. جدّي كان مديوناً مئة مليون. من أين؟ ولمن؟»

سكوت.

في الخلفية، ملعقةٌ تدور في كأس.

«الحاج الله يرحمه كان يتورّط»، قال أخيراً. «كان يضمن الناس. تعرفين طبعه.»

«مئة مليون يا بابا.»

«الأسعار تغيّرت يا بنتي.»

«بابا. من هو عبد الستار الصفّار؟»

هذه المرّة كان السكوت أطول، ولم يعُد فيه صوت ملعقة.

«اسمعي. المحل خرابة. بيعيه، خذي حصّتك، وتعالي أنا أرتّب لكِ شغلاً هنا—»

«حصّتي.»

«حصّتنا.»

أغلقت الخط.

جلست على الأرض بين الكرسي والثلاجة، في المكان نفسه.

وفتحت الهاتف، وذهبت إلى المحادثة، ونظرت إلى الشريط الرمادي الصغير.

٠:٤١

إحدى وأربعون ثانية.

فكّرت: لو ضغطتُ الآن، سأسمع صوته. وسأعرف أنه صوتٌ يستطيع أن يوجد وأنا لا أستطيع أن أردّ عليه. وهذا شيءٌ لن أستطيع أن أُلغيه بعدها.

ووضعت الهاتف في جيبها.