الفصل 7
البقعة
في الأسبوع الثالث، وهي تغسل واجهة المحل بخرطومٍ استعارته من الحاج فوزي، انتبهت إلى الجصّ.
الجدار الخارجي، إلى يمين الباب، على ارتفاع نصف متر تقريباً وبعرض متر: كان الجصّ هناك أحدثَ من بقيّة الجدار. لونه أفتح بدرجةٍ واحدة، وسطحُه أنعم، والحدود غير مستقيمة كأنّ أحداً رمّم بسرعة.
وفوقه، لا يزال، أثرٌ باهت. ليس بقعةً بالضبط. أثرُ شيءٍ حاولوا إزالته مرّتين ثم استسلموا فطلَوا فوقه، فظهر من تحت الطلاء بعد سنوات كما يظهر الحبر تحت الورق.
مسحته بالخرطوم. ثم بالفرشاة. ثم بمسحوقٍ يحرق اليد.
لم يتحرّك.
«خالة»، نادت.
خرجت أم عدنان من دكّانها بلا صينية هذه المرّة.
«هذا الجدار. لماذا هو أحدث؟»
نظرت أم عدنان إلى الجدار. ثم إلى أعلى الزقاق. ثم إلى الأرض.
«سيّارة.»
«سيّارة؟»
«صدمت الجدار. من زمان.»
«متى؟»
«يا بنتي، أنا لا أحفظ التواريخ.»
«خالة، أنتِ تحفظين متى تزوّجت جارتك ومتى طلّقت.»
«الله يهديكِ.» واستدارت لتدخل.
«خالة.»
توقّفت في بابها، وظهرُها إليها.
«خالة، أنتم كلّكم تعرفون شيئاً وأنا لا أعرفه. أنا لستُ غريبة. أنا كبرتُ في هذا الزقاق.»
استدارت أم عدنان.
وكان وجهها متعباً بشكلٍ لم ترَه رمّانة فيه من قبل.
«أنتِ سافرتِ يا حبيبتي.»
ودخلت وأغلقت الباب.
في الرابعة، جاء نوري.
جلس، وضبط ياقته، ووضع العصا. عصرت له بلا سكّر. شرب ثلاث رشفات، وأغمض عينيه ثانيتين.
«عمّي نوري.»
«نعم.»
«الجدار الذي في الخارج، إلى يمين الباب.»
«ماذا فيه؟»
«ماذا فيه؟»
نظر نوري من فوق كتفها، إلى الباب، إلى الضوء.
وتغيّر وجهه.
لم يخف. لم يحزن. صار وجهه وجهَ رجلٍ يقرأ ورقةً بلغةٍ يعرفها ونسيها.
«هنا»، قال، «توقّف النحاس عن الطرق.»
«ماذا؟»
«سوق الصفّارين خلف الزقاق. تسمعينه من هنا. طرق، طرق، طرق، من الصبح إلى المغرب، أربعون سنة، حتى إن الناس هنا لا يسمعونه — مثل قلبك، لا تسمعينه إلا إذا وقف.»
مدّ يده إلى الكأس ولم يرفعه.
«ذلك اليوم، وقف.»
«أيّ يوم؟»
«لا أعرف.» وكان الارتباك في صوته حقيقياً، وهذا أفزعها أكثر من كل شيء. «كان... انتظري. كان...»
نظر إلى يده على الكأس كأنها يدُ شخصٍ آخر.
«كان يوم خميس»، قال.
ثم رفع الكأس وشرب، وابتسم ابتسامةً واسعةً مفاجئة.
«هل حكيتُ لكِ حكاية المذيع الذي نسي أن يُغلق الميكروفون؟»
جمّدت رمّانة.
«حكيتَها لي. قبل أسبوعين.»
«آه.» ولم يبدُ عليه الحرج. بدا عليه شيءٌ أسوأ: بدا عليه أنه لم يصدّقها تماماً. «إذاً أحكي غيرها.»
في تلك الليلة، بعد أن أقفلت، وقفت رمّانة في الزقاق تحت التوتة.
كان الحرّ قد خفّ درجةً واحدة، أول درجةٍ في السنة.
ومن خلف البيوت، من ناحية سوق الصفّارين، جاء صوت.
طرق. طرقٌ منتظم، رفيع، معدنيّ، متأخّرٌ في الليل — رجلٌ يشتغل وحده بعد أن أقفل السوق.
وقفت رمّانة تسمعه.
وعدّت الطرقات.
وصلت إلى ستٍّ وثمانين، ثم توقّف.