دفتر الرمّان

0%
دفتر الرمّانالخميس الثالث

الفصل 8

الخميس الثالث

الجزء الثاني: الحكايات

في الخميس الثالث، قرّرت رمّانة أن تُجبره على الكلام.

جاء في الرابعة والنصف، كالعادة، وجلس على الكرسي الثالث، وقال «مساء الخير»، ولم يطلب شيئاً.

فكسرت رمّانةً، وعصرت، ووضعت الكأس أمامه.

«على حسابي.»

نظر إلى الكأس.

لم يمدّ يده. لم يقل شكراً بسرعة كما يفعل الناس. نظر إليه فقط، طويلاً، حتى بدأ الندى يتجمّع على الزجاج ويسيل خطّاً واحداً إلى الرخام.

«شكراً»، قال أخيراً. ولم يشرب.

«لا يعجبك؟»

«يعجبني.»

«إذاً اشرب.»

«لا أستطيع.»

«حساسية؟»

«لا.»

«إذاً؟»

استدار على الكرسي ونظر إليها.

«لماذا الكأس على الرفّ الثالث ليست مقلوبة؟»

توقّفت يد رمّانة على الفوطة.

«ماذا؟»

«كل الكؤوس مقلوبة. واحدةٌ منتصبة، على الرفّ الثالث، عند الجدار.» قالها بلا تشديد، كمن يقرأ رقم شارع. «منذ متى وهي هكذا؟»

«لا أعرف. وجدتُها هكذا.»

«ولم تقلبيها.»

«لا.»

«لماذا؟»

فتحت رمّانة فمها، ووجدت أنها لا تملك جواباً، ووجدت في الوقت نفسه أنها تعرف الجواب تماماً: لأن قلبَها يعني أن جدّها كان مخطئاً في شيءٍ ما، وهي لا تعرف في ماذا، ولا تريد أن تكون هي التي تقرّر.

«لأنه لم يقلبها»، قالت.

هزّ يوسف رأسه هزّةً صغيرةً واحدة.

ثم مدّ يده، وأخذ الكأس، وشرب منها رشفةً واحدة.

رشفةً واحدةً فقط. ووضعها.

وقام.

في طريقه إلى الباب توقّف، ومدّ يده إلى المفصلة العليا، وحرّك الباب مرّتين، وأصغى إلى الصرير.

«عندكِ زيت؟»

«فيه علبةٌ تحت المغسلة.»

جاء بها، وقطّر ثلاث قطراتٍ في المفصلة، وحرّك الباب سبع مرّات ببطء، حتى مات الصوت.

«مساء الخير.»

«يوسف.»

توقّف.

«ما اسم أبيك؟»

سكوت. سكوتٌ طويل، والباب في يده لا يصرّ.

«ليش تسألين؟»

«لأني أريد أن أعرف من يدخل محلّي.»

«وأنا ما دخلتُ محلّكِ»، قال بهدوء. «أنا دخلتُ محلّ الحاج راضي.»

وخرج.

في تلك الليلة رفعت رمّانة الكأس التي شرب منها رشفةً واحدة.

كانت ما تزال نصفَ ممتلئة.

سكبتها في المغسلة، وغسلت الكأس، ووقفت أمام الرفّ الثالث تنظر إلى الكأس المنتصبة الوحيدة.

ومدّت يدها.

ولم تقلبها.