الفصل 9
صوت المدينة
في أول أيلول، هبّت أول ريحٍ ليست ساخنة، وجاء نوري ومعه ورقة.
«ما هذه؟»
«فاتورة كهرباء.» وضعها على الرخام. «وصلتني، ولا أعرف كيف أدفعها، والبنت مسافرة إلى المستشفى الأسبوع كله. هل تدفعينها لي إلكترونياً بهذا الشيء؟» وأشار بازدراءٍ محبّبٍ إلى هاتفها.
«وستدفع لي؟»
«حكايتان.»
«عمّي نوري، الفاتورة تسعةٌ وثلاثون ألفاً.»
«ثلاث حكايات.» وابتسم. «أنا أساوم مثل أهلي.»
دفعتها له.
وعصرت له. وشرب ثلاث رشفات وأغمض عينيه ثانيتين.
ثم وضع الكأس، ومسح فمه بمنديلٍ من جيبه، وقال بصوتٍ مختلف:
«اليوم أدفع حكايةً واحدة، وتساوي ثلاثاً.»
«في المدينة إذاعة. أنتِ لا تتذكّرين هذا لأن الإذاعات ماتت، لكنّ الإذاعة كانت في وقتها شيئاً مثل الماء: لا أحد يمتدحه، ولا أحد يستطيع بلا.
أنا اشتغلتُ فيها اثنتين وعشرين سنة.
الناس يظنّون أن المذيع يقرأ. لا. المذيع يقرّر. يقرّر أين يقف، وأين يتنفّس، وأيّ كلمةٍ يعطيها ثقلاً. الخبر واحد، والصوت يجعله رحمةً أو حكماً.
كان عندي في تلك السنة نشرة العاشرة.
في ليلةٍ من ليالي شباط، انهار بناءٌ في الطرف الشرقي. بناءٌ قديم، سبع طبقات، سكنه ناسٌ لم يكن يُفترض أن يسكنوه.
وصلَتْني النشرة من الطابق الثاني، مطبوعةً، مثل كل ليلة. وفيها سطران:
انهار مبنى سكنيّ في الطرف الشرقي. أسفر الحادث عن تسعة ضحايا. الجهات المختصّة تباشر التحقيق.
تسعة.
قبل ذلك بساعة، وأنا داخلٌ من بوّابة الإذاعة، أوقفتني امرأة.
امرأة. لا أعرف اسمها. عمرها ربما أربعون، وعلى كتفها غبار، ولم تكن تبكي، وهذا ما أخافني: كانت في حالةٍ أبعد من البكاء بكثير.
أعطتني ورقة.
ورقة دفترٍ مدرسي، مسطّرة، مكتوبٌ عليها بالقلم الرصاص واحدٌ وستّون اسماً.
بالأسماء الكاملة. اسم الأب واسم الجدّ. وبجانب بعضها أعمار. سبعة، أربعة، شهران.
قالت لي جملةً واحدة، ومشت:
'إذا ما قرأتهم، ما كانوا موجودين.'
جلستُ في الاستوديو والورقة تحت النشرة.
وقرأتُ النشرة كلها. الطقس، والأسعار، والوفد الذي وصل، والوفد الذي سافر.
ثم وصلتُ إلى السطرين.
وقلت: 'انهار مبنى سكنيّ في الطرف الشرقي.'
وسكتّ.
وسحبتُ الورقة.
وقرأت.
قرأتُ واحداً وستّين اسماً، ببطء، اسماً اسماً، مثلما يُقرأ اسمٌ في مدرسةٍ في أول يوم. وبين كل اسمٍ واسم، تركتُ مسافةً كافيةً لأحدٍ أن يقول 'حاضر'.
استغرقَتْ أربع دقائق واثنتي عشرة ثانية.
عند الاسم التاسع والأربعين، انقطع البثّ.
خرجتُ من المبنى ولم أدخله بعدها.
وفي الشهر التالي، حين أراد ابنُ خالتي أن يوظّفني في محلّه، مسجّلاً، اكتشفنا أن اسمي لا يمرّ في أيّ ورقة. لا في وظيفة، ولا في رخصة، ولا في قرض.
عشتُ بعدها أربعين سنة، يا بنتي، بلا صوتٍ يُسجَّل في أيّ مكان.»
سكت.
كانت رمّانة تمسك بالفوطة بيدين.
«وجدّي؟»
«جدّك.» ابتسم نوري ابتسامةً صغيرة، وأخذ الكأس. «جدّك دخلتُ عليه بعد اثنتي عشرة سنة من ذلك. سنة تسعٍ وسبعين. كنتُ أمشي وأنا لا أملك شيئاً، فدخلتُ لأشرب ماءً.
طلبتُ ماءً.
فعصر لي رمّاناً.
قلت له: أنا لا أستطيع أن أدفع.
قال: ما طلبتُ منك.
قلت: أنا لا آخذ صدقة.
فوضع يده على الرخام — هكذا — ونظر إليّ ونظرتُ إليه، وقال:
'أنا أعرف صوتك.'
وهذا كلّ ما قاله. لم يقل 'أنت فلان'، ولم يقل 'الله يكون بعونك'، ولم يقل تلك الجُمل التي يقولها الناس ليشعروا أنهم قالوا شيئاً.
قال: أنا أعرف صوتك.
فقلت له: إذاً خذ منه.
فقال: كيف؟
فقلت: حكايةٌ بكأس.
فأخرج دفتراً، وكتب اسمي، وكتب بجانبه: حكاية.
وصار عمرُ هذا الاتفاق ستّاً وأربعين سنة.»
رفع الكأس وشرب ما تبقّى، وقلبه على الرخام.
«لهذا لا أدفع نقداً يا رمّانة. ليس بخلاً. الصوت هو الشيء الوحيد الذي أخذوه منّي وأعادوه بعد أن فقد قيمته. فصار عملةً لا تنخفض، لأنها في القاع أصلاً.»
قام، وأخذ عصاه.
«وأنا مدينٌ لجدّك بستّةٍ وأربعين سنة من الرمّان.»
«عمّي نوري.»
«نعم.»
«الواحد والستّون اسماً. هل تتذكّرهم؟»
توقّف نوري عند الباب.
واستدار ببطء.
«كنتُ أتذكّرهم كلّهم»، قال. «واحداً وستّين، بالترتيب، كل ليلةٍ قبل النوم، أربعين سنة.»
«وهسّه؟»
نظر إليها.
«هسّه تسعةٌ وخمسون.»
في تلك الليلة، فتحت رمّانة الدفتر على صفحةٍ بيضاء.
وكتبت في أعلاها بخطٍّ واضح:
حكايات نوري.
ثم كتبت الحكاية كلها، من أول جملة، بأدقّ ما تستطيع، وهي تحاول أن تسمع صوته وهو يقولها.
استغرقت ساعتين.
وفي آخرها كتبت، بينها وبين نفسها:
تسعةٌ وخمسون.
ابدئي بالكتابة قبل أن يصير الرقم أصغر.