الفصل 10
دكّان أم عدنان
في دكّان أم عدنان، كل شيءٍ له مكان، والمكان الوحيد الذي ليس له شيءٌ هو الكرسي المقابل لها.
كانت رمّانة قد بدأت تجلس عليه كل صباحٍ ربع ساعة، بحجّة الشاي.
«الخيط الأزرق»، قالت أم عدنان بلا أن ترفع رأسها. «الرفّ الرابع، الثاني من اليسار. لا، هذا سماوي. الذي بعده.»
ناولتها إيّاه.
«الله يخلّيكِ.» وبدأت تُدخل الخيط في الإبرة من المرّة الرابعة. «العين راحت.»
«أعطيني.»
«لا.» ثم، بعد محاولتين، «خذي.»
أدخلته رمّانة من المرّة الأولى.
«الله يهديكِ»، قالت أم عدنان بمرارةٍ حقيقية، وأخذته.
«خالة، عندك ابن.»
«عندي.»
«ما اسمه؟»
«عدنان. وإلا شنو يسمّوني أم عدنان؟»
«وين هو؟»
«بعيد.» غرزةٌ، غرزة. «في بلدٍ فيه ثلجٌ ثمانية أشهر. عنده بنتان لا تعرفان العربية، وأنا أكلّمهما وأضحك ويضحكان وما نفهم شيئاً، وهذه — والله — أحلى مكالمة في السنة.»
«يتّصل كثيراً؟»
«مرّتين. في العيد، وفي عيد ميلادي.» رفعت رأسها. «وأنا ما أقول له شيئاً. أقول له الحمد لله، الدنيا ماشية، الزقاق مثل ما هو. لأن الواحد إذا صار بعيداً، ما بقي شيءٌ تعطيه إيّاه إلا الراحة.»
نظرت رمّانة في كأس الشاي.
«خالة، جدّي كان يسألني كل مرّة متى أرجع، وأنا كنتُ أقول له: قريباً.»
«أعرف.»
«ما رجعت.»
«أعرف.» غرزة. «وهو ما زعل.»
«كيف تعرفين؟»
«لأنه كان يفتح المحلّ ويقول للحاج فوزي: بنتي في شركةٍ كبيرة. ويقولها ثلاث مرّات في اليوم. الرجل الذي يزعل لا يكرّر.»
بعد قليل، مالت أم عدنان إلى الأمام وخفضت صوتها، مع أن الدكّان فارغ والزقاق فارغ.
«تعرفين الحاج فوزي؟»
«طبعاً.»
«ما يقرأ.»
«ماذا؟»
«ما يقرأ ولا يكتب.» رجعت إلى الوراء، منتصرة. «ستّون سنة يفتح مقهى ويحاسب في رأسه بلا خطأ ريال واحد، وما يقرأ. زوجته الله يرحمها كانت تقرأ له. لمّا ماتت، صار يجيب رسائله إلى جدّك.»
«جدّي؟»
«كل جمعة. يجي بالجريدة والرسائل، ويقعد على الكرسي الأوسط، ويقول: حاج راضي، شوف شنو يكتبون هالجماعة. وجدّك يقرأ له كل شيء بصوتٍ عالٍ، حتى الإعلانات، حتى لا يشعر أنه يقرأ له الرسائل فقط.»
ضحكت رمّانة، ثم توقّفت، لأن حلقها ضاق.
«ثلاثون سنة، يا بنتي، وما قال أحدٌ منهما كلمةً في الموضوع. ولا مرّة.»
«خالة.»
«ها.»
«أنتِ تعرفين كل شيءٍ عن كل واحدٍ في هذا الزقاق.»
«الحمد لله.»
«ليش ما تعرفين شيئاً عن يوسف؟»
توقّفت الإبرة.
هذه المرّة لم تكن نصف ثانية، ولا ثانية.
وضعت أم عدنان الخياطة في حجرها، ونظرت إلى الباب المفتوح، إلى الضوء في الزقاق.
«يا رمّانة»، قالت. «كل شيءٍ أعرفه، أعرفه لأن الناس تكلّمت. الناس تتكلّم لأنها تريد أن يعرف أحد. أنا مثل صندوق البريد.»
«وهذا؟»
«هذا واحدٌ ما تكلّم فيه أحد. ولا مرّة. ستّ سنوات.» رفعت الخياطة. «الشيء الذي يسكت عنه الزقاق كلّه يا بنتي، ما يسكت عنه لأنه صغير.»
قامت رمّانة.
وهي تنهض، انزلقت قدمها فدفعت شيئاً تحت الطاولة: صندوقٌ معدني، مستطيل، أخضر، بمقبضٍ مكسور.
انحنت لتعيده.
فوصلت يد أم عدنان قبلها، وسحبته إلى الداخل بحركةٍ سريعة، ووضعت قدمها أمامه.
«لا تشغلين بالك. خِرَق.»
«خِرَق؟»
«خِرَق.»