دفتر الرمّان

0%
دفتر الرمّانالمكبس

الفصل 12

المكبس

انكسر المكبس يوم الأربعاء.

كانت تعصر الكأس الحادية عشرة، والمحل ممتلئ لأول مرّة منذ أسابيع — أربعة طلّاب، وامرأة ومعها طفلان — فسحبت الذراع بقوّةٍ زائدة قليلاً، وسمعت صوتاً.

لم يكن صوتَ كسر. كان صوتاً أقرب إلى تنهيدة.

ثم مالت الذراع.

نظرت رمّانة إلى الوصلة عند المفصل: شقٌّ رفيع، أفقي، في النحاس، بطول إصبع.

وسال العصير على الرخام، وعلى الأرض، وعلى حذائها.

اعتذرت للناس. أعادت النقود. أنزلت الباب في الثانية عشرة والنصف.

ثم جلست أمام المكبس المائل ساعتين.

اتّصلت بأربعة أماكن. اثنان قالا إن هذا لا يُصلَح، وواحدٌ قال إنه يستطيع أن يبيعها مكبساً صينياً جديداً بمليونٍ ونصف، وواحدٌ لم يردّ.

في السادسة، فتحت هاتفها ووجدت رقم رجل الأنتيكات.

كتبت: ثلاثة ملايين ونصف. متى تستطيع أن تمرّ؟

نظرت إلى الرسالة تسع دقائق.

ثم مسحتها.

في الخميس السادس، جاء يوسف في الرابعة والنصف ووجد المحل مغلقاً والباب نصف منزل.

كانت رمّانة جالسةً على الأرض بجانب المكبس.

انحنى ودخل.

لم يقل شيئاً. مشى إلى المكبس، وانحنى إلى مستوى المفصل، ومرّر ظفره على الشقّ ذهاباً وإياباً، وأصغى بأذنه إليه وهو يطرق عليه طرقةً واحدةً بظفره.

ثم اعتدل.

«ما انكسر.»

«الشقّ بطول إصبعي.»

«ما انكسر»، أعادها. «هذا تعبٌ من الشدّ. الشقّ ماشي مع الحبيبة، مو ضدّها. لو ماشي ضدّها كان راح.»

«يعني؟»

«يعني ينلحم.»

نظرت إليه.

«قال لي واحدٌ إن هذا لا يُصلَح.»

«قال لكِ واحدٌ يبيع مكابس.» وأخرج من جيبه شريط قماشٍ وقاس المسافة بين مسمارين. «أشيله لأسبوع.»

«يوسف.»

«ها.»

«ما عندي فلوس.»

«ما طلبت.»

«لا. اسمع.» وقفت. «أنا ما أقدر أستمرّ هيك. كل مرّة تسوّي شي وأنا أقول شكراً وأنت تمشي وأنا أقف مثل البلهاء. أنا أحبّ أن أعرف حسابي. هذا ليس عناداً، هذه طبيعتي. أنا لا أنام إذا كان في الدفتر سطرٌ مفتوح.»

نظر يوسف إليها طويلاً.

«زين»، قال. «إذا صلّحته، تجاوبيني على سؤال واحد.»

«شنو السؤال؟»

«بعدين.»

جاء يوم الخميس السابع ومعه المكبس ملفوفاً ببطّانيةٍ قديمة، محمولاً على كتفه، ومعه صبيٌّ في الخامسة عشرة يساعده من الأسفل.

وضعاه على المنضدة.

فكّ البطّانية.

كان نظيفاً.

ليس لامعاً — لم يكن قد صقله كما يصقل التجّار — بل نظيفاً كما تُنظَّف يدُ عاملٍ قبل الأكل: أزال السواد من الأخاديد، وترك اللون القديم كما هو. وعند المفصل، حيث كان الشقّ، صار هناك خطٌّ رفيع، أفتحُ درجةً، مثل ندبةٍ التأمت جيّداً.

«ما تشيلي فوق ثلاث رمّانات بالمرّة»، قال. «وشدّي بالكتف مو بالذراع. الذراع تقصف، الكتف يدفع.»

سحبت رمّانة الذراع.

كانت أخفّ. أخفّ بكثير.

«شنو سوّيت؟»

«زيّتُ المسننة ورجّعتُ الزاوية درجتين. كانت مايلة من زمان، وأنتم اعتدتم عليها.»

عصرت كأساً. سال العصير أنظفَ وأسرع.

ثم انحنت رمّانة، ونظرت تحت القاعدة.

صُنع في محلّ الصفّار — زقاق التوتة

اعتدلت.

«يوسف الصفّار.»

«نعم.»

«هذا صنعُ من؟»

«جدّي.»

«وأبوك؟»

سكوت.

مروحة السقف تدور بلا تكّة.

«أبوي كان يجي كل ستّ شهور»، قال أخيراً، «ويزيّته ويرجّع الزاوية. مجّاناً. سبعةً وعشرين سنة.»

«ووين هو هسّه؟»

نظر يوسف إلى الكأس المنتصبة على الرفّ الثالث.

«السؤال مالي»، قال. «اللي اتّفقنا عليه.»

«اسأل.»

«ليش رجعتِ؟»

«شنو؟»

«الناس تبيع. محل عصير عمره ثمانون سنة وعليه دَين، والبنت محاسِبة وتشتغل في شركة برّه. الحلّ واضح: تبيعين، تسدّدين، تمشين.» ونظر إليها. «إنتِ ما بعتِ. ليش؟»

فتحت رمّانة فمها لتقول الجواب الجاهز — الجواب الذي تقوله لأم عدنان وللبنك ولنفسها: لأنه محلّ جدّي.

ولم يخرج.

«لأني ما ودّعته»، قالت.

هزّ يوسف رأسه هزّةً واحدة.

«زين»، قال.

وأخذ البطّانية ومشى.