دفتر الرمّان

0%
دفتر الرمّانالرجل الذي دفع بالرمّان

الفصل 13

الرجل الذي دفع بالرمّان

في منتصف أيلول، صار نوري يأتي مرّتين في اليوم أحياناً.

في المرّة الثانية، كان يجلس ويطلب رمّاناً بلا سكّر، وتعصر له رمّانة بلا أن تقول شيئاً، ويحكي حكايةً حكاها في الصباح.

وكانت رمّانة تسمعها مرّةً ثانية، وتضحك في المكان نفسه.

وفي مساءٍ من تلك الأيام، حكى حكايةً جديدة.

«هذه سمعتها. لستُ صاحبها.

كان في حارةٍ — ليست حارتنا، حارةٌ ثانية — رجلٌ أخطأ في حقّ جاره خطأً لا يُصلَح.

لن أقول ما هو. أنتِ ستتخيّلين شيئاً، وما ستتخيّلينه أفضل مما سأقول، لأن ما تتخيّلينه أنتِ يخصّكِ.

المهمّ أن الخطأ حصل، وأن الجار لم يعُد موجوداً ليُقبَل منه العذر.

فذهب الرجل إلى بيت الجار.

طرق الباب. ولم يُفتح.

فوضع على العتبة كيساً من الرمّان، ومشى.

وفي الأسبوع التالي، رجع في اليوم نفسه، وطرق، ولم يُفتح، ووضع كيساً ومشى.

وفي الأسبوع الذي بعده.

خمس سنوات.

كل أسبوع، اليوم نفسه، الساعة نفسها. يمشي من محلّه إلى ذلك البيت — والطريق ليس قصيراً، وفيه صعود — ويقف على العتبة، ويطرق طرقتين، وينتظر أربع دقائق، ويضع الكيس، ويمشي.

ولا يُفتح.

الناس في الحارة صاروا يعرفون. وصاروا يقفون في شبابيكهم في ذلك الوقت من ذلك اليوم لينظروا. ثم ملّوا ولم ينظروا. ثم نسوا أنهم كانوا ينظرون. ثم صار الرجل الواقف على العتبة جزءاً من الحارة، مثل عمود الكهرباء.

وفي سنةٍ من السنوات، مات الرجل.

وفي الأسبوع التالي، في اليوم نفسه، في الساعة نفسها—»

توقّف نوري.

نظر إلى يده.

«في الساعة نفسها...»

«شنو صار؟» قالت رمّانة.

«...»

«عمّي نوري؟»

رفع عينيه إليها، وكانتا صافيتين تماماً، وفارغتين تماماً.

«شنو كنّا نحكي؟»

كتبتها رمّانة في الدفتر تلك الليلة، كما كتبت البقيّة، تحت عنوان حكايات نوري.

وكتبت في آخرها:

ناقصة. الحكاية بلا نهاية. أسأله بكرة.

سألته في الغد، وفي الذي بعده.

قال: «أيّ حكاية؟»