الفصل 14
الخميس الثامن
في الخميس الثامن، أقفلت رمّانة المحل في السادسة، ووقفت في الباب، ويوسف على الكرسي الثالث.
«أنا سأمشي إلى النهر.»
«زين.»
«هذه دعوة يا يوسف.»
نظر إليها. ثم قام.
كان أيلول قد بدأ يفعل ما يفعله: الهواء ما زال دافئاً لكنه فقد نيّة الأذى.
مشيا في الشارع الكبير، ثم نزلا إلى الكورنيش، حيث باعة الذرة المشوية والعائلات والصبيان الذين يرمون أنفسهم في الماء رغم اللافتات.
جلسا على حاجزٍ إسمنتي.
«احكِ لي عن النحاس.»
«ليش؟»
«لأني لا أعرف عنه شيئاً، ولأن كل مرّة تتكلّم فيها عنه تصير جملتك أطول بثلاث كلمات.»
ضحك يوسف.
كانت أول ضحكة. لم تكن مدوّية. كانت نفَساً خرج من الأنف وابتسامةً واسعة، لكن وجهه تغيّر كلياً، وفكّرت رمّانة: آه. هذا شكلُك الحقيقي. وأنت تخبّئه لأنه غالٍ.
«النحاس»، قال، «معدنٌ كذّاب.»
«كيف؟»
«يبدو ليّناً وهو مو ليّن. تطرقه فيصير أقسى، وكل ما طرقته أكثر صار أقسى، إلى أن يوصل حدّاً إذا طرقته بعده ينشقّ.»
«يعني ما تطرقه.»
«لا. تطرقه، وبعدين تحرقه.»
«تحرقه؟»
«تسخّنه لدرجةٍ معيّنة وتتركه يبرد. فينسى.»
استدارت رمّانة إليه.
«ينسى؟»
«هيك نقول في السوق. الحرارة تشيل من المعدن ذاكرة الطرق. يرجع ليّناً مثل ما كان، وتقدر تشتغل عليه من جديد.» رفع كتفاً. «إذا ما سوّيتها، ينكسر. وإذا سوّيتها كثير، يصير رخواً وما يمسك شكلاً.»
نظرت رمّانة إلى النهر.
«وشلون تعرف متى؟»
«باللون.» ونظر إلى الماء هو أيضاً. «ما فيه ميزان. تشوف اللون وتعرف. وأول عشر سنين تخطئ.»
حكت له عن أمّها.
لم تكن تنوي. خرجت وحدها، كما تخرج الأشياء التي حُمِلت طويلاً.
«أمّي ماتت وأنا في الثانية عشرة. وأبي... أبي كان موجوداً وغير موجود. فأخذني جدّي إلى المحل.
كل يوم بعد المدرسة. أقعد على الكرسي الأول وأحلّ الواجب على الرخام. وهو ما كان يكلّمني كثيراً. كان يعصر ويعطيني ويرجع.
مرّةً واحدة — مرّة واحدة في ستّ سنوات — قال لي شيئاً عنها.
كنتُ أعدّ حبّ الرمّان. كنتُ أعدّ كل شي في تلك السنة. البلاط، الدرج، السيارات الحمراء.
فقال بلا أن يستدير: 'أمّك كانت تعدّ.'
وسكت.
وهذا كل شي.»
نظرت إلى يديها.
«وأنا فكّرت عشر سنين أنه ما كان يحبّني كثيراً لأنه ما كان يحكي. وبعدين اكتشفتُ أنه كان يحكي طول الوقت، بس مو بالكلام.»
سكت يوسف طويلاً.
ثم قال، بصوتٍ منخفض:
«أبوي كان مثل هيك.»
«كان؟»
«كان.»
ولم تسأل أكثر، لأنها لأول مرّة منذ شهرين لم ترد أن تعرف. أرادت فقط أن تجلس بجانبه وأن يبقى الهواء بهذا الدفء.
جاء بائع الذرة. اشترى يوسف اثنتين ودفع قبل أن تخرج محفظتها.
«هذي أول مرّة تدفع فيها شي.»
«هذا مو محلّك.»
ضحكت.
وحين ضحكت، نظر إليها.
ونظرت.
ولم يقل أحدٌ شيئاً.
ثم مدّ يوسف يده وأخذ من كتفها ورقةً وقعت من شجرة.
وهذا كل ما حدث.
وكفى.
رجعا في التاسعة.
ودخلا الزقاق، ومشيا تحت التوتة، وهما يتكلّمان عن شيءٍ سخيف — عن اسم رمّانة، وعن أن الأولاد في المدرسة كانوا ينادونها «عصير» —
وكانت أم عدنان واقفةً في باب دكّانها.
ورأتهما.
توقّفت رمّانة لتقول مساء الخير.
لكن أم عدنان لم تكن تنظر إليها.
كانت تنظر إلى يوسف.
وكان وجهها أبيض.
ثم استدارت، ودخلت، وأغلقت الباب — لا بعنف، بل بذلك البطء الفظيع الذي يستعمله الناس حين يقرّرون شيئاً.