الفصل 28
خاتمة — سُدِّد
في الربيع، صار على جدار المحل ثمانٍ وخمسون حكاية.
كتبتها رمّانة بخطّها، بالطلاء الأسود، من الأرض إلى السقف، والحكاية الأخيرة انتهت عند الرفّ فأكملتها على الخشب.
فوقها، بخطٍّ كبير: جدار نوري.
الناس يقفون ويقرأون وهم ينتظرون. بعضهم يجيء ليقرأ ولا يشتري، ورمّانة لا تقول شيئاً. الحاج فوزي يقول إن هذا خسارة. أم عدنان تقول إن الحاج فوزي لم يربح شيئاً في حياته إلا كذبةَ البيضتين.
الزقاق لم يُبَع.
بيع منه ثلاثة محلّات: محلّ الحلاق، وبيتٌ في الآخر، ودكّانٌ كان مقفلاً من قبل. صارت الآن واجهةٌ زجاجيةٌ في منتصف الزقاق تبيع الهواتف، ولها إضاءةٌ زرقاء تعمل في الليل، وأم عدنان تسمّيها «المستشفى».
والتوتة واقفة.
نوري يجيء يوم الثلاثاء ومعه هدى.
هو لا يعرف أحداً الآن. يدخل بأدبٍ شديد، ويسأل إن كان المحل مفتوحاً، ويجلس على الكرسي الأوسط، ويضبط ياقته، ويضع العصا على الرخام بحيث لا تتدحرج.
وتعصر له رمّانة رمّاناً بلا سكّر.
يشرب ثلاث رشفات ويغمض عينيه ثانيتين.
وتحكي له.
تحكي له حكاياته.
تبدأ: «في مدينةٍ ما، وفي سنةٍ لن أقولها لأن السنوات تُشعِر الناس بالأمان، كان في الإذاعة رجلٌ اسمه سليم...»
ويسمع.
يسمع كله، من أوّله إلى آخره، بانتباهٍ شديد، ويضحك في المكان الذي فيه اللحم، ويهزّ رأسه في الآخر.
ثم يقول، في كل مرّة، بالجملة نفسها:
«حلوة الحكاية. منين جبتيها؟»
وتقول رمّانة، في كل مرّة:
«من زبونٍ قديم.»
فيهزّ رأسه ويقول: «الله يخلّيه.»
وهذا هو الثمن.
المحلّ نُقِذ، والباب فُتح، والقلب فُتح، والرجل الذي علّمها أن هناك أشياء لا تُعَدّ لا يعرف شيئاً من ذلك، ولن يعرف.
وهي تدفع هذا الثمن كل ثلاثاء، بابتسامة، لأن هذا ما يفعله المرء.
سعاد تجيء يوم السبت.
مشت في الزقاق أول مرّة في تشرين الثاني وهي ممسكةٌ بذراع رمّانة، ووقفت أمام الجدار الأصفر إلى يمين الباب دقيقتين، ثم دخلت.
وجلست على الكرسي الثالث.
الآن تجيء وحدها. تشتري خيطاً من أم عدنان وتجلس معها ساعة، وتشرب عصير رمّان بسكّر — بسكّر، بملعقةٍ كاملة، وتقول إن الذي يشربه بلا سكّر إنسانٌ فيه مشكلة.
عبد الستار يجيء يوم الجمعة إلى بيتها. الأولاد الذين تعلّمهم القرآن يسمّونه «عمّو».
أبوها لم يتّصل.
ولا مرّة.
يوم الخميس، يجيء يوسف الساعة الرابعة إلا عشر دقائق.
هذا هو الشيء الذي انتبهت إليه رمّانة في الأسبوع الثالث ولم تقل عنه شيئاً أبداً، لا له ولا لأحد:
أنه صار يجيء قبل الرابعة.
فحين تصير الساعة أربعةً وأربع عشرة دقيقة، يكون جالساً في الداخل، على الكرسي الثالث، وأمامه كأس.
كأسٌ يشرب منها.
هي نفسها — الكأس التي غسلتها في المغسلة في يوم المطر. جاء بها في الأسبوع التالي، ووضعها على الرخام، منتصبةً، وقال: «هذي مكانها هنا.»
ورمّانة تعصر، وتضع، ويشرب.
ويتكلّمان قليلاً، ويسكتان كثيراً، وهو يصلّح شيئاً قبل أن يمشي، لأنه لا يعرف كيف يجلس ساعتين بلا أن تعمل يداه.
وأحياناً تقفل رمّانة مبكّراً ويمشيان إلى النهر.
في آخر يومٍ من نيسان، بعد الإقفال، أخرجت رمّانة دفتر الرمّان.
الدفتر الأحمر، بغلافه المتآكل، الذي فيه ثمانون سنة من الأسماء.
وفتحته على الصفحة الزرقاء الداكنة، صفحة الخمس سنوات، صفحة المئتين والستّين سطراً التي تبدأ كلها بكلمة خميس.
ولم تكتب في الأسفل.
مدّت يدها وشطبت السطر الأول شطبةً رفيعة، بحيث يبقى مقروءاً.
وكتبت فوقه، بخطٍّ صغير:
سُدِّد.
ثم قلّبت إلى الصفحة الفارغة التي بعد الحكايات، وكتبت في أعلاها ثلاثة أعمدة جديدة:
الاسم — الحكاية — التاريخ.
وتحتها، في السطر الأول، كتبت:
الاسم: يوسفالحساب: مفتوح
ثم أغلقت الدفتر، وأطفأت النور فوق المكبس، وأخذت من الصندوق آخر رمّانةٍ في الموسم.
وكسرتها بيدها.
تمّت.