الفصل 27
الخميس الأخير
فتحت في الخامسة وعشر دقائق صباحاً، والزقاق ما زال أزرق.
وأخرجت الصندوق، وبدأت تكسر.
كسرةٌ عند التاج بالإبهام، ثم فتحٌ بلطفٍ مثل كتاب. لا سكّين.
في السادسة، دخل أول زبون: عامل بلديةٍ عائدٌ من الدوام الليلي. باعته كأساً.
في السابعة، ثمانية.
في الثامنة، جاءت أم عدنان ووقفت خلف الرخام بلا كلام، وصارت تغسل الكؤوس.
في التاسعة، جاء الحاج فوزي وأغلق مقهاه — أغلق مقهاه — ووقف عند الباب يقول للناس: «كأسٌ من هنا، اليوم بالذات.»
في العاشرة، كان الصفّ يمتدّ إلى تحت التوتة.
في الحادية عشرة، انكسر شيءٌ في كتفها الأيمن — لا انكساراً، بل ذلك الألم الذي يصير أبيض — فصارت تسحب باليسرى.
في الثانية عشرة إلا خمس دقائق، باعت الكأس المئتين وعشرة.
نظرت إلى الصندوق المعدني تحت الرخام.
١٢,٠٠٠,٠٠٠
وعدّتها ثلاث مرّات.
ثم رفعت رأسها ونظرت إلى الناس الواقفين في محلّها.
وقالت: «خلص الرمّان.»
فصفّق أحدهم.
ثم صفّقوا كلّهم، بشكلٍ غير مرتّبٍ ومحرِج، ثم توقّفوا بسرعةٍ لأنهم لم يعرفوا كيف ينهون التصفيق.
مشت إلى الشارع الكبير في الواحدة، ومعها الحاج فوزي وأم عدنان.
وفي صيرفة الأمين، عدّ عبد الستار المال على المكتب، بالآلة ثم باليد.
اثنا عشر مليوناً.
ثم فتح الدرج، وأخرج السند، وسلّمه إليها.
ثم أخرج النسخة الثانية، ومزّقها إلى أربعٍ ثم إلى ثمانٍ، أمامهم، ووضع القصاصات في السلّة.
وأخذ القلم الأوسط، وفتح الدفتر الأسود، وكتب تحت العمود:
سُدِّد.
ثم نظر إليها.
«جدّكِ كان يقولها بشكلٍ ثانٍ»، قال.
«كيف؟»
«هو ما كان يكتبها. هو كان يشطب السطر ويكتبها فوقه.» وأغلق الدفتر. «عشان يبقى السطر مقروءاً.»
وقفت رمّانة.
«عمّي.»
«نعم.»
«اليوم الساعة أربعة وعشر دقائق. سعاد قالت لك تعال.»
«...»
«روح.»
وحين خرجت إلى الشارع، كانت السماء قد تغيّرت.
الغيم الذي جاء من ناحية النهر منذ الصباح، والذي لم يصدّقه أحد لأن تشرين يكذب، كان قد نزل واقترب وصار له لون.
وفي الواحدة وأربعين دقيقة، نزلت أول قطرة على ظهر يدها.
ثم نزل المطر الأول.
رجعت إلى الزقاق تمشي في المطر ولا تركض.
وفتحت المحل.
ونظّفت، وغسلت، ومسحت الرخام، ورتّبت الكؤوس المقلوبة.
وجلست.
في الثالثة والنصف، وقفت وسوّت شعرها.
في الرابعة، وضعت كأساً على الرخام أمام الكرسي الثالث.
في الرابعة وعشر دقائق، وقفت في الباب تنظر إلى الزقاق المبتلّ.
في الرابعة وأربع عشرة دقيقة، لم يكن هناك أحد.
في الرابعة والنصف، لم يكن هناك أحد.
في الخامسة، جلست على الكرسي الأول وأمسكت حافّة الرخام.
وقالت لنفسها بصوتٍ عالٍ:
«طبعاً ما جاء. إنتِ قلتِ له روح.»
في الخامسة والربع، قامت.
أخذت كيساً ورقياً بنّياً من تحت الطاولة.
ولم يكن فيه رمّان — لم يبقَ رمّان، باعته كله — فأخذت الكأس من الرفّ الثالث.
الكأس المنتصبة الوحيدة.
وحملتها إلى المغسلة.
ووقفت أمامها ثلاثين ثانية.
ثم فتحت الماء، وغسلتها.
غسلت القشرة السوداء التي في القاع، بإصبعها، بالماء الحار، حتى ذاب أثر خمس سنوات ونزل في البالوعة.
وجفّفتها، ورفعتها إلى النور فصارت شفافة.
ووضعتها في الكيس، ولفّت الورق حولها، وطوت رأسه بالطول ثم بالنصف.
ثم أطفأت النور، وأنزلت الباب، وأقفلت.
ومشت إلى سوق الصفّارين في المطر.
كان السوق شبه فارغ. المطر يدخل من فتحات السقف الصفيح ويعمل بركاً صغيرة، والمحلّات نصفُها مقفل.
لكن الطرق لم يتوقّف. أربعةٌ أو خمسة كانوا يشتغلون، والصوت في السوق الفارغ صار أوضح وأعمق، له صدى.
مشت إلى المحل السابع.
كان الباب الحديدي منزّلاً إلى نصفه، والنور في الداخل مضاء.
وقفت أمامه.
المطر ينزل على كتفيها.
والكيس في يدها.
ورفعت يدها.
وطرقت طرقةً واحدة بظهر يدها.
وقبل أن تنزل الطرقة الثانية، ارتفع الباب.
كان واقفاً خلفه مباشرةً. على بُعد شبر.
بمريلة الشغل، ويده على المقبض، وشعره مبتلٌّ عند الأطراف من رذاذٍ داخلٍ من السقف.
نظر إليها.
وقفا.
المطر على الصفيح. وطرقةٌ من محلٍّ بعيد. وطرقة.
«من متى وأنت واقف؟» قالت رمّانة.
«...من أربعة وعشر دقائق.»
بلعت.
«ليش ما جيت؟»
«لأنكِ قلتِ لي روح.»
«وإنت تسوّي اللي يُطلَب منك.»
«لا.» ونظر إلى الأرض، ثم إليها. «آني ما جيتُ لأني ما عندي شي أعطيكِ إيّاه غير الأسف. نفس الكلام.»
هزّت رمّانة رأسها ببطء.
ثم رفعت الكيس.
«الحساب.»
«شنو؟»
«جدّي كان مديوناً مئة مليون.» وكان صوتها يرتجف ولم تحاول أن تمنعه. «خمسون دفعها ببيته. وثمانيةٌ وثلاثون بمئتين وسبعةٍ وأربعين خميساً. واثنا عشر دفعتُها اليوم الساعة واحدة وعشرين دقيقة، ومزّق الورقة قدّامي.
خلص يا يوسف.
الحساب مقفول. ما بقي عليّ ولا عليك ولا على أمّك ولا على عمّك ولا فلس.»
«رمّانة—»
«بقي شي واحد.»
فتحت الكيس وأخرجت الكأس.
ومدّتها إليه.
نظر إليها.
ثم عرفها.
وشيءٌ في وجهه انهار من الداخل بلا أن يتحرّك.
«غسلتُها»، قالت رمّانة.
مدّ يوسف يده ولم يأخذها.
«...ليش؟»
«لأن جدّي ما قدر. وقف خمس سنوات وما قدر يغسل كأساً.» ودفعتها في كفّه. «وأنا أقدر. هذا كل الفرق بيني وبينه. ما عندي شي آخر، والله ما عندي.»
أخذها.
أمسكها بكلتا يديه، مثل شيءٍ حارّ.
ونزل رأسه.
وقفا في باب محلٍّ في سوقٍ يمطر عليه، ورجلٌ في آخر السوق يطرق النحاس بإيقاعٍ بطيء.
«يوسف.»
«ها.»
«أنا ما راح أقول إني أستاهل. ما أستاهل.
بس أنا فتحتُ باباً هذا الأسبوع كان مقفولاً خمس سنوات، وأمّك طلعت من بيتها، وعمّك مزّق ورقة، وأبوي قال اسم أبوك مرّةً وحدة وهو طالع.
وكل هذا صار لأن واحداً وقف بمكانٍ ما كان لازم يوقف فيه، وما طلب شي.»
رفع رأسه.
«فآني جيتُ أطلب.»
«...»
«تعال بكرة.»
نظر إليها يوسف طويلاً، والمطر بينهما.
«بكرة جمعة»، قال. «المحل مسكّر.»
«أعرف.»
«...»
«تعال بكرة.»
وتحرّك شيءٌ في زاوية فمه، أول شيء.
«وشنو أطلب؟»
«شنو ما تريد.»
«وإذا ما أريد شي؟»
فمدّت رمّانة يدها، وأخذت من كتفه ورقةً وقعت من مكانٍ ما، ولم تكن هناك شجرةٌ في السوق أصلاً.
«خلّيك تقعد»، قالت.