الفصل 26
إحدى وأربعون ثانية
جلست على الكرسي الأول، الذي يعرج، وارتفعت وهبطت مرّة، ثم استقرّت.
والمحل مظلم إلا نورٌ فوق المكبس.
وضغطت.
[حفيف. صوت شيءٍ يُنقل. تنحنح.]
«رمّانة... يمّه.
اسمعي، لا تنامين على الموضوع: الرمّان هالسنة راح يجي بدري، من نص أيلول. لا تشترين من الجملة، الجملة تعطيكِ حامضاً وتقول لكِ حلو. أبو صبحي، الرجّال اللي يوقف عند رأس الجسر. قولي له بنت راضي ويعرف.
[سعال. سعالٌ طويل. صمت أربع ثوانٍ.]
وشي ثاني...
اليوم، وآني واقفٌ على بابهم—
نزل الولد.
خمس سنين وهو يتفرّج عليّ من الشبّاك، واليوم نزل. سمعتُ خطوته على الدرج ووقف ورا الباب. سمعتُ نفَسه يمّه، والله سمعتُه.
ما فتح.
بس نزل.
[صمت.]
إذا جاكِ يوماً —
لا تسأليه شنو يريد.
خلّيه يقعد.
[صمت طويل. سبع ثوانٍ.]
وآني مو زعلانٌ منّجِ يا بابا.
ولا يوم واحد.»
[نقرة.]
سمعتها إحدى عشرة مرّة.
في المرّة الرابعة توقّفت عن البكاء.
في المرّة السابعة صارت تسمع أشياء أخرى: مروحة السقف في الخلفية بتكّتها القديمة، وسيارةً تمرّ، ونفَسَه بين الجملتين، وأنه كان جالساً — كان جالساً حين سجّل، على كرسيّ، وكان الكرسيّ يعرج، لأنها سمعته يرتفع وينزل مرّةً في الثانية الثالثة.
في المرّة العاشرة، حفظتها.
في المرّة الحادية عشرة، أوقفتها عند الثانية الرابعة والثلاثين.
«خلّيه يقعد.»
ووضعت الهاتف على الرخام.
كانت الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، ليلةَ الخميس.
وقالت في المحل الفارغ:
«طلبتُ منه يمشي يا جدّي.»
سكوت.
«ومشى.»
سكوت.
«لأنه يسوّي اللي يُطلَب منه. هذي مشكلته.»
وضعت رأسها على الرخام البارد، على الشرخ في الزاوية، ونامت ساعةً ونصفاً.