الفصل 25
الزقاق
اثنا عشر مليوناً. أربعة أيام.
جلست رمّانة على أرض المحل يوم الأحد ليلاً، ومعها ورقة، وكتبت.
ذهب جدّتي — ٤,٠٠٠,٠٠٠
كان في علبةٍ من قماشٍ أزرقَ في درج جدّها: سواران، وقلادة، وحلقٌ لم تلبسه امرأةٌ منذ خمسة عشر عاماً. اسمها كان مكتوباً على ورقةٍ في القاع بخطّ الجدّ: لرمّانة الصغيرة.
مدّخراتي — ٣,١٠٠,٠٠٠
كل ما بقي من خمس سنوات في شركةٍ كبيرة بعد الإيجار والتذاكر والانتقال.
اللافتة المضيئة والثلّاجة الجديدة والحاسوب — ٩٠٠,٠٠٠
المجموع: ٨,٠٠٠,٠٠٠
الناقص: ٤,٠٠٠,٠٠٠
نظرت إلى الرقم.
ثم فتحت دفتر جدّها، على الأعمدة الثمانين سنة، على كل الأسماء وكل المبالغ وكل كلمات سُدِّد الكاذبة الجميلة.
وحسبت.
ما هو مكتوبٌ في هذا الدفتر وغير مقبوض، بالأسعار القديمة والجديدة، يقارب أربعين مليوناً.
جلست تنظر إليه ساعةً كاملة.
ثم أغلقته، ووضعت كفّها عليه، وقالت بصوتٍ عالٍ في محلٍّ فارغ:
«لا.»
في الصباح، حملت الدفتر وعبرت إلى أم عدنان.
«خالة. أنا محتاجةٌ أربعة ملايين وما عندي من وين.»
«يا بنتي، أنا—»
«ما جيتُ أطلب منكِ فلوساً. جيتُ أقول لكِ شيئاً وأمشي.»
فتحت الدفتر على الطاولة.
«هذا دفتر جدّي. فيه ثمانون سنة من الناس اللي شربوا وما دفعوا، وهو كتب جنب كل واحدٍ 'سُدِّد'. المجموع أربعون مليوناً تقريباً.»
نظرت أم عدنان إلى الصفحات.
«...أعرف. آني وحدةٌ منهم.»
«سبعة آلاف. سنة تسعٍ وتسعين.»
«دفنّا أبو عدنان.» قالتها بلا حياء. «ما كان عندي شي. وهو أعطاني بلا ما أطلب، ولمّا رحتُ أدفع بعد سنتين قال: 'سُدِّد من زمان.'»
«خالة.» أغلقت رمّانة الدفتر. «أنا ما راح أطالب أحداً بشيءٍ من هذا. لا اليوم ولا بعد ما ياخذون المحل. هذا اللي جيتُ أقوله. عشان لا تخافين مني، ولا يخاف أحدٌ في الزقاق مني. الدفتر مقفول.»
وقامت ومشت.
«رمّانة.»
استدارت.
«ليش تقولين لي هذا؟»
«لأنكِ راح تقولينه للزقاق كله خلال ساعتين.» ابتسمت رمّانة لأول مرّة منذ أسبوع. «وأنا أريدهم يعرفون إني ما راح أطالبهم. مو أكثر.»
نظرت إليها أم عدنان طويلاً.
«يا بنت راضي»، قالت.
استغرقت ساعةً وأربعين دقيقة.
في الثانية عشرة ظهراً، دخل الحاج فوزي المقهى ووقف أمام الرخام.
«اعصري لي واحدة.»
عصرت له.
شربها، ووضع الكأس، وأخرج من جيب صدره ظرفاً ووضعه على الرخام ودفعه بإصبعين.
«مليونٌ ونصف.»
«حاج—»
«اسكتي.» ونظر إلى الجدار. «أبوكِ الله يسامحه دهس رجلاً على باب هذا المحل، وأنا كنتُ واقفاً هناك وشفتُ. وجدّكِ قرأ لي رسائلي ثلاثين سنة وما قال لأحد.»
رفعت رمّانة عينيها.
«تعرف إني أعرف؟»
«صار عندي ظنّ.» رفع كتفاً. «خذي الفلوس وحطّيها بالورقة. آني ما أقدر أوقّع، بس أبصم.»
بعده بنصف ساعة، جاءت امرأةٌ لا تعرفها ومعها سوارٌ ذهبي واحد. وقالت اسم أمّها ومشت.
في الثانية، جاء سائق تاكسي، ووقف في الباب ولم يدخل.
«الحاج راضي دفن أبوي سنة ألفين وأربعة.» ورمى ظرفاً على الرخام من مسافة. «ثلاثة ملايين. ولا تجادليني، آني على دوام.»
ومشى.
في الثالثة، جاء ثلاثة أولادٍ من بيت الحدّاد، أكبرهم في السادسة عشرة، ومعهم أربعمئةٌ وستّون ألفاً في كيس نايلون.
«أبوي يقول إنه شرب من هنا عشرين سنة وما دفع.»
في الخامسة، دخل رجلٌ في السبعين لا يعرفه أحد، ووضع مئتي ألف، وقال: «آني من الحارة الشمالية. سمعت.» ومشى.
وفي المساء، أخذت رمّانة فرشاةً وعلبة طلاءٍ أسود، ووقفت أمام الجدار الداخلي للمحل، الجدار الفارغ خلف الكراسي.
وبدأت تكتب.
كتبت بخطّها، كبيراً وواضحاً، الحكاية الأولى: «في مدينةٍ ما، وفي سنةٍ لن أقولها لأن السنوات تُشعِر الناس بالأمان، كان في الإذاعة رجلٌ اسمه سليم...»
استغرقت الليل كله.
في الصباح، كان على الجدار سبعُ حكايات، وفوقها بخطٍّ أكبر:
جدار نوري
وفي التاسعة، وقف أمامه رجلان ينتظران عصيرهما وقرآ.
وفي العاشرة، وقفت امرأةٌ ومعها بنتها وقرأت الحكاية الرابعة بصوتٍ عالٍ.
وفي الظهر، كان أمام المحل صفٌّ.
في يومين، باعت رمّانة أربعمئة واثنين وثلاثين كأساً.
يوم الأربعاء في الحادية عشرة، جاء أبوها.
ومعه محامٍ بحقيبة.
وقف في الباب.
كان المحل ممتلئاً — تسعةٌ واقفون، وامرأةٌ تقرأ الجدار، ورمّانة خلف المكبس تسحب الذراع بكتفها لا بذراعها.
نظر مهنّد إلى الصفّ، وإلى الجدار المكتوب، وإلى ابنته.
وسكت.
انتظر عشرين دقيقة حتى فرغ المحل.
ثم دخل، ووضع المحامي الأوراق على الرخام.
«رمّانة. هذا تنازلٌ عن حصّتي في المحل.»
توقّفت يدها.
«شنو؟»
«موقّعٌ ومصدّق.» ولم ينظر إليها. «بأربعة ملايين.»
«...أربعة ملايين.»
«حصّتي الحقيقية أضعافها وإنتِ تعرفين.»
«وأنا ما عندي أربعة ملايين، وإنت تعرف.»
«عندكِ ذهب الحاجّة.»
سكتت رمّانة.
كان يعرف بالعلبة الزرقاء. طبعاً كان يعرف.
فأخرجتها من تحت الرخام — كانت هناك منذ ثلاثة أيام، مغلّفةً، جاهزةً للبيع — ووضعتها أمامه.
«خذها.»
أخذها المحامي، لا هو.
ووقّعت رمّانة، ووقّع مهنّد.
وحين انتهى، وقف، وأخذ نفَساً كمن سيقول شيئاً.
«رمّانة، أنا—»
«لا.»
«...زين.»
ومشى إلى الباب.
وهناك توقّف، وظهرُه إليها، والزقاق أمامه، والجدار الأصفر إلى يمينه.
وقال، بصوتٍ خافتٍ جداً، بحيث لم يسمعه إلا هي:
«عبد الله الصفّار.»
ولم يستدر.
ومشى.
في تلك الليلة، جلست رمّانة على الأرض وعدّت.
مدّخراتها، والأغراض المباعة، وأظرفَ الزقاق، والسوارَ الذهبي، وكيسَ النايلون، والصندوقَ.
١١,٤٠٠,٠٠٠
الناقص: ستمئة ألف.
وخمس عشرة ساعة.
نظرت رمّانة إلى الرقم طويلاً.
ثم نظرت إلى المكبس.
ثم قامت، وأخرجت الصندوق الخشبي من تحت الطاولة، وعدّت الرمّان.
مئةٌ وأربعون رمّانة.
مئةٌ وأربعون رمّانة تعطي مئتين وعشرة كؤوس تقريباً، وكل كأسٍ بثلاثة آلاف، تعطي ستمئةً وثلاثين ألفاً.
إن باعتها كلها.
في يومٍ واحد.
فتحت هاتفها وضبطت منبّهاً على الرابعة والنصف صباحاً.
ثم توقّفت.
ونظرت إلى الشاشة.
وإلى الشريط الرمادي الصغير في أعلى المحادثة.
٠:٤١