الفصل 24
اثنا عشر مليوناً
في الأحد، في العاشرة صباحاً، دخلت رمّانة صيرفة الأمين.
ومعها امرأةٌ لم تخرج من بيتها منذ خمس سنوات.
كانت سعاد قد جاءت في الثامنة، ووقفت في باب المحل، وقالت جملةً واحدة:
«ما تصير تروحين لحالكِ.»
ثم لم تتكلّم في الطريق كله. كانت تمشي وهي تنظر إلى الأرض وإلى الجدران وإلى الناس نظرةً خاطفةً ثم تنزل عينيها، كمن خرج من نومٍ طويل والضوءُ يؤلمه.
عند مدخل الشارع الكبير توقّفت مرّةً واحدة، وأمسكت ذراع رمّانة، ووقفت عشر ثوانٍ.
ثم قالت: «يلّا.»
في الداخل، كان عبد الستار خلف مكتبه، وأمامه ثلاثة أقلامٍ متوازية.
رفع رأسه.
ورأى رمّانة.
ثم رأى من خلفها.
ووقف واقفاً بسرعةٍ أطاحت بالكرسي إلى الخلف.
«سعاد.»
«أبا غيث.»
«شنو—» ونظر إلى الباب، إلى الموظّفَين، إلى الشارع. «شنو صار؟ في شي؟ يوسف بخير؟»
«يوسف بخير.»
«إذاً ليش—»
«جيتُ أمشي.»
سكت.
جلست سعاد على الكرسي، ورتّبت عباءتها، ووضعت يديها في حجرها.
«اقعد.»
جلس.
وضعت رمّانة الصندوق الأخضر على المكتب.
«مئتان وسبعةٌ وأربعون قصاصة. كل واحدةٍ بخطّ جدّي وتوقيع شاهدةٍ حيّة. المجموع ثمانيةٌ وثلاثون مليوناً ومئتان.»
فتح عبد الستار الصندوق ونظر فيه.
«وسبعةٌ وعشرون مليوناً منها»، تابعت رمّانة، «قيّدتَها فوائد.»
«العقد—»
«أعرف العقد. قرأتُه اثنتي عشرة مرّة.» جلست هي أيضاً. «وأعرف أن اثنين بالمئة شهرياً مركّبة على خمس سنوات تعني أن الرصيد لا ينزل أبداً مهما دفع، وأنك تعرف هذا، لأنك صرّاف.»
«يا بنتي، أنا لستُ جمعيةً خيرية.»
«لا. لكنك أيضاً لستَ رجلاً يريد المال.»
رفع عينيه.
فأخرجت رمّانة الورقة المطويّة أربع طيّات، وفتحتها، ووضعتها أمامه.
«جدّي كتب لك هذه ثلاث مرّات وما أرسلها ولا مرّة.»
نظر عبد الستار إلى الخطّ.
ولم يمدّ يده.
«اقرأها»، قالت.
«أنا—»
«اقرأها.»
فأخذها.
وقرأ.
ورأت رمّانة الشيء الذي رأته أول مرّة من وراء الجليد: رأت السمكة تصعد إلى السطح.
عند السطر السادس، وضع الورقة على المكتب، ووضع يده فوقها، وجلس بلا حركة.
«أبا غيث»، قالت سعاد.
لم يرفع رأسه.
«خمس سنوات وأنت تقول لي إنك تحميني.»
«...»
«شنو كنتَ تحمي؟»
فقال، بصوتٍ لم يعرفه أحدٌ منهم، وهو ينظر إلى المكتب:
«ما كنتُ أريد فلوسه.»
«أعرف.»
«ما كنتُ أريد فلوسه!» ورفع رأسه فجأة، وكانت عيناه حمراوين وغاضبتين وطفوليّتين. «آني خويه انكسر گدّامي بالشارع وما قدرتُ أسوّي شي! ولا شي! وصلتُ وهو مسجّى والناس تصيح وأنا واقفٌ مثل الأبله!
وبعدها بشهرين، الرجال يقعدون ويحسبون بورقةٍ كم يساوي! يقولون: مئة! ويوقّعون ويشربون شاي!
فأنا شنو أسوّي؟
مسكتُ الورقة.
الورقة الوحيدة اللي بقت. وقلتُ: هذي بيدي. هذي أقدر أمسكها.
وكل خميس يجي راضي ويحطّ الفلوس ويمشي، وأنا أقعد وأكتبها بالدفتر، وأشوف إن الرصيد ما نزل.
وأرتاح.
لأنه ما دام ما نزل، يعني ما خلص. يعني عبد الله لسّه—»
توقّف.
وضعت سعاد يدها على المكتب.
«أبا غيث. آني كنتُ ورا الباب. وإنت كنتَ ورا الدفتر. واحنا الاثنان قعدنا خمس سنوات نحرس ميّتاً بدل ما نحرس ولده.»
سكوت طويل.
ثم فتح عبد الستار الدرج، وأخرج دفتره الأسود، وفتحه على الصفحة.
وأخذ القلم الأوسط.
وشطب العمود الأيمن كله — عمود الفوائد — بخطٍّ واحدٍ مستقيم من الأعلى إلى الأسفل.
وكتب تحته:
الرصيد: ١١,٨٠٠,٠٠٠
ثم فكّر لحظة، وشطب الرقم، وكتب:
١٢,٠٠٠,٠٠٠
«ليش زوّدت؟» قالت رمّانة.
«ما زوّدت. الأصل خمسون وهو دفع ثمانيةً وثلاثين ومئتين. الباقي أحدَ عشر وثمانمئة. حسبتُ لكِ أنا مئتي ألفٍ زيادة لأني حاسبتُه على خميسٍ ما استلمتُ فيه إيصالاً وهو دفع.» أغلق الدفتر. «أنا لا أغشّ يا بنتي. أنا أقسو. فرق.»
«والتاريخ؟»
نظر إليها.
«الخميس.»
«عمّي، أنا أحتاج أسبوعين—»
«الخميس.»
«اثنا عشر مليوناً بأربعة أيام!»
«الخميس.» وسوّى الأقلام الثلاثة. «جدّكِ ما غيّر خميساً واحداً في خمس سنوات. آني ما أغيّره له بعد ما مات.»
وقف.
«وإذا دفعتِ، تاخذين السند بإيدكِ، وأمزّق النسخة الثانية قدّامكِ.»
«وإذا ما دفعت؟»
«آخذ المحل، وأبيعه، وأدفع الفلوس لسعاد، وهي ما راح تاخذها، وتقعد بحسابٍ في البنك لحد ما أموت.» قالها ببساطةٍ فظيعة. «لأني ما أعرف أسوّي شيئاً غير هذا.»
عند الباب، توقّفت سعاد.
«أبا غيث.»
«نعم.»
«الخميس، بعد ما تخلصون، تعال البيت.»
سكوت.
«...آني ما دخلتُ بيتكم من خمس سنين.»
«أعرف.» وفتحت الباب. «آني ما طلعتُ منه من خمس سنين.»