الفصل 23
الصندوق
في السبت، دخلت رمّانة على أم عدنان في السابعة صباحاً.
«خالة. الصندوق الأخضر.»
وضعت أم عدنان الخياطة.
ولم تجادل. قامت، ومشت خلف الطاولة، وانحنت، وأخرجته، ووضعته على الطاولة بين البكرات.
كان صندوقاً معدنياً أخضر، من صناديق البسكويت القديمة، ومقبضه مكسور، وعليه شريطُ لاصقٍ بنّي كُتب عليه بخطّ الجدّ:
لرمّانة.
نظرت رمّانة إلى الخطّ ولم تتحرّك.
«من متى وهو عندك؟»
«من ثلاث سنين.»
«ثلاث سنين.»
«جابه لي وقال: 'أم عدنان، احتفظي به. إذا صار لي شي، البنت راح تجي، عطيها إيّاه.'» جلست أم عدنان على كرسيّها ثقيلاً. «وأنا ما فتحتُه ولا مرّة، والله العظيم.»
«وليش ما عطيتِني إيّاه؟ أنا هنا من ثلاثة أشهر.»
سكوت.
«ليش يا خالة؟»
فرفعت أم عدنان وجهها.
«لأني كنتُ أريدكِ تبيعين وتمشين.»
«...»
«رمّانة. أنا شفتُكِ وأنتِ بنتٌ صغيرة تحلّين الواجب على الرخام. وشفتُ جدّكِ يموت على مهلٍ خمس سنوات وهو يمشي بذاك الطريق. وشفتُ أمّكِ الله يرحمها.
ولمّا رجعتِ، قلتُ: خلاص. تكفي عائلةً واحدة.
قلتُ: خلّيها تبيع وتاخذ فلوسها وتمشي وتعيش، ولا تعرف أبداً أن أبوها قتل رجلاً على باب محلّها.
هذا كل السبب.
وكان غلطاً، وأنا أعرف إنه كان غلطاً من أول أسبوع، ورغم ذلك سكتّ ثلاثة أشهر.»
مدّت يدها ودفعت الصندوق عبر الطاولة.
«افتحيه.»
كان في الداخل ورقٌ.
ورقٌ كثير، مرصوصٌ في حزمٍ مربوطةٍ بمطّاطٍ تفتّت من العمر.
قصاصات. قصاصاتٌ صغيرة، بحجم راحة اليد، مقصوصةٌ بمقصٍّ من ورق دفاترَ مسطّرة.
أخرجت رمّانة واحدة.
خميس ١٤ / ٦استلمتُ من الحاج راضي مبلغ ٢٠٠ ألفوسلّمتُه إلى ع.س. في نفس اليومشاهدة: أم عدنان(توقيع)
وعلى ظهرها، بخطّ الجدّ:
استلمتُ الإيصال. لا.
قلّبت أخرى.
خميس ٢١ / ٦ — ٢٠٠ ألف — شاهدة: أم عدنان
وعلى ظهرها: استلمتُ الإيصال. لا.
«شنو معنى 'لا'؟» سألت رمّانة.
«يعني ما عطاه إيصالاً.»
«...»
«جدّكِ راح لعبد الستار أول ستّة أشهر وطلب إيصالاً. عطاه ثلاث مرّات وبعدها بطّل. قال له: 'الدفتر عندي، شنو تريد أكثر؟'
فرجع جدّكِ إليّ وقال: 'أم عدنان، آني ما أقدر أفرض عليه ورقة. بس أقدر أكتب أنا.'
فصار كل خميس، قبل ما يمشي، يوقف هنا — على هذا الكرسي اللي قاعدةٌ عليه — ويكتب القصاصة، وأنا أوقّع تحتها.
مئتين وسبعةً وأربعين مرّة.»
«مئتان وسبعة وأربعون؟»
«ثلاثة عشر خميساً ما دفع فيها شيئاً.» رفعت أم عدنان كتفاً. «ثلاثة عشر خميساً ما كان معه. وكان يمشي ذاك الطريق كله بكيسٍ رمّان بلا فلوس، ويرجع، ويجلس هنا ويكتب: 'خميس — لم أستطع.' ويوقّع.
قلتُ له مرّة: يا حاج، شنو الفايدة تكتب إنك ما دفعت؟
قال: 'الفايدة إني كنتُ هناك.'»
جلست رمّانة على الأرض في وسط الدكّان، وفرشت القصاصات حولها، ورتّبتها بالتاريخ.
استغرقت ثلاث ساعات.
ثم أخرجت آلتها الحاسبة، وجمعت.
٣٨,٢٠٠,٠٠٠
نفس رقم الدفتر. بالضبط. إلى آخر خانة.
«خالة»، قالت بصوتٍ مبحوح. «هذا يكفي. هذا يكفي في أيّ محكمةٍ في الدنيا.»
«حلو.»
«حلو؟ خالة، هذا يعني إن الدَّين اثنا عشر مو اثنان وستّون!»
«يعني إنكِ لازم تدفعين اثني عشر مليوناً بأربعة أيام.» قامت أم عدنان ورجعت إلى خياطتها. «ما تفرحين بسرعة يا بنتي. أنا عمري ستٌّ وستّون سنة وما شفتُ ورقةً تدفع عن أحد.»
وفي القاع، تحت كل القصاصات، كانت هناك ورقةٌ واحدة مختلفة.
ورقةٌ كاملة، غير مقصوصة، مطويّةٌ أربع طيّات، وعليها من الخارج اسم:
إلى أبي غيث.
«منو أبو غيث؟»
نظرت أم عدنان.
«عبد الستار. هذي كنيته.»
فتحتها رمّانة.
خطُّ الجدّ. أصغر مما اعتادت. مضغوطٌ كأنه يشدّ على أسنانه.
أبا غيث،آني أدفع كل خميس. وإنت تعرف إني راح أدفع، وتعرف إني ما راح أتأخّر، لأنك تعرفني من ثلاثين سنة.وكاتبٌ اثنين بالمئة بالشهر.آني حسبتُها. باثنين بالمئة، ما أخلّص أبداً. لا أنا ولا اللي بعدي.وإنت تعرف.زين.آني ما أريد أخلّص.إذا خلّصتُ، ما بقي لي سببٌ أمشي به ذاك الطريق. والطريق هو الشي الوحيد اللي بقي.فخلّيها اثنين بالمئة، وخلّيني أمشي.بس شي واحد يا أبا غيث:إذا متّ قبلك — وأنا راح أموت قبلك، آني أكبر منك بعشرين سنة وقلبي تعبان — لا تحمّل البنت هذا.البنت ما كانت هنا. البنت ما تعرف. وأنا ما أريدها تعرف.الدَّين مو دينها.الدَّين ديني، وآني دفعتُه بالطريق مو بالفلوس، وإنت تعرف هذا أحسن من كل الناس، لأنك واقفٌ وراء بابٍ مثلي.راضي
رفعت رمّانة رأسها.
«خالة. هذا ما وصل له.»
«لا.»
«ليش؟»
«لأنه كتبها ثلاث مرّات على ثلاث سنين، وثلاث مرّات رجع وحطّها بالصندوق.» غرزةٌ، غرزة. «الرجال يا بنتي يكتبون الرسائل الصح ويرسلون الغلط.»