الفصل 22
البيت الذي لم تدخله
الجزء الرابع: الرمّان
يوم الجمعة، خرجت رمّانة من المحل في الثالثة والنصف ومعها كيسٌ ورقيٌّ بنّي.
كانت قد سألت الحاج فوزي عن الطريق فنظر إليها طويلاً ثم رسمه لها على منديل.
مشت.
الشارع الكبير، ثم يميناً عند الجامع، ثم الحارة الشرقية، ثم الصعود.
عدّت الخطوات في أول عشر دقائق ثم تركت. كان الصعود أطول مما تصوّرت: شارعٌ ينحدر إلى أعلى بلا رحمة، بلا شجرة، وفي منتصفه درجٌ حجريٌّ اثنتان وعشرون درجة.
فكّرت: ستٌّ وسبعون سنة. وعصا.
وصلت في الرابعة وعشر دقائق.
كان بيتاً صغيراً بجدارٍ أصفر وبابٍ أخضرَ قديمٍ عليه طبقتان من الطلاء، وفيه في الأعلى شبّاكٌ صغير بشيشٍ خشبي.
نظرت إلى الشبّاك.
هناك وقف ولدٌ عمره واحدٌ وعشرون، خمس سنوات.
ثم نظرت إلى العتبة.
وهنا وقف رجلٌ عمره ستٌّ وسبعون، مئتين وستّين مرّة.
مدّت رمّانة يدها، وطرقت طرقتين بظهر يدها.
وانتظرت.
عدّت.
ستّون. مئةٌ وعشرون. مئةٌ وثمانون. مئتان وأربعون.
أربع دقائق.
لا شيء.
نظرت إلى الكيس في يدها. ثم إلى العتبة.
ثم لم تضعه.
جلست.
جلست على العتبة، وظهرُها إلى الباب الأخضر، والكيس في حجرها، ومدّت ساقيها على الدرجة.
وانتظرت.
في الخامسة، مرّت امرأتان ونظرتا ولم تقولا شيئاً.
في الخامسة والنصف، وقف ولدٌ في العاشرة على بُعد أمتار ونظر إليها بفضولٍ صريح، ثم سألها:
«إنتِ من أهل الحاج؟»
«أيّ حاج؟»
«الحاج اللي كان يجي.»
بلعت رمّانة.
«إي.»
«صار زمان ما جاء.»
«مات.»
هزّ الولد رأسه بجدّيةٍ شديدة، كمن تسلّم معلومةً مهمّة، وركض.
في السادسة، أذّن المغرب. سمعت من داخل البيت صوتاً: حركةَ ماءٍ، ثم سكوتاً طويلاً.
في السابعة، برد الحجر تحتها.
في الثامنة، أشعلوا نور الشارع.
في التاسعة إلا ربعاً، بدأ ظهرها يؤلمها فعدّلت جلستها، فصكّ الكيس على الباب صكّةً خفيفة.
وفي التاسعة وعشر دقائق، سمعت المفتاح.
انفتح الباب إلى الداخل، ووقفت رمّانة بسرعةٍ فدارت الدنيا بها لحظة.
في إطار الباب امرأة.
في الخمسين. طويلة. شعرها مغطّى بمنديلٍ أسمر، ووجهها وجهاً هادئاً بلا زينةٍ وبلا انكسار — وجه امرأةٍ قوية عاشت طويلاً في غرفة.
ونظرت إليها.
«صار خمس ساعات»، قالت سعاد.
«أعرف.»
«ما راح تمشين.»
«لا.»
نظرت سعاد إلى الكيس في يدها.
ثم فتحت الباب أكثر.
«ادخلي. برد.»
كان البيت نظيفاً بشكلٍ يوجع.
غرفةٌ واحدة للجلوس، وفيها سجّادةٌ حمراء وثلاث مساند وطاولةٌ منخفضة ومكتبةٌ صغيرة فيها مصاحف. وفي الزاوية، صحنٌ فيه ماء وقربه كتابٌ مفتوح.
«أعلّم البنات القرآن»، قالت سعاد وهي تُشعل الغاز. «ثلاث مجموعات في الأسبوع. يجين إلى هنا.»
«ما تطلعين؟»
«لا.»
قالتها بلا شرحٍ وبلا اعتذار، كمن يذكر مهنته.
جاءت بالشاي. جلستا.
«إنتِ بنت مهنّد.»
«إي.»
«شبيهةٌ بجدّك.»
نظرت رمّانة إلى كأس الشاي.
«خالة سعاد، أنا ما جيتُ أطلب شيئاً.»
«أعرف.»
«كيف تعرفين؟»
«لأن اللي يطلب ما يقعد خمس ساعات على العتبة. اللي يطلب يطرق ثلاث مرّات ويمشي ويرجع بكرة.»
سكتتا.
ثم قالت رمّانة:
«أنا ما كنتُ أعرف.»
«أعرف.»
«ما عرفتُ شيئاً إلى قبل عشرة أيام. لا عن الحادث، ولا عن اسمه، ولا عن أبي، ولا عن السجن. أنا كنتُ برّه وكانوا يقولون لي إن كل شيءٍ بخير.»
«جدّكِ.»
«جدّي.»
هزّت سعاد رأسها ببطء.
«هو كان هيك. يحمل ويسكت.» وأخذت رشفة. «وهذا مو دائماً كرم يا بنتي. أحياناً يكون هذا أنانيةً بشكلٍ آخر. الرجل يشيل كل شي لحاله عشان يبقى هو الوحيد اللي يقرّر.»
رفعت رمّانة عينيها، مصدومة.
«إنتِ زعلانةٌ منه؟»
«زعلانة؟» ابتسمت سعاد ابتسامةً متعبة. «يا بنتي. أنا كنتُ واقفةً وراء ذاك الباب مئتين وستّين مرّة.»
«...شنو؟»
«كل خميس. الساعة أربعة وعشر دقائق.» ونظرت إلى الباب الأخضر. «كنتُ أسمع خطوته من رأس الشارع. الرجل كان يمشي بشكلٍ ما يشبه أحداً — يجرّ رجله اليمنى شويّة من الصعود.
فأقوم من مكاني، وأمشي، وأقف وراء الباب.
على بُعد شبر.
وهو يطرق. وأنا واقفة. وأسمع نفَسه.
وينتظر أربع دقائق، وأنا واقفةٌ أعدّ معه.
ويحطّ الكيس، ويمشي.
وأنا أقعد على الأرض وراء الباب لحد ما يختفي الصوت.»
سكوت.
«ليش ما فتحتِ؟»
نظرت سعاد إلى يديها.
«السنة الأولى، ما كنتُ أقدر. هذي بسيطة، أيّ واحدةٍ تفهمها. زوجي مات بالشارع، وأنا شفتُه، وابني شافه. ما كنتُ أقدر أشوف وجه أحدٍ من هناك.
السنة الثانية، بدأتُ أقدر. بس صار عندي شيءٌ ثانٍ.
خجل.
يا بنتي، شلون أفتح الباب بعد سنة ونصف؟ شنو أقول له؟ 'تفضّل'؟ بعد ستّة وسبعين خميساً وهو واقفٌ بالشمس والمطر؟
كل خميس ما أفتح فيه، يصير فتحه في الخميس الجاي أصعب.
السنة الثالثة، صار الباب أكبر منّي.
والسنة الرابعة والخامسة...»
توقّفت.
«السنة الرابعة والخامسة، صار الباب هو الشي الوحيد اللي بقي بيني وبين عبد الله.
لأنه ما دام في الدنيا رجلٌ يقف على بابي كل خميس، يعني عبد الله لسّه موجودٌ عند أحد.
فإذا فتحتُ الباب، وقعدنا، وشربنا شاي، وقال 'سامحيني' وقلتُ 'سامحتُك'—
خلص.
يمشي، ويرتاح، وما يجي بعدها.
ويصير عبد الله ذكرى عندي أنا بس.»
كانت رمّانة تبكي وهي لا تعرف متى بدأت.
«أنا سامحتُه من زمان يا بنتي»، قالت سعاد بهدوء. «من السنة الأولى، بقلبي، والله. بس السماح مو باب. السماح شيءٌ داخلي، والباب شيءٌ خارجي، وأنا ما قدرتُ أخرج السماح من جوّه إلى برّه.
وهذا هو ذنبي أنا. مو ذنبه.»
قامت سعاد.
فتحت خزانةً في الجدار — خزانةً قديمة بمصراعين — ووقفت أمامها لحظة.
ثم أدارت المصراعين.
كان الرفّ الأوسط ممتلئاً.
أكياساً ورقيةً بنّية. مطويّةً بعناية، كل واحدٍ مطويّاً بالطول ثم بالنصف، ومرصوصةً في رزمٍ مربوطةٍ بخيط.
مئات.
«مئتان وستون»، قالت سعاد.
مشت رمّانة إليها.
«الرمّان؟»
«الرمّان كنتُ أوزّعه على أولاد الجيران. كل خميس بالليل، بعد ما ينام يوسف، أنزل وأدقّ على باب أبو حسين وباب الست فاطمة وأعطيهم.» ومسحت الرفّ بيدها. «ما قدرتُ آكله. والله ما قدرت. وما قدرتُ أرميه.
والأكياس...»
«ليش الأكياس؟»
«لأنها الشيء الوحيد اللي بإيده.»
سكوت.
«هو كان يطويها. شفتِ الطية؟ بالطول وبعدين بالنصف. هذي طيّةُ رجلٍ اشتغل في دكّانٍ ستّين سنة. كل الأكياس مطويّةٌ نفس الطية.
فصرتُ أفكّها بالليل، وأشمّها، وأطويها نفس الطية، وأحطّها.
مئتين وستّين مرّة.»
ثم مدّت يدها إلى الطرف الأيمن من الرفّ، وأخرجت كيساً واحداً غير مطويّ.
كان منتفخاً قليلاً. وثقيلاً.
«هذا آخر واحد.»
فتحته رمّانة.
في الداخل، أربع رمّاناتٍ جفّت جفافاً كاملاً حتى صارت خفيفةً وقاسيةً كالخشب، وقشورها ضاربةٌ إلى البنّي، ومشدودةٌ على شيءٍ في الداخل صار حجراً.
«جاء يوم الخميس»، قالت سعاد. «ومات يوم السبت.»
جلستا على الأرض أمام الخزانة المفتوحة.
«خالة سعاد.»
«ها.»
«أنا عندي ستّة أيام قبل ما ياخذون المحل. عمّك عبد الستار كتب فوائد على الدَّين حتى صار اثنين وستّين مليوناً بدل اثني عشر. وأنا لا أستطيع أن أطلب منكِ شيئاً، لأني ما جيتُ لهذا، والله ما جيتُ لهذا، بس—»
«أنا أعرف كل شي عن الدَّين.»
«...تعرفين؟»
«يا بنتي، أنا قاعدةٌ في بيتٍ من خمس سنين. الشيء الوحيد اللي أسويه هو أني أعرف.» ونظرت إليها. «عبد الستار دفع الخمسين الباقية من جيبه، بعد شهرين. جاء وحطّ الفلوس قدّامي وقال: خلصت، ما بقي لكِ عند أحد.
فصار جدّكِ مديوناً له هو، مو لي.
وهو صار كل خميس يستلم، ويكتب الفلوس على الفوائد أول شي، عشان الأصل ما ينقص.»
«ليش؟»
نظرت سعاد إلى الباب الأخضر.
«لنفس السبب اللي خلّاني ما أفتح.»
عند الباب، وهي تلبس نعلها، قالت رمّانة:
«يوسف.»
توقّفت سعاد.
«تعرفين وين يروح كل خميس؟»
«من أول خميس.»
«...وما قلتِ له شي؟»
«شنو أقول له؟» ابتسمت سعاد ابتسامةً صغيرةً مكسورة. «آني قاعدةٌ ورا باب، وهو مشى. أنا أحسده.»
فتحت رمّانة الباب.
«رمّانة.»
استدارت.
كانت سعاد واقفةً في منتصف الغرفة، ويداها متشابكتان.
«ابني ما ضحك من خمس سنوات.
من شهرٍ ونصف، رجع البيت الساعة عشرة بالليل، وكان يضحك على شي. وحده. وهو يغسل إيديه.
وأنا قعدتُ بغرفتي وبكيتُ ساعتين.»
بلعت.
«مو من الزعل يا بنتي.»