الفصل 21
الخميس الثاني عشر
جاء في الرابعة والنصف.
كان المحلّ مفتوحاً هذه المرّة.
وقف في الباب لحظةً، كأنه غير متأكّد إن كان الدخول مسموحاً، ثم دخل، ومشى إلى الكرسي الثالث، وجلس.
«مساء الخير.»
ولم يطلب شيئاً.
كانت رمّانة تمسح الرخام. أنهت المساحة التي كانت تمسحها. ثم طوت الفوطة مرّتين ووضعتها.
«يوسف.»
«ها.»
«تعرف منو أنا؟»
سكوت قصير.
«من أول يوم.»
هزّت رأسها ببطء. كانت تعرف الجواب. سماعه كان شيئاً آخر.
«من أول يوم يعني...»
«يعني من قبل ما تفتحين المحلّ. أنا شفتُكِ في الجنازة.»
«كنتَ في جنازة جدّي؟»
«في آخر الصف. برّا.»
أمسكت رمّانة حافّة الرخام.
«يوسف. أبوي قتل أبوك.»
قالتها هكذا. بلا مقدّمة، بلا تليين. لأنها كانت قد قرّرت أنها لن تكون من عائلةٍ تُجمّل.
لم يرمش.
«أعرف.»
«وإنت قاعدٌ هنا كل خميس على كرسيّه، وتصلّح لي المروحة، وتلحم لي المكبس، وتثبّت لي البلاطة.»
«إي.»
«ليش؟» ارتفع صوتها. «ليش يا يوسف؟ شنو هذا؟ إنت تعاقبني؟ لأن والله إذا كنتَ تعاقبني فهذي أذكى طريقةٍ في الدنيا، وأنا مستحقّة، بس قُل لي عشان أعرف شنو أنا فيه!»
«ما أعاقبكِ.»
«إذاً شنو؟»
«ما أدري.»
«يوسف!»
«ما أدري!» وارتفع صوته هو أيضاً، لأول مرّة، فارتجّ المحل الصغير، ثم نزل فوراً. «ما أدري. تريدين حساباً؟ ماكو حساب. أنا عمري واحدٌ وعشرون سنة وأنا واقفٌ عند الجدار وبإيدي شاكوش، وبعدها بشهرٍ صار عندي أمٌّ ما تطلع من غرفتها وعمٌّ يقول لي 'أنا أتصرّف' ومحلٌّ لازم يفتح كل يوم لأن ما فيه أحدٌ ثانٍ يفتحه.
وكل خميس، الساعة أربعة وعشر دقائق، أشوف من الشبّاك رجلاً عجوزاً يمشي بالطريق ومعه كيسُ رمّان.
خمس سنوات.
وما فتحنا له.
عمّي قال ما نفتح. وأمّي ما تكلّمت. وأنا... أنا كنتُ أنظر من الشبّاك وأنا واقف، وما نزلت.»
كان صدره يعلو وينزل.
«ولمّا مات، ولمّا صار الخميس اللي بعده، وأنا واقفٌ عند الشبّاك الساعة أربعة وعشر دقائق—»
توقّف.
«ما جاء أحد»، قالت رمّانة.
«ما جاء أحد.»
سكوت.
مروحة السقف تدور بلا تكّة.
«فمشيتَ إنت.»
«مشيت.»
جلست رمّانة على الكرسي الأول.
«يوسف. أنا لازم أسألك سؤالاً، وأريدك أن تجاوبني بصدقٍ حتى لو قتلني.»
«اسألي.»
«إنت تجي لأجلي؟»
نظر إلى الرخام. ورفع إبهامه ومسح الشرخ في الزاوية، ذهاباً وإياباً، مرّة.
«بالبداية، لا.»
«...»
«بالبداية جيتُ للكرسي. جيتُ لأن هذا آخر مكانٍ قعد فيه، ولأن الرائحة نفسها، ولأنه لمّا أقعد هنا الساعة أربعة أحسّ أن الساعة لسّه ما صارت أربعة وعشر دقائق.»
بلعت رمّانة.
«وبعدين؟»
رفع عينيه.
«وبعدين صرتِ إنتِ في المكان.»
«...»
«وأنا صرتُ أجي بدري.» قالها بهدوء، بلا حماية. «صرتُ أخلّص شغلي الساعة ثلاثة وأمشي بطيء عشان لا أوصل بدري. وصرتُ أفكّر يومَ الثلاثاء بشي أصلّحه، عشان يكون عندي سبب.»
«يوسف—»
«وهذا أفظع شي صار لي بحياتي.»
قامت رمّانة.
«ليش؟»
«لأن أمّي ما طلعت من ذاك البيت من خمس سنوات.» ونظر إليها، وعيناه محمرّتان. «ولأني إذا فرحتُ، أشعر أني تركتُها هناك وحدها.»
وقفا في المحل الصغير، بينهما مترٌ من الرخام وثمانون سنة.
وقالت رمّانة الشيء الذي كان يجب أن يُقال، والذي كرهت نفسها عليه في اللحظة نفسها:
«روح.»
«رمّانة—»
«روح يا يوسف. مو لأني ما أريدك.» ارتجف صوتها ثم ثبت. «لأني ما أقدر أقف هنا وأعصر لك رمّاناً وأنا أعرف أن أبوي هو السبب اللي خلّاك ما تعرف كيف تفرح.
إذا كملنا هيك، راح نبني كل شي فوق ذاك اليوم. وذاك اليوم ما يشيل.
فروح. لحدّ ما يصير عندي شيءٌ أعطيك إيّاه غير الأسف.»
نظر إليها يوسف طويلاً.
ثم هزّ رأسه هزّةً واحدة.
وقام.
وعند الباب، توقّف، وقال بلا أن يستدير:
«الخميس الجاي هو آخر يوم بالمهلة.»
«أعرف.»
«زين.»
ومشى.
وقفت رمّانة وحدها، والمحل يضيق حولها.
ثم مشت إلى الرفّ الثالث، وأخذت الكأس المنتصبة، والقشرة السوداء في قاعها.
وحملتها بكلتا يديها.
ولم تغسلها.
وضعتها على الرخام، أمام الكرسي الثالث الفارغ.
وقالت بصوتٍ عالٍ، في محلٍّ فارغ:
«حاضر، جدّي. فهمت.»
وأخذت مفاتيحها.