الفصل 20
نوري ينسى
في أول تشرين، جاء نوري في التاسعة صباحاً.
لم يكن يأتي في التاسعة أبداً.
وقف في الباب، بالقميص الأبيض نفسه، لكنه لم يكن مكويّاً، وكان زرّاه الأعلى والأوسط في العروة الخطأ، فمال الياقة كلّه.
«صباح الخير.»
«صباح النور عمّي نوري. مبكّر اليوم.»
«الحاج راضي موجود؟»
توقّفت يد رمّانة.
«ها؟»
«راضي. صاحب المحل.» نظر حوله. «قال لي إنه يفتح السادسة.»
نظرت رمّانة إليه. إلى القميص المزرّر غلطاً. إلى العصا التي كان يحملها اليوم بيده اليسرى، وهو أيمن.
وقالت:
«راح يجي.»
«زين. أقعد أنتظره.»
وجلس على الكرسي الأوسط، وضبط ياقته المائلة، ووضع العصا على الرخام.
عصرت له.
شرب ثلاث رشفات وأغمض عينيه ثانيتين.
ثم فتحهما ونظر إليها.
«إنتِ رمّانة.»
شهقت رمّانة شهقةً صغيرة.
«إي عمّي، أنا رمّانة.»
«إي.» وابتسم ابتسامةً واسعةً حنونة. «رمّانة. زوجة راضي. الله يخلّيكِ يا أم مهنّد، هذا الرمّان أحلى من مالته بمرّة.»
نزلت يد رمّانة عن الرخام.
وفي تلك اللحظة اتّخذت قراراً، بسرعةٍ لم تُتِح لها أن تفكّر فيه، ولم تندم عليه أبداً بعد ذلك.
«الله يخلّيك عمّي نوري»، قالت. «آني أختار الرمّان بنفسي.»
«ما شاء الله عليكِ. راضي محظوظ وما يعرف.»
«يعرف.»
«لا ما يعرف.» ومال إليها، سرّياً. «الرجّال ما يعرف. لكن هو ولدٌ طيّب. صحيح ساكتٌ كثيراً، بس اسمعي منّي: الساكت هذا يحفظ. كل شي تقولينه له، بعد عشرين سنة يرجّعه لكِ.»
وفي منتصف الكأس، بلا مقدّمة، قال:
«على فكرة، الحكاية اللي كنتُ أحكيها.»
«أيّ حكاية؟»
«الرجل اللي كان يدفع بالرمّان.»
انتصب ظهر رمّانة.
«إي عمّي. ما خلّصتَها.»
«ما خلّصتُها؟» وبدا مندهشاً بحقّ. «يا سلام. طيب.»
وضع الكأس.
«وينها وصلنا؟»
«الرجل مات.»
«آه. إي.»
وأخذ نفَساً.
«الرجل مات.
وفي الأسبوع التالي، في اليوم نفسه، في الساعة نفسها، ما جاء أحد.
والباب — الباب الذي ما انفتح خمس سنوات — انفتح.
طلعت المرأة، ووقفت على العتبة، ونظرت في الطريق الفارغ.
وما كان أحد.
وهذا هو أصعب شيءٍ في الحكاية يا بنتي، انتبهي: الناس تظنّ أن أصعب شيءٍ أن تنتظري وأنتِ لا تفتحين. لا. أصعب شيءٍ أن تفتحي وما تلقين أحداً.
—
وبعدها بأسبوع، صار شيءٌ ثانٍ.
ولد الميت — ولد الجار اللي راح — قام ومشى الطريق بالعكس.
من بيته إلى محلّ الرجل اللي كان يجي.
ووقف هناك.
وما طلب شي.
—
والناس في الحارة سألوا: ليش؟ الرجل مات، خلص، شنو بقي؟
وأنا أقول لكِ ليش، لأني فكّرتُ فيها كثيراً:
لأن الرجل، خمس سنوات، ما كان يحمل رمّاناً. كان يحمل خيطاً. خيطاً رفيعاً بين بيتين. والخيط إذا انقطع من طرفٍ، ينقطع كله وما يبقى شي، ويصير كأنه ما صار.
فالولد راح يمسك الطرف الثاني.
—
والحكاية ما تنتهي هنا يا بنتي.
الحكاية ما تنتهي إلا لمّا واحدٌ من الاثنين يفتح الباب فعلاً.
وأنا ما أعرف إذا فتحوا.
سمعتُها ناقصةً وحكيتُها ناقصة.»
في الحادية عشرة، جاءت امرأةٌ في الأربعين، بملابس ممرّضة تحت عباءةٍ خفيفة، تلهث.
«بابا!»
«هدى! تعالي، اقعدي، هذي أم مهنّد.»
نظرت هدى إلى رمّانة.
ونظرت رمّانة إليها.
«أنا آسفة»، قالت هدى. «طلع وأنا في الدوام. الجيران قالوا لي إنه نزل.»
«ما فيها شي. خلّيه يخلّص كأسه.»
جلست هدى على الكرسي الثالث ووضعت وجهها في يديها ثانيتين، ثم رفعته.
«من متى وهو هيك؟» سألت رمّانة بصوتٍ منخفض.
«سنة ونصف. بس من شهرين... نزل بسرعة.» ونظرت إلى أبيها الذي كان يتأمّل المكبس بإعجاب، كأنه يراه أول مرّة. «الأطباء يقولون إن الجزء الأخير اللي يروح هو أقدم شي. يعني راح يبقى عنده الطفولة والأربعينات، ويروح البارحة.»
«وهو يعرف؟»
«يعرف. من البداية عرف.» ابتسمت ابتسامةً مكسورة. «تعرفين شنو سوّى أول ما شخّصوه؟ قعد يوزّع.»
«يوزّع؟»
«الحكايات. صار يحكي الحكاية لأكثر من واحد. للجيران، للبقّال، لسائق التاكسي، لبنت الجيران الصغيرة. قال لي: 'هدى، ما عندي ذهبٌ ولا بيت. عندي ستّون حكاية. راح أوزّعها على ستّين واحداً، وكل واحدٍ يمسك واحدة.'»
نظرت رمّانة إلى الدفتر تحت الرخام.
«أنا أكتبها»، قالت.
رفعت هدى رأسها.
«شنو؟»
«حكاياته. أكتبها من شهرين. كل وحدة يحكيها أكتبها بالليل. عندي أربعةٌ وعشرون.»
نظرت إليها هدى طويلاً.
ثم بكت، بلا صوت، وهي تمسح بسرعةٍ كي لا يرى أبوها.
عند الباب، وهي تأخذ ذراعه، استدار نوري إلى رمّانة.
وسألها، بأدبٍ شديد، سؤال رجلٍ يخاطب امرأةً لا يعرفها:
«معذرةً. هل فُتح المحلّ؟»