دفتر الرمّان

0%
دفتر الرمّانالحساب الصحيح

الفصل 19

الحساب الصحيح

في الأيام التالية، فعلت رمّانة الشيء الوحيد الذي تعرف كيف تفعله حين تنهار: فتحت جدولاً.

جلست في الليل، بعد الإقفال، وفتحت دفتراً جديداً — لا دفتر جدّها، دفتراً أبيض اشترته من دكّان أم عدنان — وكتبت في أعلى الصفحة:

الحساب الصحيح.

وبدأت.

كتبت: رجلٌ عمره سبعةٌ وأربعون. متوقّع أن يعمل حتى الخامسة والستّين. ثمانيَ عشرة سنة عمل.

حسبت متوسط دخل صفّارٍ في السوق. ضربت.

كتبت رقماً.

ثم شطبه.

كتبت: زوجةٌ عمرها خمسٌ وأربعون. ماذا يساوي أن تدخل امرأةٌ غرفتها ستة أشهر؟

ونظرت إلى السؤال مكتوباً بخطّها.

ثم شطبته أيضاً.

كتبت: ابنٌ عمره واحدٌ وعشرون، يمسك شاكوشاً ولا يرميه.

وقلّبت الصفحة.

بحثت في هاتفها عن جداول التعويضات. وجدت أرقاماً من شركات تأمينٍ في بلادٍ أخرى: قيمة إصبع، قيمة عين، قيمة سنةٍ من الحياة. قرأت ثلاث ساعات.

ووصلت في الرابعة صباحاً إلى النتيجة التي كانت تعرفها منذ أول سطر:

لا يوجد رقم.

كتبتها في المنتصف، بخطٍّ كبير، وحدها في الصفحة.

لا يوجد رقم. لهذا اخترعوا الدية: مو لأنها الثمن، لأنها الشيء الوحيد اللي ممكن ينكتب.

وجدّي ما كان يدفع الدية.

الدية دفعها بالبيت وخلصت.

جدّي كان يدفع الشي الثاني.

وذاك ما ينكتب، فدفعه مشياً.

مئتان وستون خميساً.

أغلقت الدفتر.

في اليوم التالي، ذهبت إلى سوق الصفّارين.

لم تكن قد دخلته منذ كانت طفلة. كان أضيق مما تذكّرت وأعلى صوتاً بكثير: ثمانية عشر محلاً، والطرق يجيء من كل جهةٍ بإيقاعاتٍ مختلفة تتقاطع ولا تتّفق، فتصنع شيئاً أشبه بالمطر على سطحٍ من صفيح.

مشت ببطء.

في المحل السابع، رأت لافتةً:

محلّ الصفّار — منذ ١٩٤٤

ووقفت على الجهة المقابلة، خلف بسطة سماور، ونظرت.

في الداخل، كان يوسف يقف أمام سندانٍ صغير، وعلى السندان صفيحةُ نحاسٍ مقعّرة، وبيده مطرقةٌ صغيرة برأسٍ مدوّر.

كان يطرق.

طرقاتٍ صغيرة، سريعة، متلاحقة، في دوائر من الحافّة إلى المركز، وهو ينظر إلى المعدن من زاويةٍ منخفضة، ويدير الصفيحة بيده اليسرى ربعَ دورةٍ كل بضع طرقات.

ولم يكن وجهه متجهّماً.

كان وجهه هادئاً تماماً. الوجه الذي رأته على الكرسي الثالث. الوجه نفسه بالضبط.

فهمت رمّانة، وهي واقفةٌ خلف السماور في سوقٍ يضجّ، شيئاً بسيطاً وفظيعاً:

أنه لا يجلس في محلّها لأنه يريد شيئاً منها.

يجلس لأن هذا هو المكان الوحيد في المدينة الذي يشبه الطرق.

مكانٌ فيه إيقاعٌ لا يتوقّف، ورجلٌ عجوزٌ يحكي، وامرأةٌ تعدّ، ومروحةٌ تدور.

مكانٌ يصير فيه الصمت محتملاً.

خلف يوسف، على الجدار، كان هناك إطار.

صورةُ رجلٍ في الخمسينات، بمريلة، يضحك، وفي يده كأسٌ من عصير الرمّان.

الكأس نفسها.

استدارت رمّانة ومشت خارج السوق، والطرق يتبعها إلى الشارع الكبير، ثم يضعف، ثم يصير خلفيةً، ثم يختفي.

وفي الشارع، وقفت.

وأخرجت هاتفها، واتّصلت برجل الأنتيكات.

«أستاذ. المكبس.»

«آه، أهلاً. غيّرتِ رأيكِ؟»

«لا. اتّصلتُ لأقول لك: ما راح أبيعه. لا اليوم ولا بعدين. لا تتّصل.»

«يا آنسة، ثلاثة ملايين ونصف مو—»

«ما راح أبيعه.»

وأغلقت.

ثم اتّصلت بأبيها.

«رمّانة! حبيبتي، أنا كنتُ—»

«بابا. أنا ما راح أبيع. راح أسدّد.»

ضحك. ضحكةً حقيقيةً مندهشة.

«باثنَي عشر مليوناً؟ ومن وين؟»

«ما أعرف.»

«يا بنتي—»

«وشي ثانٍ. تعال بالمحامي. تعال بعشرة محامين. بس تعال بشرط: اسأل عن اسمه. أيّ حدا. اسأل واحداً من أهل الزقاق شنو كان اسمه. وبعدين تعال.»

سكوت.

«رمّانة، إنتِ ما تفهمين شنو صار لي—»

«اسمه عبد الله.»

وأغلقت.