الفصل 1
أخرس
(التاريخ: عام 2030 - شركةُ عُشِ البيانات)
كان ذلك اليوم عاديًا.
المكتب ذاته، الأوراق نفسها، الجهاز اللوحي نفسه، الحياة الرمادية التي لا تتغير.
توقفت يده للحظة فوق الورقة.
رفع ماهر رأسه قليلًا… ثم توقف.
لم يكن يعرف لماذا تذكر ذلك الصوت فجأة.
"ماهر أخرس!"
(التاريخ: عام 2009 - العُمر: 5 سنوات - الروضة)
أراد أن يتكلم.
فتح فمه، حاول، لكنه لم ينجح.
كان الجميع ينظر إليه، أطفال الصف والمعلمة، حتى أولئك الذين لم يهتموا بوجوده من قبل.
كان ذلك يومًا عاديًا، حتى قررت المعلمة أن تسأله سؤالًا أمام الجميع.
"ماهر، أخبرنا باسمك."
مجرد اسمه، شيء بسيط.
كل طفل في الصف يستطيع قوله بسهولة، لكن ليس هو.
شعر بالدموع تتجمع في مُقلتيه وهو يقف في مكانه، يحدق في المعلمة التي تنتظره، وفي الأطفال الذين بدأوا بالضحك بصوت منخفض.
-"هيا تكلم!"
-"الأمر سهل!"
لكنه لم يتمكن.
"ماهر أخرس!"، صرخ أحد الأطفال، وبعدها انفجر الفصل ضحكًا.
خفض رأسه، كأنه يحاول أن يختفي.
حاول أن يضغط على حنجرته بيده، كأن شيئًا ما يسدها.
حاول أن يتكلم…
لكنه لم يستطع.
لأنه لم يكن بحاجة إلى صوت ليشعر بأنه غير موجود.
كان يعرف ذلك منذ وقت طويل.
توقفت الضحكات ببطء عندما نظرت المعلمة إليهم بحدة، لكنها لم تقل شيئًا.
تنهدت، ثم انحنت أمامه، محاولة أن تجعل عينيها في مستوى عينيه.
"ماهر، أأنت بخير؟"
لكنه لم يكن بخير.
أراد أن يقولها، أن يخبرها أنه ليس أخرس، أنه يستطيع التحدث لكنه لا يعرف كيف.
لكنه فقط خفض رأسه، وركّز بصره على يديه الصغيرتين المرتجفتين.
وضعت المعلمة يدها على كتفه بلطف، لكنها لم تبق هناك طويلًا.
التفتت إلى الطلاب، وقالت بصوت جاد:
"يكفي! لن أسمح لأحد بالسخرية من زميله."
لكنها لم تكن غاضبة حقًا، لم تكن منزعجة كما كانت عندما يعبث أحد الأطفال بالطباشير أو يرفض أداء الواجب.
لأنها، مثل الجميع، لم تكن ترى أن هناك خطأ حقيقيًا هنا، لم تكن تعتقد أن هنالك شيء يحتاج إلى الإصلاح.
فقط نظرت إليه بابتسامة صغيرة، وربّتت على رأسه وهي تقول:
"حسنًا، يمكنك الجلوس يا صغيري."
وهكذا، انتهى الأمر كما بدأ، ماهر عاد إلى مقعده، والجميع يتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.
لكن شيئًا قد حدث. شيءٌ لن ينساه أبدًا.
(في ذات اليوم - التاريخ: عام 2030 - شركةُ عُشِ البيانات)
لم يكن يتذكر اسم الطفل الذي قالها، لم يكن يتذكر وجوه زملائه وقتها، لكنه كان يتذكر الإحساس، الشعور بأن الكلمات حُبست في داخله، وأنه لو حاول إخراجها، فلن تخرج أبدًا.
فتح عينيه ببطء، وحدّق في يديه، مثلما فعل ذلك اليوم منذ عقود.
أصبحتا أكبر الآن، أكثر صلابة…
لكنهما ما زالتا ترتجفان كما كانتا تفعلان يومًا.
ضحك بسخرية وقال: "عقل طفل... في جسد بالغ..."
كم مضى من الوقت منذ أن تحدث مع أحد بصدق؟ منذ أن نطق بكلمة دون أن يفكر ألف مرة قبلها؟
أعاد القلم إلى مكانه، وواصل الكتابة كما لو أن أمرًا لم يحدث.
كما لو أن ذلك الطفل الصغير الذي وقف يومًا أمام الجميع محاولًا أن يتكلم، لم يُوجد أصلًا.
(الفصل الأول، انتهى)