الفصل 2
صمت وحماية
(مارس 2008 – عمره 3 سنوات ونصف)
كان في زاوية الفصل صندوق بلاستيكي لونه أزرق.
تسميه المعلمة "صندوق الألعاب المشتركة".
عِداه هو، كان يسميه "ساحة الحرب".
كان كل طفل يأخذ لعبة ويجلس مع شخص آخر أو مجموعة أشخاص،
أما هو، فكان يمد يده، يسحب سيارة صغيرة، ويجلس بعيدًا.
كان يظن أن اللعب بمفرده مريح.
لكنه لم يقترب من أحد،
خوفًا من أن يسحب اللعبة من يده ويضحك.
في إحدى المرات، جلس بجانب طفلين.
أعطاهما اللعبة بصمت، دون أن يقول شيئًا.
نظر أحدهما إليه وقال:
"لماذا أنت دائمًا صامت؟ أنت ممل."
ضحك الآخر.
ترَك اللعبة،
ثم نهض ومشى،
وجاء ليجلس في الزاوية،
يحتضن ركبتيه ويراقبهم من بعيد.
وفي تلك اللحظة، كتب في ذهنه:
"الصمت أحيانًا يكون أحنّ من الناس."
(أكتوبر 2008 – عمره 4 سنوات)
لم يكن يتذكر السبب.
لم يعرف إن كان قد أخذ لعبة، أو جلس في مكان "لا يخصه".
لكن ما يزال يتذكر الضربة.
يد صغيرة، غاضبة، سقطت على خده بقوة جعلته يترنح للحظة.
كانت تلك هي المرة الأولى التي يتلقى فيها ضربة من طفل.
لا من بالغ، ولا من قدر... بل من صغير مثله، في عمره، بنفس الطول تقريبًا.
رفع يده إلى خده. لم يكن يؤلمه كثيرًا.
لكنه لم يتحرك.
لم يبكِ. لم يصرخ. لم يهرب.
فقط... تجمّد.
كان هناك من يضحك. ربما طفل آخر.
وكان هناك صوت المعلمة بعيدًا، تنادي أحدًا من الزاوية الأخرى.
لم يكن هناك أحد في جانبه.
لم يكن أحد معه.
ثم، بعد لحظة بدت كأنها قرن...
جاء الصوت:
"ماذا تفعل؟!"
قالها شهاب، فتى بنفس عمره وطوله.
ثم من خلفه:
صقر، أطول وأقوى طالب في الصف.
وقفا أمامه.
بينه وبين الطفل الآخر.
كأنهما سور من الحماية.
الطفل المعتدي انسحب ببطء، كأنه لم يكن يعلم أن ماهر له ظلّ يسانده.
نظر ماهر إليهما...
لم يقل شيئًا.
لم يعرف كيف يشكرهما.
لم يعرف حتى... هل يستحق أن يُحمى؟
تلك الليلة، جلس في سريره، يتأمل يديه الصغيرتين.
لم يستطع رفعهما للدفاع عن نفسه.
لم يستطع حتى أن يبكي.
كتب في دفتره الصغير جملة واحدة:
"أريد أن أصبح مثلهم."
(الفصل الثاني، انتهى)