الفصل 3
أنيابُ الليل
توالت الأيام كأنها صفحات ثقيلة تُقلب ببطء، ومع كل شروق شمس، كانت الأرض تنبض بالحياة من جديد تحت أناملهم المنهكة. الحراثة تسير بثبات، وكأنهم يزرعون أرواحهم في التربة بدلًا من البذور. لم يكن أحد يعلم ما هي المهام القادمة بعد الانتهاء من هذا الحقل، لكن شيئًا في الصمت المحيط بهم كان يوحي أن القادم لن يكون أيسر.
حين حان وقت الغداء، اجتمع ثلاثتهم تحت ظل شجرة منهكة مثلهم .
سيرشا، نياما، وجوستاف. جلسوا بصمت للحظات، ثم تحدث جوستاف بنبرة مترددة، فيها شيء من الحنين وشيء من الخوف
"ربما... ربما علينا أن نبقى معًا خلال هذه الفترة. كأننا نحتاج لبعضنا."
ردت سيرشا ببرود، وعيناها لا ترفعان عن طبقها البسيط
"وهل نفعل غير ذلك؟"
هزّ جوستاف رأسه نافيًا، ثم اقترب قليلًا وهو يخفض صوته
"لا، أعني... رأيت وجوهًا غريبة. عبيدًا مثلنا، لكنهم... لا يعملون. يراقبوننا من بعيد، صامتين، وكأنهم ليسوا مثلنا تمامًا."
رفعت نياما رأسها بسرعة، وكأنها تعرف تمامًا ما يعنيه، وقاطعته بجدية
"أولئك... لهم وضعٌ مختلف. بعضهم يرتبط بالسادة، سواء بدمٍ أو خدمة طويلة. يُعاملون كما لو أنهم بين مرتبتين... لا عبيد، ولا أحرار."
نظرت إليها سيرشا بتمعن، وقد أثار كلامها فضولها
"وكيف تعرفين كل هذا؟"
ردت نياما بهدوء، ووجهها يخلو من أي تفاخر
"أنا لست جديدة تمامًا. وصلت إلى هنا قبلكما بستين يومًا. وهذا وقتٌ كافٍ لرؤية أشياء كثيرة."
ابتسم جوستاف وهو يومئ برأسه
"ذلك يفسّر معرفتك بكل صغيرة وكبيرة هنا. لمَ لم تخبرينا من قبل؟"
قالت بنبرة تحمل مزيجًا من التحذير والحنان
"لأن ما تعرفه هنا يمكن أن ينقذك... أو يقتلك. ستعتادون، نعم، لكن إياكم والوقوع في المشاكل. لا تصدّقوا أن أحدًا سينقذكم إن خالفتم القواعد."
مال جوستاف نحو سيرشا وهمس ممازحًا
"أسمعتِ، أيتها المشاغبة؟ هذا الكلام موجّه لك."
رفعت حاجبيها بامتعاض وردّت
"توقف عن هذا الهراء، ماذا تظنني؟!"
لكن نياما قاطعت قاطعتهما بصوت خافت، مرتجف قليلًا
"أنا رأيت عبيدًا يُسحبون إلى الساحة ويُعدَمون أمام الجميع... لمجرد أنهم رفعوا صوتهم على أحد السادة، أو قالوا ما لا يجب. احذروا... من كل شيء."
ساد الصمت. لم يعد طعم الطعام يُذكر.
فقد غصت قلوبهم بالخوف من تلك الكلمات
أمالت سيرشا رأسها قليلًا، وعيناها تتعلقان بخط الأفق كما لو كانت تبحث عن شيء فُقد هناك منذ زمن. لحظة صمت مرّت قبل أن تنطق، وكأنها تهمس لنفسها أكثر مما تخاطب من حولها
"عشت تسعة عشر عامًا في العبودية... أو لعلّي كنت عبدةً منذ اللحظة التي تشكّلت فيها في رحم أمي. مررت بسادةٍ كُثُر، قسوةُ البعض منهم كانت تُهذّبني، والبعض الآخر كاد ينسيني اسمي. لا، لن أخفق في التعامل معهم الآن... قد أبدو متهورة أحيانًا، لكنني... أعرف جيدًا كيف أكون عبدة. ولهذا، أنتما في أمانٍ معي."
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي جوستاف، وغمغم وهو ينهض متثاقلًا
"أوه، هل ستصبحين حارستنا الآن؟ أفيقي من أحلام اليقظة، ما ينتظرنا ليس بطولة... بل حقل يجب أن يُحرث."
لكن نياما، وببراءتها التي لم تنطفئ رغم ما عانته، ابتسمت ابتسامة صافية ونظرت نحو سيرشا بعينين مشعتين
"معرفة أن هناك من يعرف الطريق... يجعل كل شيء أقل خوفًا. وجود خبيرة مثلكِ يبعث على الاطمئنان."
ضحكت سيرشا، ضحكة قصيرة ناعمة فيها شيء من الامتنان، ثم نظرت إليها وقالت بنبرة دافئة
"وأنتِ لا تخيبين أملي أبدًا، نياما."
ثم وقفت، نفضت الغبار عن ملابسها المهترئة، وحدّقت في الأفق مرة أخرى…
"لنعد...للعمل"
**
انقضى النهار بثقله المعتاد، مرّ كأنه عقوبة معلّقة بين الشمس والتعب. وما إن توارت الشمس خلف الأفق، حتى غطى الليل المكان بردائه الثقيل، وبثّ في الأنفس شعورًا خافتًا بالهدوء... خادعًا كالسلام المؤقت قبل العاصفة.
في سكون ذلك الليل، تسللت خطوات خفيفة خارج إسطبل الأحصنة. كانت نياما تمضي ببطء، حاملةً دلواً صغيرًا في يدها. نظرت حولها بحذر، ثم توجهت نحو البئر في زاوية المعسكر، تجرّ الحبل المربوط بالدلو بخفة، تحاول كتم أنفاسها كأنها تخشى أن تخونها وتشي بوجودها.
علّقت الدلو وبدأت تسحبه، تنصت لصوت الماء يُكسر داخل الجوف العميق للبئر... لكن صوتًا آخر شقّ السكون فجأة
"هل اسمكِ نياما فعلًا؟أم انها كذبة اخرى؟"
شهقت، واستدارت بسرعة. خلفها، وقف ثلاثة رجال. لم تكن وجوههم مألوفة كليًا، لكنها تعرف نوعهم... العبيد المقرّبون من السادة، أولئك الذين اكتسبوا شيئًا من القوة بسلب غيرهم، فباتوا أسوأ من أسيادهم أنفسهم.
تجاهلت سؤالهم، أمسكت بالدلو محاوِلة الرحيل بصمت. لكن يدًا غليظة قبضت على كتفها وأوقفتها.
"أعلم أنكِ تسمعينني جيدًا. تعالي معنا بهدوء، أو نقسم بأننا سنجعلكِ تتمنين الموت."
ارتجف جسدها النحيل كغصن في مهبّ ريحٍ شديدة. ترددت، ثم أفرغت يدها من الدلو، وسارت معهم بصمتٍ ثقيل، كأنها تقود نفسها إلى حتفها.
قادوها إلى إسطبل فارغ، تملأه رائحة القش الرطب والخيبة. تقدّم أحدهم، عينيه تضيقان كأفعى على وشك الانقضاض
"تدّعين الفهم، تتصرّفين كقائدة، كأنكِ تعرفين كل شيء... لكنكِ مثلنا تمامًا، عبدة. عبدة مُهانة."
تمتمت بشفتيها المرتعشتين، بالكاد خرج صوتها
"ما الذي... تريدونه مني؟"
ردّ من يقف في الظل، مكتّفًا ذراعيه وكأنه يحاكمها
"ثلاثة رجال، وفتاة وحيدة في منتصف الليل... ألن يكون واضحًا ما نريده؟ كوني ذكية، نياما."
تراجعت خطوة، شفتاها ترتجفان كمن يحاول التنفس تحت الماء
ارتجفت عينا نياما، ارتعاشًا لا يُشبه البكاء، بل يشبه لحظة انهيار جدارٍ داخلي حاولت أن تبقيه صامدًا. تمتمت بذعرٍ مبحوح، بالكاد خرج صوتها من بين شفتيها المرتجفتين
"ل... لا... أرجوكم، دعوني أذهب."
اقترب منها أحد الرجال، ملامحه مظلمة كأن الليل يحيا في عينيه، أمسك بمعصمها بعنف، وصوته المنخفض يحمل وعيدًا أكثر رعبًا من الصراخ
"ستجعلين الأمور سهلة إن بقيتِ هادئة... لا تصدري أي صوت، وسنعتبر أننا رأيناكِ فقط... لا أكثر."
لكن قبل أن تذعن، قبل أن تخضع لما هو آتٍ، دوّى صوتٌ في الإسطبل المهجور، حادًا كالسيف، غاضبًا كأنه خرج من قلبٍ يُحترق
"ابتعدوا عنها!"
وقف الجميع. التفتوا نحو الباب.
سيرشا.
كانت تقف هناك، أنفاسها سريعة، عيناها تشتعلان بشيء لم يُرَ فيها من قبل...عنادٌ غاضب، وقوةٌ يائسة، كأنها تحارب لا لأجل نياما، بل لأجل ما تبقى من إنسانيتها.
تأفف أحد الرجال وهو يدير رأسه باستهزاء
"وها قد جاءت حمقاء أخرى..."
تقدّمت سيرشا بخطوات مترددة لكنها صادقة، صوتها يهتز، يتوسل، يصرخ من الداخل
"رجائًا،لا تؤذوها!!جميعنا عبيد!إن لم نحمل بعضنا من سيفعل؟!دعونا نعِش و لا نموت بأيدي بعض_"
قاطعها الآخر بصوتٍ ملغوم
"سأمسككِ أنتِ الأخرى، ولن تخرجي من هنا."
تجمدت سيرشا.لا مجال للنقاش او التوسل كما اعتادت.
و لأول مرة
تلك التي لم تعتد أن تتحرك دون أمر، تحركت.
ركضت.
اندفعت نحو نياما، أمسكت بكفّها المرتجفة، ونظرت في عينيها بوميضٍ لم يكن موجودًا من قبل ، رجاءٌ صادق، عزيمةٌ تنبض في نظراتها، وصاحت
"اركضي! لنهرب من هنا... معًا!"
لكن اللحظة خانتها.
جسدها سُحب للخلف بعنف.
لم تكن يد عدوّ.
كانت يد..
نياما.
سقطت سيرشا على الأرض، ذاهلة، تتنفس بصعوبة، تتشبث بالتراب كأنها تحاول أن تستعيد توازنها... لكنها لم تفهم.
بصمتٍ لا يحمل أي ندم، استدارت نياما وركضت. استغلت لحظة انشغال الرجال. ابتعدت. اختفت كأنها لم تكن.
لم تلتفت. لم تنظر. لم تتردد.
وكأن سيرشا لم تكن سوى شبح في ماضٍ لا يهم.
بقيت سيرشا وحيدة. عيناها شاخصتان، كأن روحها سُحبت، وكأن حتى الصدمة لم تجد لها مأوى. لم تصرخ. لم تسأل. لم تبكِ. كانت خاوية.
تعالت ضحكات الرجال من حولها، تهزّ جدران المكان البارد. قال أحدهم وهو يضحك باستهزاء
"هكذا إذا... انتهى مشهدكِ البطولي بنهايةٍ سخيفة!"
مدّ الآخر يده، قبض على ذراعها بقسوة، وصوته يزمجر
"وها نحن الآن... نملك ضحية واحدة فقط."
*
كنتُ هناك…
منذ البداية.
لم يرَني أحد.
لم يسمعوا أنفاسي، ولا شاهدوا ظلي.
لكنني كنت حاضرًا… أراقب. أتذكّر.
أحمل وجوههم معي حتى اليوم.
كل شيء حدث… بقي محفورًا في رأسي، كما تنحت السلاسل الجلد.
سأحكي.
ليس لأن أحدًا طلب مني ذلك… بل لأن الطين تكلم.
وأنا....
كنت أول من فهم لغته.
لن اكون مشاهدًا بعد اليوم.
كنت أزحف بين الظلال.
أجرّ ساقي المصابة كأنها جذع ميّت، لكنني لم أكن أشعر بالألم.
ليس لأن قدمي شُفيت، بل لأن شيئًا آخر أقوى كان يشتعل بداخلي…
شيء يشبه النار، لكنه ليس نارًا.
غضب....؟
لا.
شيء أعمق.
شيء اسمه الرفض.
رفض أن أبقى عبدًا... أن أكون جمادًا في يد من لا يراني إلا أداة.
لم أكن أنوي التدخّل. كنت فقط أبحث عن ماء، عن زاوية أنام فيها دون أن أُركل.
لكنني سمعتها.
شهقة أنثى... ثم صمت.
الصمت... أخطر من الصراخ.
زحفت أكثر، رأيتهم.
ثلاثة رجال... رجال من جلدتنا، لكنهُم باعوا أرواحهم للسادة، يتكلمون بلهجتهم، ينظرون للعبيد من فوق.
رأيتهم يحيطون بها ككلابٍ جائعة حول فريسة.
وكانت هي...
مجرد كتلة صامتة من الألم.
لم تصرخ. لم تتحرك.
كأنها ولدت بهذه الوضعية، مستسلمة للغضب، خاضعة للذل.
أحدهم شدّ شعرها بقسوة.
رأيت وجهها يُجبر على الارتفاع، وعينيها ترتجفان دون دمعة.
كأنها ترفض البكاء… لأنه ترف لا تملكه.
تقدّمت.
أمسكت بصديقهم الثالث من الخلف بغته،و غرست قبضتي في وجهه مرارًا و مرارًا.
لم أفكّر.
لم أُخطط.
صرختُ كأن الصوت كان محبوسًا في قفصي الصدري منذ سنوات.
"إن لم تُفلِتوا يدكم عنها، سأقتلكم كما قتلت صديقكم الثالث."
كلمات خرجت من حلقي، لكنها لم تكن كلامًا... كانت نبوءة.
رأيتهم يتجمّدون.
رأيت الدهشة في أعينهم وهم يرون جثة صديقهم تتدلّى على كتفي.
كنت أحمله بذراعٍ واحدة، والدم يقطر من رأسه على الرمال.
ألقَيتُه أرضًا، ثم تقدّمت إليها.
لم أقل لها إلا جملة واحدة
"انهضي."
رفعت رأسي نحوهم مجددًا، ناظرت وجوههم، صرخت
"ما بكم؟! هل أنتم رجال فقط حين تكون ضحيتكم أنثى؟! تعالوا إليّ! قاتلوني إن كنتم تملكون الشجاعة!!"
كنت أرتجف، نعم، وكنت أعلم أنني قد أموت، لكن...
منذ متى كان الموت أسوأ من الذلّ؟
وفجأة، الصوت الذي لم أرد سماعه، أتى
"ما الذي يحدث هنا؟"
التفتّ…
سيد.
وجه عجوز متغضّن، يحمله الزمن كما نحمل نحن السلاسل.
خلفه جنود...
مشاعل...
وسوط طويل يتدلّى على خاصرته كحية نائمة.
الفتاة ارتعشت،لكنني..
ثبتُّ.
عقلي كان يعمل بسرعة.
الحل الوحيد..
أني أكذب.
أن أضع نفسي كدرع أمامها...فقط كي تفهم...أننا خلقنا للمقاومة
قلتُ دون تردد
"سيدي، أنا من افتعل الشجار. هؤلاء... كانوا يدافعون عن أنفسهم. والفتاة... كانت تحاول فقط تهدئتنا."
رأيت الذهول في وجهها.
كان يمكنني أن أتركها.
لكني لم أفعل.
لأنني لم أكن أحارب من أجلها فقط... بل من أجل ذلك الصبي الذي كنته.
الصبي الذي لم يدافع عنه أحد.
الذي رُكل، وذُلّ، وبكى… ولم يتدخل أحد.
صرخ السيد
"ستنال جزاءك، أيها العبد!"
ورأيت الجنود يتقدّمون نحوي.
لم أقاوم.
لم أتوسّل.
تركتهم يسحبونني.
كنت أعرج، وظهري يؤلمني..بالكاد أقف.
لكنّ عينيّ ظلّتا مرفوعتين.
قبل أن أُسحب خارج الإسطبل، التفتّ إليها بطرف عيني.
كانت تنظر إليّ، كأنها لا تفهم.
كأنها لا تصدق.
كأنها لم يسبق أن رأَت إنسانًا يقف لأجلها.
لكنني لم أكن بطلًا.
كنت فقط… عبدًا قرر أن يكسر السلسلة.