الفصل 4
اشراقة جديدة
٧٦...
٧٧...
٧٨...
كنت أعد الجلدات كمن يتمسك بعقارب ساعة تنزف، كل ضربة تُنزِل منِّي قشرة من الإنسان الذي كنت عليه.
ألم يكن حكمي ثمانين جلدة؟
لماذا تبدو وكأنها ثمانمئة؟
أين تكمن النهاية؟
جسدي لم يعد جسدًا، بل قطعة لحمٍ ترتجف، تتوسل لنسمة دافئة في هذا الإسطبل المغمور برائحة التبن والعفن... رائحة طغت حتى على الدم.
ها هي قادمة...
...الضربة التاسعة والسبعون.
أقسم أنها مزقت شيئًا أعمق من جلدي.
...ثمانون.
توقف الرجل أخيرًا.
أبعد سوطه الغليظ كمن يملّ لعبة، واستدار نحو الباب دون أن يرمقني بنظرة.
خنزير بملامح بشر.
هل يرحم من اعتاد التنكيل؟
أي قلبٍ يضرب إنسانًا كما لو كان جلد شاة؟
كل العيون التي نظرت إليّ بعدها لم تكن سوى مرآة لاحتقارٍ مبهم..بعضهم كره، بعضهم شفقة، وآخرون غضب مكتوم.
لكن لم ألمس في أي منها شيئًا يشبه الرحمة.
مضى وقت طويل...
ربما ساعات، أو دهور...
كنت مستلقيًا بصمت، الحبال التي قيدت يدي بدأت تشق الجلد وتبلل الأطراف بالدم، حين سُمع صوت خافت عند الباب.
لم يُفتح بالكامل.
كأن أحدهم يتسلل.
ثم لمحتها... تلك الفتاة.
نفس الفتاة التي خانها من وثقت بهم.
دخلت بخطوات حذرة تحمل في يدها منشفة نظيفة، وكأنها قطعة نور وسط قذارة هذا المكان.
اقتربت حتى انخفضت لمستواي، وعيناها ترتعشان من هول ما رأت.
لم اقدر على مواجهتها...كأن منظري هذا عار لهويتي
همست بصوت مرتجف
"ه...هل أنت بخير؟"
ضحكتُ، أو هكذا ظننت.
ضحكة خرجت مشوهة، مشوبة بمرارة
"ساقي مكسورة، جسدي كله جروح، ولم أتناول لقمة منذ يومين... أظن أنني بأفضل حالاتي."
عقدت حاجبيها بامتعاض وكأن سخريتي أزعجتها، لكنها لم تتراجع.
أخرجت عصيًا خشبية قصيرة من ثوبها، فتأملتُها بريبة
"ما هذا؟ هل ستجلدينني أنتِ أيضًا؟"
ردت بتذمر وهي تحني رأسها
"ما أثقل دمك..."
جلست بجانبي، وضعت المنشفة قربها، ثم أمسكت بساقي برفق بادئ الأمر، ثم نظرت إليّ بهدوء جعلني أتوجس أكثر.
"أظن أن هذا سَيؤلمك قليلاً... أرجوك، لا تصرخ."
فتحت فمي لأرد، لكن...
فجأة، حشرت المنشفة في فمي بقوة!
لم تمنحني فرصة للرفض أو التفاهم.
وبكل جرأة، أمسكت بقدمي المكسورة...
ثم حركتها!
حركتها بقوة جعلت كل كياني يشتعل بالألم.
كأن روحي خرجت من صدري ثم ارتطمت بسقف الإسطبل.
حبست صرخة كانت قادرة على تمزيق الهواء.
كانت لحظة تشبه الموت.
وحين نزعت المنشفة، سألتها بصوت مذهول
"ما الذي فعلتِه بي؟!"
ردت بثقة وهي تشرع بلف العصي حول ساقي
"أعدت عظمك لمكانه. كان مكسورًا، سيثبت بهذه الطريقة... ستتمكن من المشي مجددًا."
تأملتها بصمت...
وجهها لم يكن مميزًا، ملامحها عادية،كأنني رأيت اشباهها الأربعين أجمع.
لكن عينيها...
عيناها لم تكونا عاديتين.
كان فيهما بريق قديم... شيء يشبه الطمأنينة، يشبه ما كنت قد نسيته.
همستُ، بصوت بالكاد خرج
"هل... هل آذوكِ بعد أن رحلت؟"
هزت رأسها نفيًا، ثم ابتسمت وهي تقول
"فرّوا. ظنوا أن السيد سيقتلهم إن بقوا."
ارتحت... ولو قليلاً.
"جيد..."
تمتمت.
نهضت ببطء، ومسحت يديها بثوبها، ثم قالت بجدية فيها شيء من العطف
"لقد عالجتك... لا تتورط مجددًا، تبدو متهورًا أكثر مما ينبغي."
ثم ابتعدت، وعند الباب، التفتت إليّ مرة أخيرة...
ابتسمت بخفة، وقالت
"شكرًا... لأنك أنقذتني."
ثم اختفت...
كأن الأرض ابتلعتها، أو لعلها فقط ذهبت إلى ذاك الذي يرافقها دائمًا.
لكنّ صمتها تلك الليلة ظلّ يطاردني، ينهش قلبي بأسنان الشك.
**
في صباح اليوم التالي، ومع أولى لدغات الشمس على قدميّ الحافيتين، فُكّ وثاقي. خرجت إلى العمل بخطى مثقلة، وكأن شيئًا ما ينتظرني هناك...
أو أحدًا.
وحين رأيتها، كان الأمر أشبه برؤية النور بعد دهليز طويل.
كانت تعمل، بذات الوتيرة، بنفس الهدوء.
وحيدة، لكن واقفة. مكسورة، لكن منتصبة القامة، وكأن خذلان البارحة لم يكن سوى حلم.
أما التي تركتها، فكانت قريبة... ملامحها مشدودة بالخزي، يدها ترتجف وهي تحصد.
وعند الغداء، حملت "هي" وعاءها، وبينما تسير، ظهر ذاك الشاب، الشبح المألوف الذي اعتدت رؤيته بجانبها دومًا.
سمعته بوضوح، صوته خالطته نبرة قلق خفية
"سيرشا؟! أين كنتِ؟ اختفيتِ يومين، لقد بحثت عنك في كل مكان!"
ابتسمت، بتلك الابتسامة التي تُخفي أكثر مما تُفصح، وأجابت بصوت ساكن
"لا شيء... كنت أستكشف المكان فقط."
كاذبة.
لكن... لسببٍ ما، صرت أحب الكاذبين، ربما لأنهم يشبهونني.
تقدّمت منها بهدوء، حتى أصبحت خلفها. ثم، ودون تردّد، مددت ذراعي وأحطت بها كتفها، كأنني أستردّ شيئًا كان لي.
همست ضاحكًا
"ومن يستكشف مكانًا لمدة يومين يا ساريا؟"
شهقت، اتسعت عيناها، وتجمّد وجهها بين الذهول والتوتر
"أ-أنت؟! من أين ظهرت؟!"
التفت الشاب إليّ، صوته غاضب، حاجباه معقودان كأنني لصّ اقتحم حصنه
"من تكون بحق الجحيم؟! أبعد يدك عنها!"
ضحكت، سخرية ثقيلة خرجت من بين أسناني كطعنة
"تبعدني؟ تخاف عليها هكذا؟ إذًا كان عليك أن تنتبه أكثر، فقد كادت عشيقتك تتعرض للاعتداء من ثلاثة رجال... وأنت كنت نائمًا في فراشك الدافئ!"
تجمّد وجهه، صدمته كانت حقيقية، نطقت بها عيناه قبل فمه
"ماذا؟! سيرشا؟!! كيف؟!"
لكنها قطعت انفعاله بصوت متوتر، محاولة لملمة الموقف
"لا تقلق! لم يكن شيئًا مهمًا... لقد انتهى الأمر."
سحبتها من ذراعها برفق. نظرت إليه لثوانٍ صامتة ثم قالت
"أحتاج أن أتحدث معه... على انفراد. مجرد سؤال."
تركنا خلفه، تتبعه نظراته الحائرة.
وأنا... أنا أعيش على تلك النظرات، تُشعرني أنني أملك اليد العليا، ولو للحظة.
وقفنا خلف بيت رخامي لأحد السادة، الرخام بارد، لامس وجهي كصفعة.
تكفّفت ذراعيها، نظراتها تحاصرني بالأسئلة قبل أن تتكلم
"من أين تظهر دائمًا؟! وكيف تعرف اسمي؟! ولماذا أخبرت جوستاف بما حدث؟!"
ابتسمت، وهززت رأسي
"ثلاثة أسئلة دفعة واحدة."
صرخت بنفاد صبر
"أجبني!"
أشحت بنظري، وتمتمت وكأنني أكشف سرًا صغيرًا لطفل عنيد
"إذًا ذو الأنف الطويل اسمه جوستاف... عشيقكِ لا يعجبني. أنصحكِ بتبديله."
ارتفعت حرارتها دفعة واحدة، صاحت
"جوستاف ليس عشيقي! إنه فقط صديق طفولتي! وليس... قبيحًا!"
رفعت حاجبيّ بدهشة متعمّدة، وغمغمت
"أها... حب من طرف واحد إذًا؟ أتحبينه؟"
تورد وجهها، وصوتها خرج مشوشًا بين الغضب والارتباك
"ما شأنك!؟ توقف عن طرح الأسئلة الشخصية!"
ابتسمت بمكر
"حسنًا... أيتها المخذولة."
لكنها قاطعتني، بدأت فمها بالكلام قبل أن تكتمل جملتي
"ألم تقل اسمي قبل قليل؟ كيف—"
اقتربت منها أكثر، خفضت صوتي، وغمزت لها
"اسمي نوح."
تجمدت للحظة، عقدت حاجبيها، ثم دفعت وجهي جانبًا كمن يريد أن يهرب من عدوى، وهمست
"يا لك من غريب أطوار حقيقي... لا تتصرف كالعبيد."
تأملتها بصمت لحظة، ثم سألتها بتعجّب حقيقي، لكن دون أن أخفي سخريتي
"وهل العبيد، برأيكِ، لا يملكون لسانًا؟ أم أن ما يزعجكِ هو اعتراضي؟ صراحتي؟ جرأتي؟"
نظرت إليّ، عيناها تضيقان وكأنها تزن كلماتي.
تمتمت، بنبرة مريرة
"ظهروك من العدم وحده هو الإزعاج بعينه."
أومأت برأسي، وابتسامة غامضة تعلو وجهي
"ربما... أو لعلي فقط أستمتع بإغاظتكِ."
"ما أنت؟!"
قالتها فجأة، وكأن السؤال انفلت من بين شفتيها رغماً عنها.
أجبت دون تردد، نبرة صوتي صافية، لكن بها مسحة سخرية
"إنسان... مثلكِ تمامًا، يا ساريا."
لكنها لم تكن في مزاج للّعب. صاحت
"توقف عن إغاظتي! لم تخبرني بعد... كيف عرفت اسمي و انت تخطأ لفظه في كل مرة؟!"
تنهدت، ورفعت بصري نحو السماء الرمادية، كأنني أستدعي الذاكرة
"ذاك القبيح... ناداكِ به. جوستاف، أليس كذلك؟ في الحقيقة... أظنني نسيته الآن. اسمكِ ليس سهل اللفظ، يلتف على لساني كحبل."
رمقتها بطرف عيني، فرأيت الغضب يتسلل مجددًا إلى ملامحها.
"ولِمَ أخبرته بما حدث؟!"
قالتها، وكأنها تطعنني، لا تسألني.
في صوتها مرارة لا تنتمي لعينيها، توترٌ لا تقدر على إخفائه، وكأنها تخاف أن تُرى وهي ضعيفة.
نظرت إليها...
رأيت الفتاة التي لا تزال تُجبر نفسها على الصمود، التي تربط جراحها بالخيوط التي مزّقها الآخرون.
ورأيتني فيها.
بنبرة أقل من همسة، لكن أكثر من صرخة، أجبتها
"لأنكِ لا تستحقين الصمت."
تقدّمت خطوة، كأنني أقترب من هاوية أريد أن أقفز منها معها.
"لأن ما حدث لم يكن خطأكِ، بل خطيئتهم.لأنهم تعرّضوا لكِ، لا يعني أن عليكِ أن تتعاملي مع نفسك كأنكِ المذنبة."
نظرت إلي، وعيناها تهتزّان، كأن فيهما سؤالاً لم تجرؤ على لفظه.
أكملت، بصوتٍ أجش، كأنني أكشف عن سرّ دُفن داخلي لسنوات
"لا تسكتي عن حقكِ، سيرشا. لا تتركي الظلم يعيش داخلكِ كجدار، يسجنكِ من الداخل.دعيهم يعرفون. كلّهم. ليعرفوا أن الصمت ليس ضعفًا، بل سُمٌّ، وأنكِ لم تعودي مستعدة لتشربيه بعد الآن."
سكتت.
لثوانٍ، بدا الزمن وكأنه نسي أن يتحرك.
تجمّدت في مكانها، ووجهها...
وجهها كان ساحة معركة، تتقاتل فيه تعابير كثيرة
الذهول، الغضب، الإنكار، شيء يشبه الألم، وشيء آخر لم تسمح له بالظهور.
شفتاها ارتجفتا، لكنها لم تقل شيئًا.
يدها تكتّفت أكثر حول ذراعيها، كأنها تحاول أن تحمي شيئًا في صدرها من الانكشاف.
ثم نظرت إليّ... لا، حدّقت فيّ.
نظرة طويلة، كأنها ترى فيّ شيئًا لم تكن تريد أن تراه، شيئًا خطرًا... مألوفًا جدًا.
همست أخيرًا، وصوتها خرج أضعف مما أرادت، كأنه انكسر في منتصف الطريق
"تظن نفسك تعرفني؟... لا أحد يعرفني. حتى أنا لا أعرف من أكون بعد الآن."
أخفضت عينيها للحظة، وابتلعت ريقها بصعوبة.
كانت تريد أن تغضب، أن تصرخ، أن تدفعني، أن تضحك ساخرة حتى، لكنها لم تفعل أيًا من ذلك.
قالت، بصوت خافت يكاد يُسمع
"أنا لست قوية كما تظن. أنا فقط... أُجيد التظاهر."
رفعت عينيها نحوي مجددًا، وهذه المرة كان فيهما صدق مؤلم، صدق لا يُقال عادةً
"لو كنتُ أملك ما يكفي من الشجاعة، لصفعت أول من حاول إيذائي.لكنني لم أفعل.لا يسمح لي بفعل تلك الأشياء"
ثم ضحكت، ضحكة صغيرة، قصيرة، كأنها تسخر من نفسها
"دعيهم يعلمون؟ من أنا حتى يهتم أحد بما حدث لي؟ مجرد فتاة في قطيع كبير... صمتها لا يُحدث فرقًا، وصوتها لن يُسمع."
تقدّمت خطوة صغيرة نحوي، لكنها لم ترفع عينيها.
وهمست، هذه المرة بصوت خجول، هشّ
"لكن... شكرًا. لأنك لم تتجاهل ما حصل. لأنك لم ترَ ضعفي شيئًا يجب أن يُخبّأ."
ثم استدارت، دون أن تنتظر ردّي.
مشَت بخطى بطيئة، لكن كل خطوة منها كانت كأنها تُعيد بناء نفسها من جديد...
ولو بشظايا.
وقفت هناك، أراقبها تمشي بعيدًا، كتفيها مثقلان، لكن ظهرها مستقيم كمن يحاول ألّا يسقط.
كانت تُخفي كل شيء خلف صمتها... حتى وهي تهرب.
لكنني لم أسمح لها أن تُنهي المشهد بهذه الطريقة.
رفعت صوتي، بصوتٍ نصفه لعب، ونصفه... عتب حنون
"هيه! سارشيا!"
توقفت.
لم تلتفت، لكن كتفيها ارتفعا قليلًا، كأنها تفاجأت.
ضحكت بخفة، وقلت بتهكّم واضح
"أو أيًا يكن... اسمكِ هذا، كل مرة يهرب مني."
ثم أضفت، وأنا أضع يديّ في جيبيّ
"على كل حال... اسمكِ لا يهم بقدر صراحتكِ. لكن لو كنتِ أقل عنادًا... كان أسهل عليّ حِفظه."
انتظرت، ظننت أنها سترد بشيء لاذع. لكنها لم تقل شيئًا.
كل ما فعلته هو أنها أدارت رأسها قليلًا... قليلًا جدًا.
نظرت لي من فوق كتفها، بنظرة حادة، ثم تمتمت
"اسمي سيرشا... يا غبي."
وابتسمت.
ابتسامة صغيرة، سريعة، لكنها حقيقية.
ثم مضت.
تركتني واقفًا، وقلبي... يضحك مثل فمي تمامًا.
هل كانت تبتسم؟ أم أنها فقط... نسيت أن تحزن للحظة؟
يبدو أنني وجدت شيئًا ينسيني مأساة العمل!