الفصل 5
غفرانٌ متأخر
مرَّ أسبوعٌ بأكمله.
وأعترف.....لم أتركها لحظة واحدة.
أتبعها من بعيد، لا لشيء، فقط لأطمئن أن هذه الابتسامة التي عادت إلى وجهي... لم تكن حلمًا.
تحسنت ساقي كثيرًا... ربما بسببها، أو ربما لأن روحي بدأت تُشفى قبل جسدي.
تلك الفتاة... تُشعرني بالحياة.
تُمتعني.
ما كان اسمها؟ سمارا؟ ساريا؟...
اليوم رأيتها تقف عند طرف الحقل، أنهت حفر قسمها مبكرًا كما تفعل دومًا، تقف مستقيمة وكأنها لا تنتمي إلى هذا الطين.
وبجانبها... جوستاف.
قبيح الوجه، ضيق النظرات، لكنه لا يفارقها.
اقتربت منها، بخفةٍ أعرفها جيدًا... لكن للأسف، هذه المرة رأتني.
تبًا، كنت أريد مفاجأتها.
ابتسمت وأنا أحييها بصوت خافت، كمن يمشي على أطراف قلبه.
"كيف حالكِ يا لارسا؟"
رفعت حاجبها، ونفخت بتذمرها المعتاد.
"كم مرة نطقت اسمي خطأً؟! أظنه ليس بتلك الصعوبة!"
قهقهتُ بصوتٍ عالٍ، ونثرت شعرها بيدي كطفلٍ مشاغب.
"آسف... سأحاول حفظه، أعدك."
ثم التقت عيناي بعيني جوستاف.
نظراته هذه المرة... لم تكن كالسابق.
أقلّ حدّة، أقلّ غيظًا. ربما كان يحاول أن يكون أقل عدوانية... أو لعلّه شعر بشيء.
وهنا تذكّرت سبب قدومي.
أشرت إليه... إلى صديقي الجديد.
لكن، لم يكن صديقًا عاديًا.
ظهر من بين صفوف المحراث، بشعره الأشقر الفاتح، بشرته الحليبية النقية، وملامح تحمل شيئًا من هيبةٍ لا تُشترى.
عينيه الفضيتان لم تبرقا بالضعف... بل بهدوءِ من لا يخاف.
لو لم تكن ملابسه رثة... لما صدّقت أنه عبد مثلنا.
اقترب، وضع محراثه جانبًا، وابتسم.
ابتسامة صافية لا تشبه القسوة التي اعتدناها هنا.
حيّاها بهدوء، وأنا بادرت بالتقديم
"هذا مانسا. تعرفتُ عليه منذ أيام قليلة، ووجدت أنه من ينظّم شؤون العبيد هنا. هو عبدٌ مثلنا، لكن... له مكانة، السادة يثقون به."
هزّ رأسه بنفيٍ متواضع، ولوّح بيده.
"لا مكانة ولا شيء من هذا القبيل... كل ما في الأمر أنهم يعرفونني منذ زمن."
وختم كلماته بابتسامة هادئة.
سيرشا لوّحت له بدورها، بابتسامة حذرة، وقالت
"اسمي سيرشا، سررت بمعرفتك... لكن، هل لي بسؤال؟"
رفع حاجبيه بتعجب خفيف، فأردفت فورًا
"ما سرّ بشرتك؟"
كتمت ضحكتي بصعوبة، بينما أجاب هو بصوته الهادئ كنسيم فجرٍ لا يوقظ أحدًا
"نسبي مختلط، على الأغلب. لطالما تعرّضت للانتقاد بسبب لون بشرتي."
ابتسمت له وهي تقول
"هذا ما يجعلك مميزًا."
رأيت وجه جوستاف يتبدل، حاجباه ينعقدان، وملامحه تزداد انقباضًا.
تقدّم بخطوات سريعة، وقال بلهجة جافة
"هيا، يجب أن نذهب إلى الساحة الرئيسية."
اقتربتُ من سيرشا وهمست
"ياله من غيور..."
رأيت وجهها يتغير، ملامحها الحيادية تهتز للحظة...
شيء من الانزعاج سكن عينيها، لكنها لم تنطق بشيء.
وأنا..
أحب هذا الوجه حين يتغيّر...
في الساحة الرئيسية،كان الهدوء على وشك أن يتكسر...
ثم فجأة، شدّ مسامعي صوتٌ... لا يشبه أي صراخٍ سمعته من قبل.
كان نحيبًا، لكنه ليس من امرأةٍ فقدت، بل من قلبٍ صغير يُنتزع من صدر الحياة.
طفلٌ يُسحب من بين يدي أمه.
لكنها... لم تتمسك به.
كأنّ يديها لم تعد تعرف معنى القبض، أو أن أمومتها تخلّت عنها فجأة.
الذي تمسك... كان هو.
يداه الصغيرتان تعلقتا بثوبها كمن يتمسك بآخر خيط للنجاة.
عيناه تصرخان لا تتركيني!
وصوته...
صوته مزّق السكون، مزّق السماء، مزّق شيئًا بداخلي.
رأيت الرجل البليد، بلا ملامح، يسحبه قسرًا.
وأخذ الطفل يُجرّ فوق التراب كدميةٍ فقدت حقها في البكاء.
خارج المعسكر...
خارج حضن العالم.
أما هي...
فلم تصرخ. لم تبكِ. لم تتحرك.
وقفت كتمثال مكسور، وجهها مغطى بغبار الذنب،
أو ربما بالخزي.
من حولها، بدأت الهمسات تهمي كنصلٍ بارد
"كيف لامرأةٍ أن تبيع ابنها؟!"
"يا لقسوتها!"
"حتى الطفل لم يتخلَ عنها...!"
شعرت بدمي يغلي،كأنّ المشهد أعادني لما لا أريد تذكره.
كأنني أنا من سُحبتُ حينها من حضن أمي، دون أن تلتفت.
كأنني أنا من كان يصرخ... ولم يسمعه أحد.
طفلٌ من دمها، من جسدها...
كيف تفعل هذا؟!
بين الجموع، تقدّم مانسا بخطى ثابتة، لوّح بيده، وصاح
"ما خطبكم جميعًا؟ لا شيء يستحق التجمهر! عودوا لأعمالكم فورًا!"
وانسحبت الجموع، كما تنسحب النملات عند اقتراب الظل.
لكن الغصة... بقيت.
تمتم جوستاف، وفي نبرته ما يشبه الاشمئزاز
"ما بالها؟! كيف رضيت بهذه السهولة؟!"
نظرت إليه، ووافقت لأول مرة
"أجل... لأول مرة أرى امرأةً تتخلى عن قلبها بهذه البرودة."
لكن سيرشا...
كانت تحدّق في المرأة بصمت.
عيناها تلمعان، بشيء لا يشبه البكاء.
شيء معقّد... كأنها ترى فيها مرآةً مشروخة.
أكان ذلك كرهًا؟شفقة؟حزنًا؟أم غضبًا مكبوتًا؟
وأخيرًا، نطقت بصوت بالكاد يُسمع، كأن الريح هي من تكلمت
"لا بد أنها... تملك سببًا مقنعًا."
رمقتها بدهشة، والغضب يشتعل في صدري كنارٍ شبّت فجأة
"سبب؟!أيّ سببٍ في هذا الكون يبرر التخلي عن ابنك الوحيد؟!"
لم ترد.
بل نظرت إلي بطرف عينها، بنظرة هادئة... تكتم صوتي أكثر مما يفعل الصمت.
ثم همست
"نحن لا نعلم شيئًا... لا أحد يعلم، سواها."
تقدمت خطوة، وقلت بعناد
"أنتِ تدافعين عنها؟!"
ردّت بهدوء غريب
"لِمَ لا؟من نحن لنحكم؟ما أدرانا بحجم الظلال التي تسكن قلبها؟"
لوّح مانسا بيده كمن يحاول إخماد نارٍ على وشك الاشتعال
"رجاءً... اخفضا صوتيكما، أنتما الإثنان."
ثم قال جوستاف، بصوتٍ خافت لكنه واثق
"فلنسألها، فقط..."
تبادلنا النظرات.
كان جادًا، ولأول مرة... لم يعارضه أحد.
اقترب مانسا، وهمس بنبرة متآمرة
"ليكن هذا ليلًا... سنتسلل إليها حين يغفو السادة. لا أحد يجب أن يرانا."
سيرشا...
يا لهذا القلب النقي،الذي يبرّر حتى قسوة الكون،و يبحث عن الرحمة في أكثر اللحظات قبحًا.
أما أنا...
فكنت على استعدادٍ كامل أن أريها وجه هذا العالم الحقيقي...
وجهه الذي لا يبتسم، ولا يرحم، ولا ينتظر أحدًا.
فقط... كي تتغير.كي تغدوّ اقوى..
**
كان الليل قد أسدل عباءته على المعسكر،
واختنق العبيد في سباتهم الثقيل، أنفاسهم متقطعة من تعب النهار،كأن السماء قد شدت أنشوطةً حول أعناقهم، فناموا لا حراك.
أما نحن...
أربعة ظلالٍ حافية،تسللنا فوق التراب الذي لم يبرد بعد،
كل خطوةٍ كأنها تمسّ جرحًا قديمًا،كأننا نسير لا لنصل، بل لنفهم...
بحثنا عنها.
عن تلك المرأة التي أثارت فينا عاصفة من الأسئلة والغضب والشفقة.
ووجدناها أخيرًا...
وحيدة، جالسة عند حافة البئر، ظهرها للمعسكر،
وجهها مرفوع نحو السماء كمن يسألها عن شيء ضاع ولن يعود.
وعيناها...
عيناها بدتا وكأن شيئًا ما انتُزع منهما، شيئًا لم يخلّف إلا فراغًا خامدًا.
تقدمت سيرشا أولًا، كما تفعل دائمًا، دون خوفٍ أو تردد.
وتبعتها، وجلست بجانب المرأة بصمت.
رفعت تلك الأخيرة نظرتها إلينا، وبدا على ملامحها تساؤلٌ ثقيل، شاحب، متعب.
وضعت يدها على جبهتها كمن ضاق صدره، وتذمرت بصوت مبحوح
"إن كنتم جئتم لتهاجموني أنتم أيضًا... فرجاءً، ارحلوا. لقد تعبت من كلمات الناس."
همستُ، والغضب يخنق نبرتي
"أنتِ... تستحقين كل انتقا—"
لكن سيرشا قاطعتني، بهدوءٍ حاسم.
اقتربت منها، ومدّت يدها،أمسكت بكف المرأة بلينٍ لا يشبه أي لين رأيته قبلًا،
وقالت بنبرةٍ مشبعة بالحزن
"لم نأتِ لنُدينكِ، بل لنفهمكِ... لنسمع السبب، إن أردتِ أن تروي."
بدت المرأة مرتبكة، عيناها اتسعتا بدهشةٍ مذعورة.
همست وكأنها لا تصدق
"تسمعونني...؟ حقًا تسمعونني؟"
أومأت سيرشا برأسها، وازدادت صرامة ملامحها رغم الدفء في صوتها،نظرت إليها كما تنظر امرأة إلى أخرى، لا كقاضٍ إلى متهم.
"أنتِ شابة... رقيقة، في مثل هذا العمر... كيف أنجبتِ طفلًا؟"
هنا...
اهتزت المرأة.
خفضت رأسها،وامتلأت عيناها بالدموع التي بدت وكأنها تنتظر هذه اللحظة منذ سنين.
ثم أمالت قلبها نحو سيرشا،وبصوتٍ مكسورٍ كحطبٍ جاف، همست
"كان والده فارسًا... وعدني بأن يحررني من عبوديتي... قال إنه سيعود إليّ... لكنه لم يعد.رحل، وترك خلفه طفله... وامرأةً تموت كل ليلة في صمت."
مدّت سيرشا يدها ومسحت على ظهرها بخفة، وهمست بأسف
"وترككِ تربيه وحدكِ؟... يا للخذلان."
أومأت المرأة، وأجفلت شفتاها وهي تواصل
"انتظرته... كنت أظنه سيعود، كنت أعيش على هذا الأمل.لم أسمِّ طفلي... كنت أقول إن والده من سيسميه، كما وعدني.لكن الوقت مرّ... وبدأ الطفل يجوع.
من أين أطعمه؟بالكاد أحصل على وجبةٍ واحدة في اليوم...وهو؟لا يُعطونه شيئًا، لأنه لا يعمل!
كيف لطفلٍ بالكاد أتمّ عامه الثالث أن يحرث الأرض لسبع ساعات؟"
شهقت، وكأن بكاءها لا يريد الخروج، لكنه يتسرب رغمًا عنها.
ابتسمت... ابتسامةً يائسة، هشة كجدار طيني أمام المطر
"فكرت... إن باعه أحد السادة...ربما، فقط ربما... يحظى بسيدٍ يطعمه،أو يمنحه اسمه،أو لا يتركه جائعًا كما تركته أنا."
خفضت رأسها مجددًا، وارتجف صوتها وهي تهمس
"كل ما أردته... أن يحيا.أن يعيش بعيدًا عن أمّه التي صدقت فارسًا كاذبًا،وعلّقت قلبها على وعدٍ هش."
ثم...
غطّت وجهها بكفيها، وبكت.
بكت كما تبكي الأشجار بعد الجفاف...
بكاء لا صوت له، لكنه يمزق الأرض تحتها.
لم تتردد سيرشا.
مدّت ذراعيها،عانقتها برفقٍ غامر
وهمست في شعرها المتشابك
"لا بد أنه سيحيا الحياة التي تمنّيتِها له... لا بد."
ثم نظرت إليّ، بطرف عينها.
نظرة واحدة.
لكنها كانت كافية لتُخرسني.
لم تنطق، لكنها قالت الكثير
"لا تحكم على الجراح قبل أن ترى عمقها."
حينها فقط...
أدركت أن سيرشا لم تكن نقيةً لأنها تجاهلت بشاعة العالم،بل لأنها اختارت أن تظل طاهرة...
في عالمٍ يُجبرنا جميعًا على الاتساخ.
أما أنا...
كنتُ القذر الذي يصرخ بأحكامه....
دون أن يسمع الحقيقة أولًا.
لكن الحياة...
لطالما دارت، لتصفعني مجددًا بحقيقتها التي لا تتغير
أنها ليست عادلة، لا الآن، ولا يومًا.
ففي الصباح التالي.
عاد ذاك السيد الذي باع الطفل...
لم يكن يحمل مالًا يُعوّض، ولا طفلًا يُسترجع..
بل حمل في فمه خبرًا...
كان أقسى من أن يُقال، وأشنع من أن يُسمع.
توقف أمامها، وعيناه بلا ندم، بلا وجل.
قالها ببرود، كمن يُلقي فتات حديث عابر
"ابنكِ اللعين... مات في الطريق. ربما جوعًا، لا أدري... لا يهم."
كلماته سقطت كسيف صدئ، لكن دامٍ.
ثيابه كانت ملوثة بالدم،وعيناه خاليتان من أي أثر للذنب...
كأن الموت لم يكن إلا "حدثًا"
وموت طفل، لم يكن إلا "عقبة" في الطريق.
من وجهه وحده...
كان يكفي أن ترى الحقيقة،أن ذلك الطفل لم يمت جوعًا كما ادعى،بل نُحر... بصمت، ببرود، بلا أحد يسأل لماذا.
وهناك، أمام مرأى الجميع،انهارت هي...
سقطت على ركبتيها، كأن الأرض خانتها أخيرًا،شهقت... شهقة واحدة، ثم أطبق الحزن فمها.
مات ابنها مقتولًا...
وماتت هي بعده، مكسورة، في فراشٍ خالٍ من الدفء،
غابت عن الحياة ولم تعد.
كأن قلبها توقف حين توقف صوت قدمي طفلها في أروقة الدنيا.
الحياة... يا لهذه الحياة....
لا تكتفي بأن تُعلمنا بالقسوة،
بل تقتلع أرواحنا ثمنًا للدروس.
فحتى الحكمة هنا.
لا تُمنح...
بل تُنتزع.
ويُدفع ثمنها من لحم القلب، ومن صمت الأمهات.