الفصل 6
ثِقل الحَجر
انتهى موسم الزراعة…
لكن الراحة لم تأتِ كما توهم البعض، بل حلّ محلّه جحيمٌ آخر.
أُعلن عن بداية العمل الجديد
حفر الخنادق.
نقلونا إلى أطراف شنقيط، حيث الأرض أقسى من قلوب السادة.
منطقة صخرية تحبس أنفاسها من شدّة الحرارة، كأن الشمس هناك أقرب خطوة.
اصطففنا نحن... رجالاً، نساءً، أطفالاً.
لم يُسأل أحد عن عمره أو عافيته..
كل ما كان يعنيهم أن تُنهك ذراعاك، أن تنزف روحك من ظهرك المنحني، أن تصبح مجرد يد تمسك معولًا.
المعول… قطعة حديد باردة في الصباح،حارقة في الظهيرة، ثقيلة في المساء.
ولم يكن لنا سواه.
بدأنا نحفر...
تراب، صخر، عرق، ثم دم...
كانت الشمس تلسعني وكأنها تنتقم.
أما الحجارة التي اختزنت حرارتها طوال النهار، فكانت كأنها تنتظرنا لتطلق لهيبها في جلودنا.
الرطوبة خنقت أنفاسي، شعرت بها تنسلّ إلى صدري وتثقل الهواء...
أصوات الشهيق من حولي متقطعة، مرهقة،وصراخ الأطفال… كان مثل صفعةٍ لا تنتهي.
بعضهم سقط تحت الحجارة، دفنوا دون أن يشعر أحد،
أو شعر، وتجاهل.
كان هناك حريق في صدري، لا أعلم مصدره…
تعب؟ قهر؟ رغبة في الهرب؟
كل شيء اشتعل داخلي دفعة واحدة.
لكن ما يهون عليّ غضبي،هو غياب الحراس و السادة عنّا في هذا المكان..
رأيت مانسا.
كان يتحرك بيننا كأنه لا ينتمي لهذا الجحيم.
يوجّه، يساعد، يحمل، يتألم معنا، لكنه لا يشتكي.
رأيته يركض صوب طفلة تعثرت،
ركع، ابتسم، مسح دموعها…
لفّ على كاحلها قطعة قماش، ثم… اختفى وسط الزحام.
بحثت عنه بعينيّ، لكن بدلًا منه، اصطدمت بنظرةٍ أعرفها...
سيرشا.
كانت تقف قربي، عيناها العسليتان، تعاتب بصمت.
عقدت حاجبيها وقالت بصرامة
"هيا، عد للعمل ولا تتكاسل. لماذا تسرح هكذا؟"
تمتمت بتعب
"بحقكِ… حلقي جاف، لا أستطيع... لم أعد أريد العمل."
أجابت دون أن تلتفت
"وإن لم تعمل؟ سيقتلونك. ما باليد حيلة."
غرست المعول بالأرض واستلقيت بعيني نحو السماء.
همست.
"الموت...تبدو هذه الكلمة كخلاص، أكثر منها كخوف."
وفجأة...
قالت بصوت حاد
"إخرس."
حدّقت بها بدهشة.
"لحظة… هل قلتِ لي أن أخرس للتوّ؟!"
أشاحت بوجهها، كأنها تندم على الكلمة
"آسفة… زلة لسان."
ضحكت. لا أعلم لماذا، لكني ضحكت.
"لم أقل إنني لم أحبها… أنا أحب من يرفضون بصراحة."
"لم أرفض شيئًا."
"رفضتِ موتي."
صمتت، ثم تمتمت وهي تنظر بعيدًا
"أنت تثرثر كثيرًا..."
اقتربتُ قليلًا
"وإن مُتّ؟ ماذا ستفعلين؟"
أجابت بعد لحظة صمت
"سأحزن… ثم أعود للعمل."
أخذتُ المعول مجددًا، التفتُ إليها بابتسامة باهتة
"لا بأس… على الأقل، ستحزنين قليلًا. هذا يكفيني."
زفرت بضيق، وعقدت حاجبيها
"ألست غريب أطوار؟"
صرخت بصوت مفتعل الحماسة
"هيا يا سارا!إعملي!! لا تضيّعي الوقت!"
توقفت، حدّقت بي بعينين غاضبتين
"أنت مستفز… وها قد أخطأت في اسمي مرةً أخرى!!"
انفجرت ضاحكًا...
ضحكتُ من ملامحها، من ردّها، من هذا الجنون المؤقت الذي أبقانا أحياء.
لكن الضحك انطفأ حين وقعت عيناي عليه…
جوستاف.
كان يقف بعيدًا، يراقبنا بصمت.
لا ابتسامة، لا غضب، لا شيء...
ثم استدار، ومضى.
التفتُ نحوها بهدوء، عندما تمتمت بصوت منخفض، كأني اخشى أن يسمعني الهواء
"بالمناسبة... يبدو أن جوزيف يكرهني."
نظرت إليّ بصمت، قبل أن تجيب برتابة
"جوستاف لا يكرهك، هو فقط... لا يثق بالغرباء."
لم أكن أعلم إن كانت تجهل ما يحدث فعلًا، أم أنها تتغافل عنه بمكر طفولي.
لكن نظراته لم تكن تحمل الريبة فقط... كانت هناك حدة أخرى،
نظرة لا يمكن تفسيرها بالاحتراز أو الحذر...
ربما كانت كرهًا مكتومًا، أو غضبًا لا صوت له.
لم أعلّق.
أنهينا عملنا أخيرًا، وبدأت العودة تتسلل إلينا كأنها مكافأة باهتة.
تركتها تبتعد، تسير نحو ركنها المعتاد للنوم.
راقبتها من بعيد تقترب من جوستاف.
كان جالسًا هناك، ينظر إليها بثباتٍ مريب،
لم يرمش حتى… كأنها وحدها تملأ عينه، كأنها… كل ما تبقى له من هذا العالم.
ثم، بصوت خافت أقرب للهمس، قال
"إذًا… أنتِ تقضين وقتًا طويلًا معه."
رفعت رأسها باستغراب
"مع من؟"
"نوح."
ابتسمت سيرشا بهدوء،
اقتربت منه، ومدّت يدها بطفولة خبيثة،قرصت خده بخفة، وقالت
"ألا تزال تشك بكل من حولك؟ عليك أن تتعلم الثقة قليلًا،نوح ساعدني كثيرًا، وهو يبدو... شخصًا جيدًا، رغم طريقته المستفزة في الكلام."
رفع حاجبيه
"مستفز؟"
زفرت، ثم فتحت ذراعيها بتذمر
"يخطئ باسمي كثيرًا! لا أعلم إن كان يفعلها عمدًا أم أنه ببساطة لا يجيد حفظ الأسماء!"
أشاح جوستاف بنظره عنها،تقدّم خطواتٍ قليلة نحو كومة القش، ثم تمدد بجسده دون كلمة أخرى، كأن المحادثة لم تكن.
نظرت إليه، ورفعت حاجبًا
"هل كنت تستمع إليّ؟"
ردّ دون أن يلتفت
"أجل... نوح سيء. إن كان يزعجكِ، فابتعدي عنه فحسب."
أطلقت تنهيدة طويلة، ثم مشت نحوه ببطء،وجلست قريبة منه، مستندة على كوعها،تمتمت وهي تنظر إلى الظلام
"آه يا جوستاف... متى ستمنحني حلًا حقيقيًا بدلًا من هذا البرود؟"
لكنها لم تتلقَ جوابًا.
فقط الصمت… وصوت أنفاسه التي اختلطت بأنفاس الليل الطويل.
في صباح اليوم التالي، تسللت أشعة الشمس بخجل بين الغيوم، تراقبنا بصمت بينما نستعد لمغادرة الأرض، كما نفعل كل يوم... بخطى متكررة وروح مثقلة. لم يكن هناك ما يميز هذا الصباح
إلى أن شق الصمت صوتٌ حاد، مرتجف، كأنما خرج من حنجرة الزمن ذاته
"أيتها الطفلة!!"
التفتت الرؤوس. كان رجلاً مسنًا، عظامه ناتئة، ويداه ترتجفان كأنهما تحملان شيئًا أثقل من الحجارة
نظراته متجمدة نحو فتاة صغيرة، لم تتجاوز العاشرة، ذات شعر حريري اسود ينسدل حول وجهها كستائر ناعمة، وعينين بلون الفحم في عز الشتاء.
همستُ بدهشة وأنا أراقب الموقف.
الرجل، الذي بدا وكأنه يقاتل شيئًا لا نراه، صرخ مجددًا، وبصوتٍ مكسور لا يخلو من الهلع
"أمكِ ستلتهمها الصخور!! لا تأخذيها معكِ!! ستلتهمها الصخوررر!!"
شعرت الفتاة بالخوف؛ تلبدت ملامحها، وعقدت حاجبيها بارتباكٍ واضح. اقتربت منها والدتها بسرعة، وضعت يدها على كتفها الصغير بحماية، ثم نظرت إلى العجوز باشمئزاز وقالت بحدّة
"ابتعد، أيها العجوز الخرف!"
وكأنها تطرد كائنًا مزعجًا، لا أكثر... لا أقل.
أدارت ظهرها دون أن تنتظر رده، وسحبت ابنتها معها نحو العربة، وسط نظراتنا التي لم تعرف كيف تُفسر ما حدث.
أخذتُ أفتش بعينيَّ عن مانسا. وجدته يقف بعيدًا، يراقب بصمت. اقتربت منه وهمست
"ما قصته؟ من يكون؟"
هزّ رأسه بخفة وقال بصوتٍ بارد
"رجلٌ فقد عقله، لا أكثر."
نظرت إليه، ثم إلى العجوز الذي ظل واقفًا مكانه، يرتجف كظلٍ مهجور.
تمتمتِ بصوتٍ خافت
"مسكين...لابد أنه بلغ أرذل العمر... كيف يتركونه يعمل هنا؟"
أجاب مانسا دون أن يلتفت
"على الأرجح... كل ما يفعله هو نقل الحجر."
حين وصلنا إلى الموقع، كانت الأرض توحي بشيء مريب. الهواء أثقل مما ينبغي، والسماء مغطاة بغيوم كثيفة خانقة، كأنها تخبّئ شيئًا خلف ستارها الرمادي. الرياح كانت تعوي، لا كنسيمٍ عابر، بل كأنها تُنذر بالعاصفة، تصرخ بألمٍ مكتوم لا يفهمه سوانا.
تفرّقنا كالمعتاد، كلٌّ إلى عمله، وكنت أتهيأ لحمل الأحجار حين لمحت سيرشا تتلفت بعينين مضطربتين. اقتربت مني بخطى متسارعة، وصوتها يحمل شيئًا من القلق:
"هل رأيت جوستاف؟"
أجبتها بنبرة ساخرة دون أن أرفع رأسي
"البتة... لا أظن أنني لمحت وجهه القبيح اليوم."
تذمرت بخفوت وهي تنظر إلى الأرض
"كم هو مزعج."
كادت جملتها أن تكتمل، لولا أن شيئًا ما غيّر إيقاع كل شيء...
اهتزت الأرض.
بشكلٍ خافت أولاً... رعشة ناعمة بين التراب والعظام. ثم تحوّل الخفق إلى زلزال مفاجئ، كأن العالم يحبس أنفاسه قبل أن يسقط علينا.
رفعت عيني في اللحظة الخاطئة... أو ربما الصحيحة، فرأيت الكارثة تهبط نحونا.
صخرة ضخمة، بحجم الموت نفسه، تهوي من أعالي الجبل كقضاء لا يُرد. كانت تقترب منّا بسرعة لا تسمح بالتفكير.
لم أشعر بجسدي. لم أُقرر أن أتحرّك. شيءٌ في داخلي ربما الغريزة، أو الخوف،دفعني بجنون نحوها. تشبثت بذراعها، وسحبتها بعنفٍ مفرط بعيدًا، وقفزنا معًا نحو الهامش… لحظة واحدة فقط، كانت تفصلنا عن أن نُسحق.
ارتطمنا بالأرض. فوقها كنت، ألهث وأنظر لعينيها. سألتها وقلبي لا يزال يقرع صدري
"هل... أنتِ بخير؟"
أومأت ببطء وهي تنهض، عيناها نصف مفتوحتين، كأنها عائدة من حلم بعيد
"ما الذي... حدث للتو؟"
لم أُجبها، لأننا بدأنا نسمع... همسات. صرخات. خطوات هرولة.
اتجهنا نحو مصدر الذهول، حيث تجمهر الجميع حول تلك الصخرة. لم ينظر إلينا أحد، وكأن نجاتنا كانت تفصيلًا غير مهم... لأن من لم ينجُ، كانت شيئًا لا يُحتمل.
كانت الأم... أم الطفلة ذات العينين الزرقاوين.
سُحقت تحت الصخرة. جسدها لم يعد جسدًا، وجهها تلاشى، ودماؤها لوّنت الأرض ببشاعة.
ابنتها... ركضت نحوها، تصرخ، تبكي، تحاول بإصرار مؤلم أن تُزيح الصخرة بيديها الصغيرتين المرتجفتين... وكأنها ترفض تصديق الواقع، وكأن الحب وحده يكفي لإعادة ما أُخذ.
همستُ، بالكاد خرج صوتي من الحنجرة
"يا إلهي... هذا... فظيع..."
سيرشا، برغم رجفتها، تقدّمت من الطفلة واحتضنتها بقوة، تحاول أن تمنحها دفئًا في عالمٍ صار أشد برودة.
ثم رأيته... جوستاف. بين الحشود، وجهه مشدوه، خطواته حائرة، اقترب مني وسأل بصوتٍ أقرب للهمس
"ماذا حدث هنا؟!"
نظرت إليه للحظة، ثم قلت دون مشاعر
"الأرض اهتزّت فجأة. هذا المكان آيلٌ للانهيار."
اتسعت عينا جوستاف، وعقد حاجبيه بقلق
"سيرشا... هل تأذت؟!"
هززت رأسي نافيًا. لا كلمات، فقط صمت. لكن بداخلي... كانت النار تتمدد، تحترق في صدري.
منذ البداية..لقد علموا...جميعهم قد علموا..
هذا الموقع خطر. وهم... كانوا يعرفون. لكنهم لم يضعوا أيّ حراسٍ في الداخل. لم يجرؤوا. خافوا على حياتهم... وتركوا حياتنا للمصير.
نحن بالنسبة لهم لسنا بشرًا... بل أدوات. مجرد أجساد تُحرّك الحجارة وتموت بصمت.
أشحت بوجهي عن جوستاف، عن الصخرة، عن الدم... وقلت في داخلي
هؤلاء الأوغاد... إلى متى؟