الفصل 7
حجارةٌ باكية
كان مشهدًا يفوق الوصف...
حتى السادة، المتعالين عن كل شيء، جاءوا ليشهدوا كيف تستطيع الطبيعة أن ترتكب جريمة دون أن تُحاسب.
تقدّم مانسا بخطى ثقيلة، وكأن الأرض تعيقه لا جسده، بل روحه. كان صوته حين تحدّث... هشًا، لا يُشبهه.
"سـ... سيدي..."
قالها وهو يحدّق في بقعة الدم
"تلك الحجارة... سقطت على الأم، والطفلة... باتت بلا أحد."
لكن كلماته لم تكتمل.
يد السيد قطعت الهواء بغضب مفاجئ، صفع به كل محاولة للتعاطف. صرخ ببرود
"اقتلها ببساطة! ستُعيقنا!"
ارتجفت سيرشا.
كأنّ الأمر انتزع شيئًا منها، شيئًا أقدم من الطفلة نفسها. شدّت الصغيرة إلى صدرها بقوةٍ غريزية، بينما بدت الطفلة كمن فُرغت من الحياة.
كانت عيناها مفتوحتين، لكن الروح فيهما قد تلاشت بالفعل.
اقترب أحد الحراس، وجذب الطفلة من بين ذراعي سيرشا بعنف.
لكنها تمسّكت بها، تمسّكت وكأنها آخر ما بقي لها في هذا العالم المحطّم.
قالت، تتوسل، صوتها يشقّ صمت الموت
"سيدي... أرجوك... لا تقتلها. لم تعش بعدُ كي تُدان."
نظرت إلى جوستاف.
كان واقفًا هناك. ساكنًا.
لكن في عينيه، شيء آخر كان يشتعل... شيء أقرب إلى الثورة.
لكنه لم يتحرّك، لم يصرخ، لم ينقضّ.
فقط نظر إليها، كمن يُشاهد عجزه يتحوّل إلى مرآة.
دموع الطفلة كانت صامتة،وصوت سيرشا المرتعش كان أبلغ من ألف صرخة.
أما أنا، فشعرت بأن ضميري يهتز، يتشقّق.
تحركتُ، كنت على وشك الوقوف بجانبها،لكن الذي سبقني كان مانسا.
وقف بيننا وبين السيد، رأسه مرفوع، صوته ثابت
"سيدي، الطفلة ستعمل بما هو بسيط. لن تعيقنا. يمكنني أن أعمل عنها عند الأعمال الشاقة، ضعف الوقت. فقط... دعها."
سكونٌ ثقيل.
السيد لم يرد. فقط نظر، طويلاً، إلى الطفلة المعلقة بين الذراعين.
ثم أشار بيده للحارس.
تركها... ورحل.
ذلك الصمت... كان هو الجواب.
عدنا بعدها إلى مكاننا.
ذاك المكان الذي لا يملك الحق في أن يُسمّى "منزلًا".
حين مالت الشمس إلى الغروب، ورحتُ أستعد للإسطبل، لمحت سيرشا تحمل دلو ماء. ربما كانت تنوي أن تسقي الطفلة... أو تسقي الحزن نفسه.
كنت سأمشي نحوها،لكن قدماي توقفتا حين رأيتها تقف بجانب جوستاف.
وجهه لم يكن كعادته...
قال، بخوفٍ لم يُخفه
"هل تأذيتِ؟"
أجابت وهي تهز رأسها، تهمس
"كلا... نوح أنقذني."
رفع يده إلى وجهها،لامس خدها بخفة، وكأنه يمسح عنها رماد كل هذا اليوم. ثم ابتسم، وتكلّم بهدوء لم أعهده منه
"هذا جيد... الأهم أنك بخير.
لأنني... لا أستطيع أن أعيش بدونك."
عيناها أضاءتا، كما لو أن الدمع صار ضوءًا داخليًا.
ابتسمت، وهمست باسمه
"جوستاف..."
ثم ابتعدت، بصمت، تحمل الدلو بين يديها، ودخلت الإسطبل.
لم أدرِ لماذا... لكنني تبعتها.
بلا صوت، بلا سببٍ واضح.
قررت أن أنام معهم تلك الليلة.
ربما لأجل الطفلة...
وربما لأجل نفسي.
كنتُ أراقبها من بعيد، بصمتٍ لا يليق إلا بالمآتم.
كانت تجثو على ركبتيها، تغمس قطعة القماش في ماءٍ عكرٍ وبارد، ثم تمررها على جسد الطفلة برفقٍ حذر، كأنها تخشى أن تنكسر بين يديها.
تمتمت الصغيرة، بصوتٍ بالكاد يُسمع
"لقد... خسرتُ كل شيء..."
مرّرت سيرشا يدها على شعرها المبلّل، بصوتٍ دافئ رغم التعب
"وأنا كذلك... لكنني لا أزال أبتسم. تمسكي بخيط الأمل هذا، ولو كان واهنًا."
رفعت الطفلة وجهها نحوها، وعيناها مليئتان بأسئلة لا تحتملها طفولة.
"لماذا...؟ لماذا لم تتركيني أموت؟"
لم تُجبها بالكلمات أولًا، بل بالتنهيدة. ثم جمعتها في حضنها، وقالت
"لأنكِ تستحقين الحياة... حتى وإن بدت بالية ورمادية. ابحثي عن بقعة الضوء فيها، ولو كانت خافتة."
دفنت الصغيرة وجهها في صدرها، كأنها وجدت أخيرًا مكانًا آمنًا. ثم همست
"ما اسمكِ... يا سيدة؟"
"سيرشا."
"يا له من اسمٍ جميل... أما أنا فاسمي ميراي."
"أحببته... يليق بكِ."
ابتسمت الصغيرة إبتسامة شاحبة، ثم أغمضت عينيها، واستسلمت للنوم.
كانت سيرشا تمسح شعرها بهدوء حين تسلل صوتي إلى جوف السكون
"سيرشا..."
استدارت إليّ بدهشةٍ مباغتة، كأنها رأت شيئًا يستحيل وقوعه، تمتمت
"ه... هل نطقت اسمي الآن؟!"
أومأتُ وأنا أجلس جوارها
"أظنني حفظته أخيرًا."
ابتسمت بفتور، وقالت
"ظننتك لا تجيد حفظ الأسماء."
"إسمك... مألوف بطريقةٍ ما. كأنني سمعته في حلم قديم."
رفعت كتفيها وقالت
"ربما... أمي قالت لي إنه من لغة سيدها. إيرلندية الأصل."
لم أقل شيئًا في البدء، لكن قلبي كان قد بدأ يطرق في صدري.
"يقال إن أمي أحبت سيدًا، لكنه تركها. حملتني، وسمّتني بلغة قلبها، لا بلغة جلدها."
همست، بالكاد يخرج صوتي
"نسبكِ... مختلط؟"
"هذا ما أظنه."
ردّدت الاسم في رأسي، ثم على لساني بصوتٍ مرتجف:
"سيرشا... لحظة!"
نظرت إليّ باستغراب، وأنا أتابع
"سيرشا... في اللغة الإيرلندية تعني الحرية!"
رمشت مرتين، كأن المعنى تأخر في الوصول إلى عقلها، ثم ضحكت ضحكةً خافتة، مغموسة بسخرية جارحة
"أيّ حرية... وقد وُلدت عبدة من رحم عبدة؟"
نظرتُ إليها، كأن الكلمات تضربني لا تصدر مني، وقلتُ
"فتاةٌ سُمّيت بالحرية... وتُجرّ بالسلاسل كل صباح. أيُّ لعنة هذه؟"
قالت بصوت خافت
"كيف عرفتَ معناها؟ أنا نفسي لا أتحدث تلك اللغة."
"لنقل... إنها إحدى المهارات التي لا تنفع في سوق العبيد."
نظرت إليّ بشك
"نوح... كفى تمثيلًا. أنت لا تبدو مثلنا."
رفعت شعري قليلًا وغمزت
"لأنني وسيم؟"
أجابت ببرود قاتل
"بل لأنك صاخب... وعنيد."
وضعتُ يدي على صدري بتصنّع درامي
"لقد كسرتِ قلبي."
ثم سكن بيننا الصمت، لا يشبه سكينة الارتياح، بل كأن الزمن اختار أن يتباطأ عمدًا، ليمنح شيئًا ما فرصة الخروج من صدري... شيء ظلّ يطرق داخلي في خفاء.
وفجأة، دون تفكير، خرج صوتي مترددًا، كمن يمشي عند حافة فوهة بركان
"رأيتكِ اليوم مع جوستاف..."
التفتت إليّ، نظراتها متوجسة.
فبادرتُ، كأنني أعتذر عن مراقبتي، أو أهرب من تأويل خاطئ
"كان... فقط بدا كأنه يطمئن عليكِ بعد الحادث."
لم ترد على الفور. فقط رمقتني للحظة، ثم أدارت وجهها نحو الفراغ، كأنها تبحث في الهواء عن كلماتٍ أقل وجعًا.
لكن الكلمات سبقتني، هربت من فمي قبل أن أزنها
"يبدو مهتمًا بكِ."
لم تهز رأسها نفيًا، ولم تبتسم إثباتًا. فقط لمحتُ تلك النظرة... النظرة التي لا تحتاج إلى شرح.
ثم سمعتُ ضحكتها، هادئة، قصيرة، لكنها ثقيلة على مسامعي
"أهذا ما تظنه، نوح؟ يا ليتَه كذلك..."
قالتها، وهزّت شيئًا لم أكن أعلم بوجوده.
لم يكن ألمًا… بل ارتجاج.
كأن شيئًا ما في صدري انزاح من موضعه،
كأن قلبي لم يعد في مكانه، أو لم يعد قلبي أصلًا.
الهواء صار غريبًا.
يتسلل إلى رئتيّ بشيء من الثقل… لا برد فيه، لا دفء… فقط خنقة.
ضيق لا يُقال، ولا يُشار إليه.
وكأن في حلقي اسم...
لم يُنطق، ولم يُمنحني حق معرفته.
لم أفهم.
ما الذي يصرخ في داخلي الآن؟
غيرة؟
لكن لا رغبة في الامتلاك.
حزن؟
لكنه لا يشبه الانكسار…
بل أقرب إلى الغرق البطيء في ماءٍ بلا قاع.
كأنني تائه في نفسي.
أبحث عن شيءٍ سُرق مني قبل أن أعرفه.
وبين ضلوعي…
شيءٌ صغير، يئن.
لا يشتعل، لا ينطفئ،فقط… يئن.
نظرتُ إليها، تمسح شعر الطفلة بكفٍ واهنة،وكأنها تمنحها حنانًا كنتُ أظنه لي، أو كنتُ أرجو أن يُمنح لي.
وجلستُ هناك…
صامتًا، مشوشًا،بين صدري وحنجرتي…
مسافة لا يعبُرها الكلام.
نهضتُ.
لم يكن هناك ما يربطني بمكاني، حتى النوم نفسه بدا رفاهية لا أستحقها.
خرجتُ دون أن أنطق.
بحثت عن هواءٍ لا يخنق، عن فضاءٍ لا يشبه صدرًا ضاق.
وهناك، عند العتبة، رأيته.
مانسا.
يجلس وحده، كتمثال نُحت من سهدٍ قديم.
لم يفاجأ بوجودي؛ كأنه كان ينتظر أن يأتيه أحدهم، أو أن يعترف له الليل بشيءٍ ما.
قال بصوتٍ عادي، لكن فضوله كان جديًا
"لماذا لم تنم حتى الآن؟"
أجبته، والصوت يخرج من أعماقٍ لا أعرفها
"أظنني طُعنتُ بسكينٍ غير مرئية... وأنت؟"
ما إن قلتها، حتى رأيت الدموع تتجمع في عينيه كأنها وجدت أخيرًا منفذًا للهرب.
ثم… انكسر.
انفجر بالبكاء دون تردد، دون أن يعتذر أو يخجل.
تصلّبتُ مكاني.
لم أعهد مانسا بهذه الهشاشة.
اقتربتُ بتردد، وكأنني أُمسك ظلّ رجلٍ لا أعرفه، وهمست
"م... مانسا... هل أنت بخير؟"
صوته كان هشًّا، كأن الكلمات تتكسر فيه قبل أن تخرج
"تلك الأم... ماتت بسببي. بسبب إهمالي..."
تنهدت، لا سخرية في صدري ولا عزاء، فقط… فهم صامت
"أبليتَ حسنًا في إنقاذ الطفلة."
هزّ رأسه، كأن كلمتي لم تلمسه
"لن أستطيع النوم... ما دام هذا الذنب مستيقظًا."
جلستُ إلى جواره، لا أملك شيئًا أقدّمه…
ثم تمتمتُ، كأنني أقول لنفسي أيضًا
"لن تخمد تلك النيران يا مانسا...هي فقط تتعلم كيف تحترق بصمت."