الفصل 8
صفحات ممزقة
مرّت بضع ليالٍ...
كأنّها سُحبت من فم الليل بأسنانه.
ليالٍ صامتة، مشوّهة، تملأها الهمسات والأنفاس المبلّلة بالحنين والغصة.
وسيرشا... كانت تقضيها برفقة الطفلة ميراي، تلك الصغيرة التي تعلّقت بها كما لو أنّ رحمًا خفيًا جمعهما، أو كما لو أن حنانها القديم وجد أخيرًا مستقرًا.
ولم تكن وحدها.
كعادتها، كانت تتبع جوستاف...
خطواتها تقترب من ظله كل يوم أكثر.
لم أحب ذلك.
لكنني لم أقل شيئًا.
كنت أراقب... كمن يُعاقب نفسه بالصمت.
عدنا إلى العمل، هذه المرة في منطقة جديدة... أو بالأحرى، أقذر من سابقتها.
بيوت السادة.
بلا مبالغة... أقذر بقعة يمكن أن تُدنّس بها الأيدي.
رائحة العفن المغطاة بالعطور.
أثاث لامع يخفي تحته قسوة لا تُمسح.
وبين كل هذا، كنت أتنفس كأن في صدري حجرًا.
كنت أمسك بقطعة قماش، أجرّها فوق طاولة فاخرة دون رغبة، دون تركيز.
يدي بالكاد تتحرك، ونفسي أثقل من الهواء.
لكن عيني... عيني كانت تسرق النظر إلى سيرشا.
كانت تبتسم لي.
نعم، تبتسم... كأن التعب لا يعنيها.
كأن ابتسامتها تقول لي
"انهض، اعمل، لا تشتكِ."
ثم التقط بصري شيئًا.
جوستاف.
كان يقف بعيدًا، لكنه يراقبها هو الآخر.
لا، لم يكن يراقبها... بل كان ببساطة يعمل، دون أن يلتفت لها.
دفعني الفضول، بل الغيظ المتراكم، لأقترب منه.
همست وأنا أراقب ملامحه التي لا تبوح بشيء
"كيف حالك يا رجل؟"
"بخير."
ردّها ببرود، لم ينظر نحوي، لم يُحرّك حاجبًا.
لكنه لم يطردني... بعد.
مال رأسي قليلًا نحوه، وهمست بنبرة أخف، كأني أرمي حجرًا في ماء راكد
"ما رأيك بسيرشا إذًا؟"
عندها فقط، التفت إليّ.
عقد حاجبيه، نظرة لم أفهمها تمامًا.
هل كان غاضبًا؟
مُتَوتّرًا؟
أم فقط... يكره الحديث عن الأمور التي تخدش جدار صمته؟
قال، بنبرة منزعجة
"ماذا تقصد؟!"
ابتلعت ترددي، وقلت بصراحة غير معتادة:
"أعني... هل تراها جميلة؟"
كنت أبحث عن إجابة تُربكني.
أردت منه أن يوافقني، أو يرفضني بوضوح، أو حتى أن يتوتر.
لكنّه فقط... تنهد وقال
"نوح... توقف عن تفكيرك هذا... و عد للعمل."
قالها كأنه يغلق الباب، لا بل يصفعه.
أدار ظهره.
وتركني هناك، مع كل احتمالات التفسير.
ربما كنت فضوليًا أكثر من اللازم.
ربما لأنني، في قرارة نفسي، لا أحتمل فكرة أنه قد يحبها فعلًا.
بعد لحظات، رأيتها تخرج حاملة سطل ماء.
تبعتُها، لا أعلم لأي سبب... ربما فقط لأتلقى نظرة، أو كلمة، أو بقايا دفء.
وقفتُ بجانبها، ابتسمتُ، شعرتُ للحظة أن الحياة دبت في قلبي من جديد.
"سيرشا، يبدو أنكِ تحبين هذا العمل!"
قلتُها بنصف سخرية، ونصف إعجاب لا أجرؤ على الاعتراف به.
قهقهت بخفة، صوتها يبلل الهواء الجاف
"أحب رائحة الأماكن النظيفة."
ضحكتُ، ساخراً، ممزوجًا بالمرارة
"يالكِ من حمقاء... تبحثين عن النظافة في بيوت هؤلاء القذرين؟"
رفعت كتفيها برضا، وأجابت بثقة لا تشبه أي عبدة
"ما دام خاليًا من علف الحيوانات، فلا بأس برائحته."
نظرتُ إليها للحظة طويلة.
كيف بإمكانها أن تجد الجمال في القذارة؟
أن تضحك وسط الرائحة؟
أن تحب رغم كل هذا الخراب؟
ربما كانت حمقاء...
لكنها الوحيدة، وسط هذا العالم، التي ما زالت تتنفس الحياة.
ثم، كما لو أن العالم قرر أن ينقلب فجأة، رأينا شابًا يُضرب أمام أعيننا.
شابًا... لم تكتمل ملامح مراهقته بعد.
كان يرتجف، ممسكًا بورقة نظيفة في يديه الصغيرتين، ورقة يلمع بياضها بوضوح... ورقة تخصّ السادة.
دوّى صوت السيّد، جهرٌ ممتلئ بالغضب والكِبر
"كيف تجرؤ؟! تسرق ورقة من ممتلكاتنا دون إذن؟!"
تلعثم الفتى، وارتجفت الكلمات على لسانه كمن يتقيأ خوفًا
"س..سيدي! لم أسرقها! وجدتها بالخارج… كنت… كنت أحاول إعادتها إليك!!"
زمجر السيّد، عروقه تنبض من عنقه، كأن كلمة "إعادة" في حد ذاتها خيانة
"أتفهم ما تحمله تلك الورقة؟! بالطبع لا! أنت لا تعرف حتى كيف تُهجي اسمك، فكيف لك أن تقدّر أهميتها؟!"
ركع الفتى على ركبتيه، وتمسّك بساق السيّد كما لو أن التوسل طوق نجاة لا بديل له
"أقسم! أقسم أنني فقط أردت أن أعيدها... لم أسرقها..."
العبيد من حولنا تجمعوا، مشدوهين، كأنما توقف الزمن وتجمّدت الهواءات.
عيونهم تتابع، وقلوبهم... ترتجف.
لكن أحدًا لم يقترب.
كأن ذلك السوط، الذي أخرجه السيّد، كان أفعى نارية لا يمسّها بشر.
أما مانسا... فكان غائبًا، يعمل في مكانٍ بعيد، كما جرت العادة حين نحتاجه أكثر.
السيّد لوّح بالسوط في الهواء، والشرر يتطاير من عينَيه قبل الحديد.
"أيها الكاذب الصغير! لا مزيد من التلاعب! اعترف بسرقتك!!"
ثم... انهال عليه.
ضربه كما يُضرب الحيوان الهائج.
ضربه كأنما يتلذذ بتكسير العظام.
والصبي لم يتوقف عن ترديد
"لم أسرقها... لم أسرقها..."
وأنا... لم أعد أحتمل.
لم أرَ السوط، لم أسمع صراخ العبيد.
كل ما شعرت به هو اندفاعٌ غريب في ساقَي، كأن جسدي قرر التحرك دون استشارتي.
اندفعت، رغم يد سيرشا التي حاولت منعي.
وقفت بين السيّد والصبي، وانتزعت الورقة من يده المرتجفة بعنف.
نظرتُ إليها... لحظات ثقيلة.
كانت عادية. لا تخفي خريطة ولا مؤامرة.
فقط... كلمات.
صرخت، غضبي يُمزّق صدري
"ما هذه الأهمية التي تهذي بها؟! إنها... مجرّد ورقة لعينــة!!"
زمجر السيّد، اقترب مني، وجهه على بُعد نفسٍ من وجهي
"أحمق! كيف ستفهم معناها وأنت لا تقرأ؟!"
رفعت صوتي، تمتمت السطور كأنها تنطق من روحي لا من لساني
"حبيبتي يا حبيبتي… عيناي تذبلان عن رؤية ملامحكِ…
قلبي يخفق حين يرفرف صوتكِ عند مسامعي..."
ثم لوّحت بالورقة في الهواء، كالسكين في وجه طاغية.
"شِعر!!!؟ أتضرب طفلًا لأجل قطعة شعر؟! أتجلده من أجل كلمات لا تُشبع ولا تُسمن؟!"
صمت.
كأن العالم كله سُحب من تحت أقدام الجميع.
همسات انطلقت ببطء، كأنها تنهشني من كل الجهات
"لقد… قرأها؟!"
"عبدٌ... يقرأ؟!"
"ما هذا الجنون؟!"
"يا إلهي… لقد فقد عقله."
لم أنكر.
بل تمنيت لحظة... أنني فقدت عقلي حقًا.
ثم نظرت إلى السيّد...
كان وجهه كتلة من الجمر.
قريب، أقرب من اللازم.
يده امتدت إلى شعري، سحبني بعنف إلى الأرض كمن يجرّ كيسًا من القمامة.
"سأعلّمك درسًا... لن تنساه!"
لم أقاوم.
ربما لأنني تعبت.
ربما لأنني كنت أعلم أنني استحققتُ شيئًا... ما.
سقطتُ.
ثم بدأ الضرب.
ضربني بالسوط أولًا.
ثم صرخ على حارسه، الذي عاد... ومعه العصا.
عصاٌ حديدية، ملتهبة، مشتعلة... كانت لهبًا يتحرك.
وأخذ يضربني بها، ينهال عليّ بها كأنني لست بشرًا.
كأنني الخطيئة نفسها.
وآخر ما رأيته...
هو مانسا يركض نحوي، وجهه مشوّه بالذعر.
وسيرشا... واقفة، لا تصدّق ما تراه.
مزيج من الصدمة والرعب وشيء يشبه الخذلان، كلّه على وجهها.
ثم... أسدل الجسد ستاره.
وانطفأ الضوء.
حين فتحت عينَي، كان الليل قد أرخى ستاره على المكان، كأن الظلام ذاته قد توغل في أعماقي. لم أدرِ كم ليلة مضت منذ سقوطي... أو كم ضوءًا فُقد في الطريق إلى هذه اللحظة.
حاولت النهوض...
لكن ألمًا مفاجئًا اجتاحني، كأن جسدي كله يحترق من جديد.
يدٌ دافئة، خفيفة، أمسكت بكتفي تسندني.
"لا تتحرك!"
كان صوتها مرتجفًا، مشحونًا بالقلق، كما لم أسمعه من قبل.
سيرشا... كانت تجلس إلى جواري، وجهها شاحب والدموع متيبّسة تحت عينيها.
همست، بصوت خافت كأنما انتُزع من صدرها
"لماذا؟"
قطبت حاجبيها، وكأن السؤال أشعل فيها شيئًا كانت تكتمه.
"لماذا تدخلت؟!"
نبرة غضبها كانت غريبة، كأنها تحاول إخفاء ذعرها خلف كلمات اللوم.
"هل... الشاب بخير؟"
سألتُ، محاولًا التمسك بشيء من المنطق.
هزّت رأسها نفيًا، نظراتها تشتعل بالمرارة.
"ومن سيهتم لأمره الآن؟! بعد ما فعلته... يا أحمق!"
صوتها انكسر، ثم تابعت بحدة
"لقد كنت على وشك الموت! السيد كاد يقتلك! لولا أن مانسا... توسّل إليه كي يصفح عنك. وبأعجوبة فقط... تركك حيًا."
تمتمت، بعينين غارقتين في الفراغ
"مانسا... أدين له بحياتي."
أخرجت من جانبها لفافة ضمادات، بدت جديدة على غير عادة ما نملكه من قماش.
تطلّعت إليها بذهول
"من أين...؟"
قالت ببساطة
"أحضرها مانسا. والآن... انزع قميصك."
ترددتُ، خجولًا من ضعفي، من عري الجراح على جسدٍ تعوّد أن يُخفي كل شيء.
"هل... ضروري؟"
أومأت بحزم، ثم ساعدتني في سحب القماش الممزق عن ظهري.
كل حركة كانت تمزق شيئًا داخلي، لكنني سمحت لها... ربما لأني لم أعد أملك القوة لأقاوم.
بدأت تُنظّف جروحي، أناملها كانت ترتجف رغم هدوئها الظاهري.
سألتها، بنبرة خافتة
"لماذا تساعدنيني دائما؟"
ردت سؤال بسؤالٍ حاد
"لماذا تخاطر بحياتك من أجل الآخرين!؟"
سكتُّ.
لكنها كانت تحدّق في شيء على ذراعي...
ذلك النقش.
أمسكت بذراعي فجأة، وعيناها اتسعتا بدهشة.
"ما هذا؟! علامة... ونقش غريب؟!أنت تجيد القراءة، وتخفي ذلك...رفضك، عنادك، نظراتك...أنت لست مثلنا."
تنهدتُ، كأن جبالًا قررت أن تنهار بداخلي.
"أنا..."
نظرتُ إلى السقف المتآكل، وصوتي خرج كأنني أعترف بخطيئةٍ لم أغفرها لنفسي بعد
"لم أكن عبدًا."
تسارعت أنفاسها، اقتربت، حدّقت فيّ وكأنها تبحث عن كذبة تنفي بها الحقيقة.
"كيف؟!"
"كنت حرًا."
قلت، ببطء كأن كل كلمة تخرج من أعماق الجراح.
"كنت أعيش في قرية صغيرة. أملك اسمًا... وبيتًا، وعائلة. كنت أتعلم، أكتب، أقاتل...لكن ذات يوم...هجموا علينا.كل شيء احترق.قُتل والدي... ثم أختي... وأمي بين ذراعي."
صوتي تهدّج.
"أخذوني.حوّلوني إلى عبد.لكني تمردت.فوشموا هذا النقش على ذراعي، ليُعرف أنني عبدٌ متمرد...خطير.
عبد يجب أن يُراقَب... ويُعاقب."
كانت عيناها تلمعان.
حزنٌ لم تفهمه بعد، لكنها شعرت به.
قلت، بابتسامةٍ واهنة
"لحسن الحظ... لا أحد هنا يعرف بهذا. إنه سرّي."
مدّت يديها، أمسكت بكفّي بكلتيها، كأنها تتمسك بوعدٍ أثمن من الحياة.
"أعدك... لن أخبر أحدًا."
ضحكتُ، بخفة لا تشبه الفرح، ثم نظرت إليها وهي تتابع لف الضمادات.
"كيف... كيف هو شعور الحرية؟"
سؤالها خرج كحلمٍ لا يُقال بصوتٍ عالٍ.
نظرت إليها.
إلى خصلات شعرها المتعبة، إلى عينيها اللتين لا تزالان تحتفظان ببريقٍ رغم القذارة من حولها.
مرّرتُ يدي بلطف بين خصلاتها، وهمست
"الحرية... جميلة،لا أحد يصرخ في وجهك،لا أحد يقيّد خطواتك،أنتِ... سيدة نفسك"
شهقت بدهشة طفلة، وقالت
"حقًا؟!"
"حقًا."
قلت بثقة، كمن يهب حلمًا لا يملكه.
سكتت قليلًا، ثم تمتمت
"لا أظن أنني سأكون حرةً يومًا...لكن لا بأس.
ما دمت أملكك... وأملك جوستاف... وأملك ميراي.
فأنا لا أحتاج لحريتي."
نظرت إليها.
كانت صادقة.
نقية.
كأن ملاكًا وُلد في الجحيم، ولم ينسَ كيف يبتسم.
سكتنا...
لم تكن هناك حاجة للكلمات بعد الآن.
صوت أنفاسها كان أهدأ من الحزن،
وأقرب للطمأنينة من أي شيء عرفته منذ زمن بعيد.
في تلك اللحظة،
لم أكن عبدًا،ولا كانت هي مسجونةً في قيدها.
كنا فقط… إنسانَين،جمعهما جرحٌ واحد.
وغطّاهما ليلٌ لا يفرق بين الألم والنجاة.
أغمضتُ عينيّ ببطء.
وفي صدري…
أخيرًا، خفّ صوت الأنين.