الفصل 9
حين يدفن الشتاء قلبا حيا
الشتاء...
ذلك الفصل الذي يتغنّى به الجميع، وكأنه نعمة سماوية تُنقذهم من قبضة الصيف اللاهبة. الهواء فيه عليل، السماء ملبدة بسحبٍ تبشّر بالمطر، والثلوج في بعض الجهات تكسو الأرض بثوبٍ نقيّ.
لكنني... لا أشارِكهم هذا الحنين.
أنا أكره الشتاء.
أكرهه بكل ما في القلب من ضيق.
ذلك البرد الذي يتسلل إلى العظم كالسمٍّ الصامت... ليس لديّ ما يحميني منه، لا معطف، لا مدفأة، ولا حتى زاوية جافة ألوذ بها.
والمطر؟
آه، المطر هو كارثة صامتة...
حين يهطل، لا يحمل لنا سوى الغرق.
ننام في إسطبلات تحولت إلى مستنقعات من الوحل، تتسرب المياه من السقف كأن السماء قررت أن تمطر علينا من الداخل أيضًا.
لكن... ولأول مرة منذ زمن، يبدو أن الحظ ابتسم قليلًا.
العمل اليوم بسيط، مجرد قطف للمحاصيل... لا حمل، لا حرث، لا جهد ساحق.
مرّ عامٌ تقريبًا منذ قدومها إلى هنا.
سيرشا.
دارت بخفة، شعرها يتمايل والفرح يشع من ملامحها، وقالت بانبهار وهي ترفع عينيها نحو السماء
"الشتاء! أخيرًا! الغيوم تتصارع فوقنا!"
ردّ جوستاف وهو يزفر بضيق
"ستمطر مجددًا... كم أكره هذه الحياة."
لكنها لم تبالِ، أمسكت بيده فجأة، بعفوية تنتمي لعالمٍ آخر غير عالمنا، وهتفت بحماس
"ربما يمكننا اللعب تحت المطر كما كنا نفعل سابقًا!"
نظر إليها مبتسمًا، خفيفة ابتسامته، كأنها ذكّرت قلبه بما نسيه
"نحن كبرنا على تلك الأمور."
ضحكت، بتلك الضحكة التي تشبه الرقص على حافة الألم
"أجل... ربما كبرنا فعلًا."
ثم التفت إليه، وسلّمت له سلة الفاكهة، فقال بلطفه المعتاد
"سأحملها. لا تشغلي بالكِ."
وغادر...
كان مشهدًا بسيطًا، لكنه وخز قلبي.
يالَ حنانه...
ربما هو حقًا الشخص المناسب لها.
كان طويلًا، بشعرٍ مجعدٍ بشكلٍ أنيق. جسده ليس قويًا، لكنه دائمًا ما بدا حاضرًا لأجلها. لم أره ينظر لوجه امرأة غيرها قط... كأنها وحدها ملأت عينيه.
أحسدُه؟
ربما.
لكنني لا أريد أن أعترف بذلك.
كل ما أريده ...كما أقنع نفسي.. هو بعض السلام... بعض الهدوء... بعيدًا عن كل هذه الفوضى.
ولكن، إن كنت صادقًا مع نفسي، فأنا أكذب.
مرتين.
ركضت ناحيتي بخفةٍ مرحة، كأنها لا تحمل من الشتاء سوى البهجة. وقفت قربي، وعيناها تلمعان حين قالت "هيا نوح! لننهِ عملنا بسرعة... ما رأيك أن نتناول الغداء معًا؟"
هل... هل دعتني لتوّها؟
أنا؟!
شعرت بدمي يتدفّق كما لم يفعل منذ شهور.
عملت وكأنني أركض نحو الحياة، نحوها. نسيت البرد، نسيت التعب... وكأن دفء كلماتها قد هزم الشتاء كله.
حين حلّ وقت الغداء، توجهنا لتناول الطعام، لكن هذه المرة لم نكن وحدنا. انضمت إلينا الطفلة ميراي، ضيفتنا الصغيرة.
ابتسمت لي وهي تقول بحيوية طفولية
"كيف حالك يا أخي؟"
رددت بتلعثم، محاولًا تمالك توتري
"ب... بخير..."
نظرت إلى سيرشا بطرف عيني. كانت غارقة في سعادتها، تفيض من ملامحها كأشعة شمس في يوم شتائي. تنهدتُ بصمت، مستسلمًا لقدري... جلستُ آكل في هدوء، بينما كانت ميراي تثرثر بحماس عن مغامراتها الصغيرة. أما أنا، فكنت غارقًا في شرودٍ لا يُطاق، أحدق في وجه سيرشا، وكأنني أنظر إلى لغزٍ لا أملك له حلاً.
شيء في داخلي كان ينهار... أقاوم انجذابي لها، أحاول أن أشيح ببصري... وفي الوقت ذاته، ألاحقها كظلي، دون أن أملك القدرة على التوقف.
فتحت سيرشا ذراعيها بتثاقل، وتثاءبت بإنهاك، ثم، وبكل عفوية، اتكأت برأسها على كتفي. تمتمت بنبرة ناعسة
"جسدي منهك..."
كأنما سرت كهرباء في جسدي، تصلبتُ في مكاني كصخرةٍ تعاند المد، وقلت بتوتر واضح
"ج... جيد..."
نظرت إلي وهي تكتم ضحكة، كأنها تستهزئ بردّي المرتبك.
"ما خطبك؟"
سألت.
"لا شيء!"
أجبت بسرعة وكأنني أهرب من شيء لم أفهمه بعد.
تنهدت، ثم قالت بهدوء
"نوح... أريد أن أستشيرك بشيء."
رفعتُ حاجبي بدهشة، وقلت متفاجئًا
"تستشيريني؟ منذ متى وأنتِ تثقين بي؟!"
ابتسمت بمرح
"لأنك تبدو خبيرًا في هذه الأمور!"
في تلك اللحظة، ركضت ميراي مبتعدة، تاركة سكونًا مفاجئًا خلفها. نظرتُ إلى سيرشا، فوجدتها تحدق في الأفق، تضم ساقيها إلى صدرها، ثم تسأل بصوت أقرب إلى الهمس
"هل وقعت في الحب يومًا؟"
تطلعت إليها باندهاش، ثم همست
"لِمَ هذا السؤال؟"
"فضول فقط..."
أجابت.
رفعت رأسي نحو السماء، أفكر في الكلمات قبل أن أقول
"ربما... مرةً واحدة فقط... لماذا تسألين؟"
أدارت وجهها إليّ، وقد احمرّ خدّاها، وعيناها تلمعان بشيء يشبه الاعتراف
"أظن أنني... أحب جوستاف."
نظرتُ في عينيها. لم أجد أثرًا للكذب. كانت ملامحها صادقة، وكأنها تراه أمامها الآن، تحدثه بخجل، تعيش اللحظة معه لا معي.
تنهدتُ، وفي داخلي شيء ينكسر بصمت
"وكأنني لا أعلم..."
تمتمت.
فاجأتني حين أمسكت بكفي، تقول بلهفة
"وكيف... كيف سيعلم بمشاعري؟!"
سحبت يدي منها ببطء، ثم نظرت إليها وسألت
"منذ متى تعرفينه؟"
أجابت بنبرة مشحونة بالذكريات
"منذ أن كنت في السادسة... أو الخامسة! كان إلى جانبي عندما توفيت أمي. كان حنونًا، يحميني، يطعمني أحيانًا طعامه... كنا نلعب، نعمل، أتبعه أينما ذهب..."
كأنها تحدثني عن جنة لا يسكنها سواهما. جنة لن أبلغها أبدًا.
ابتسمتُ بسخرية باهتة، وقلت
"لا بد أنه يحبك بدوره—"
قاطعتني بعفوية، تشعّ عيناها يقينًا
"أنا متأكدة من ذلك!! لكن لا أعلم ما الذي يمنعه من البوح!"
قلت وأنا أرفع صوتي بتوتر كبتّه طويلاً
"سيرشا! كيف يتردد أحدهم بكل هذه السنوات؟ كم عمرك الآن؟!"
"عشرون."
صُدمت، نطقت دون وعي
"عشرون؟! بعمري تمامًا؟!"
نظرت إلي بدهشة، ثم انفجرت ضاحكة، ولأول مرة منذ بدء الحديث، بدا أننا نسينا وجود جوستاف، نسينا تعقيدات مشاعرنا، وانسجمنا في لحظة بريئة من الضحك الخالص.
ثم، بصوت هادئ يحمل شيئًا من المزاح، قالت
"كنت أظنك أصغر مني."
رمقتها بحدة، وقد اشتعل الغضب في وجهي كوميض نارٍ خاطفة
"أصغر؟!"
ردّت بتململ، كأنها تحاول تبرير نفسها
"أقصد... أنت تتصرف كالمراهقين، متهور ومتسرع."
لم أتمالك نفسي. شعرتُ بكلمتها تسقط عليّ كسهمٍ أصاب أكثر مما يجب. انفجرت، غير قادر على كبح ما تراكم في داخلي
"وأنتِ... غبية! كطفلةٍ لا تفهم شيئًا في الحب! جوستاف يحبكِ! لا يرى أحدًا سواكِ! يغضب كلما رآني إلى جواركِ! و... و أيضًا..."
لكن صوتي خذلني فجأة، ذاب بين الكلمات العالقة في حلقي، وتلاشت الحروف حين التقت نظراتنا.
لم أعد أملك الشجاعة لأكمل.
خفضت بصري، تمتمت باعتذار خافت
"آسف... لم أقصد أن أصرخ في وجهكِ."
هزّت رأسها، بعينين ناعستين كأنهما تحملان كل الفهم الذي أحتاجه، وقالت
"لا بأس... لعل ما قلته صحيح. ربما كنت أتهرب، أتظاهر بالعمى حين أرى كيف يعاملني... كنت خائفة، نوح... ماذا لو تغير بعد أن نرتبط؟ ماذا لو ملّ مني؟ أو، في أسوأ الأحوال، كرهني؟"
اقتربتُ منها خطوة، دون أن أشعر، ثم وضعت يدي على كتفيها برفق، كمن يتمسك بشيء يوشك على الانهيار.
"كلا... لا تقولي ذلك. لو كنت مكانه... لو كنت أنا من تحبينه... لما تركتكِ أبدًا، مهما حصل."
نظرت إليّ نظرةً طويلة، وفي عينيها شيء لم أفهمه تمامًا. شيء يشبه الرجاء... وربما الذنب... وربما شيء أبعد من الحب نفسه.
همست بذهول، بالكاد خرج صوتها
"ن... نوح... هل أنت..."
نهضتُ دفعةً واحدة، كأن كلمتها ستمزقني لو تركتها تكتمل. قطعت المسافة بيننا وبين الصمت، واستدرت لأخفي وجهي عنها، وجهي الذي ما عاد قادرًا على ارتداء القناع.
تمتمت بصوتٍ خافت، أضعف من الريح، أقرب إلى الأمنية
"أتمنى لكِ أن تعيشي الحياة التي تحلمين بها مع جوستاف..."
ثم أضفت، كمن يقطع وعدًا لن يُكسر
"لا تقلقي... سأفعل المستحيل لأراكِ سعيدة. حتى لو لم أكن جزءًا من تلك السعادة. سأضمن لكِ ما تريدينه، وسأحارب من أجلكِ، حتى تنالا حريتكما... وتعيشا يومًا كزوجين حقيقيين... لا مجرد عبدَين.فأنا اساسًا....ابحث عن درب يجرّنا للحرية"
لم ترد. لم أسمع منها صوتًا، ولا رأيت منها ملامح. ربما كانت تبكي... وربما فقط... صمتت لأنها عرفت.
لكنني كنت... سعيدًا. نعم، غريبٌ أن أقولها، لكني كنت كذلك.
لأني... رغم كل شيء... أحببتها بصمتٍ نقي. وأحببت سعادتها، حتى وإن لم أكن سببها.
لكن لماذا؟
لماذا هي؟
لماذا أُعلّق روحي بامرأةٍ كلما اقتربت منها، شعرتُ أنني أضيع أكثر؟
هل أحبها؟
أم أنني فقط... أراها مرآةً لما كنت عليه؟
دائمًا... كنت أركض.
كلما اقتربت من شيءٍ أحبه، شعرت بأن قدميّ تخونانني، وبأن قلبي يتقلص كزهرةٍ خائفة من المطر.
لم أكن جبانًا... لا، بل كنت أحمل من الحب ما يكفي ليدمّرني ويدمّرهم.
كنت أهرب... كي لا أفسد النقاء، كي لا ألوّث الجمال الذي لا يشبهني.
كل ما أحببته... تركته.
كل من لامس قلبي... تراجعت عنه بخطوة.
ظنّوا أنني لا أشعر، أنني بارد، أنني لا أبالي.
لكن الحقيقة... أنني كنت أشتعل بصمت، أخشى أن تلامس نيراني قلوبهم، فتحرقها كما أحرقتني.
كنت أُحبهم صامتًا، وأتخلى عنهم بهدوء...
وأنسحب كالغروب... قبل أن يأتي الليل...
وقبل أن يروا ظلامي.