الفصل 10
المطر لا يغسل الخذلان
مرّت أيام... لا أكثر.
لكنها كانت كفيلة بإحداث شرخٍ صامت بيني وبينها.
منذ تلك الحادثة، شيءٌ ما تكسّر في نظراتها... أو ربما فيّ أنا.
لم نعد نتبادل سوى التحية الباردة... وابتساماتٍ خجولة، خفيفة كالرياح التي لا تبشّر بشيء.
لم أعد أجرؤ على الاقتراب منها.
كأنها ابتعدت آلاف الأميال، رغم أنها لا تزال هنا... على مقربة أنفاسي.
في ظهيرة رمادية، جلست برفقة مانسا، ذاك الصديق الوحيد الذي لم يخذلني حتى الآن. كنا نستند إلى جدارٍ متهالك، نتقاسم الصمت كأننا تعبنا من الكلمات.
ثم اقترب مني، يحمل بين يديه ورقة بيضاء، بملامح مترددة وعينين تحملان رجاءً صامتًا.
"نوح، أحتاج مساعدتك!"
قالها بانفعال.
رفعت نظري إليه بتوجس
"م...ماذا هناك؟"
وضع الورقة في يدي، فاهتزت قليلاً بين أصابعي المرتبكة.
"أحد السادة طلب مني جمع أسماء العبيد المتطوعين. الفرقة العسكرية للملك بحاجة إلى رجال، ويجب تسجيل الأسماء. لكن... أنا بالكاد أجيد كتابة اسمي!"
زفرت بضيق، ممسكًا بالقلم كأنني أقبض على مصيري، وتمتمت
"ولِمَ لم تخبرهم بذلك ببساطة؟"
خفض صوته بخوف
"سيقتلونني يا نوح... رجاءً، ساعدني. دعنا نجمع الأسماء معًا."
أغمضت عيني للحظة، ثم تنهدت مستسلمًا، "حسنًا... لكن أخبرني أولًا، ماذا يحدث للعبد حين يتطوع للجيش؟"
نظر في عيني بثبات، وقال جملةً زلزلت كياني
"يصبح حرًا."
كلماته اخترقتني كالسهم.
حدّقت فيه بدهشة، وكأنني سمعت كلمة "حرية" للمرة الأولى في حياتي.
"حر؟!!"
كررتها وأنا أرتجف بين الفرح والذهول.
أومأ ببطء، يثبت لي ما سمعته، ثم تابع
"لكنهم سيقبلون ثلاثين فقط. حين يعرف الآخرون، ستتحوّل الأعين إلى لهب."
ابتسمتُ لأول مرة منذ زمن، وقلبي يخفق بجنون.
"يا رجل! أيمكنني حقًا... أن أكون جنديًا؟!"
"نعم. اكتب اسمك فحسب."
لم أُفكّر.
أمسكت القلم، وغرست اسمي على الورقة كمن يغرس نجاته.
حر...
كم اشتقتُ لهذا اللفظ... كم حلمت به وأنا أعدّ النجوم في ليالٍ موحلة.
ثم التفت إليه، والقلق يزحف لوجهي
"وماذا عنك؟ لن تكتب اسمك؟"
هزّ كتفيه ببساطة، وقال بصوتٍ فيه ألم مغطّى بالابتسامة
"لا أستطيع تركهم، العبيد هنا... إن حدث لهم مكروه وأنا بعيد، لن أسامح نفسي."
رمقته بنفاد صبر
"أنت تشعر بالذنب طوال الوقت! على الأقل كن حرًّا مذنبًا!"
هزّ رأسه، وقال بتلك الحكمة العجوز التي تخبئها روحه الشابة
"لا أريد الحرية... أريد أن أحميهم. فقط هذا."
ثم سكت لوهلة، كأنه يتردد، وأضاف
"وأيضًا..."
"أيضًا؟"
استحثثته.
تنهد بعمق، وعيناه غارقتان في بُعدٍ لم أبلغه
"نوح، تلك حريةٌ مقيّدة. ستكون حرًا في ساحة الموت... فما جدوى هذا النوع من التحرر؟"
تأملته طويلاً... كلماته لم تغيّر رأيي.
ربما كان محقًا... لكن حتى القفص الذهبي، أفضل من سلاسل الطين.
قلت بهدوء
"على الأقل، هناك... أستطيع الرفض. أستطيع أن أقول لا."
لم يجادلني بعدها، اكتفى بإيماءة يائسة، وأشار إلى الورقة
"اكتب أسماء العبيد، الذكور فقط. أما من يريد المشاركة، سأضع علامة خاصة."
أطعت، كأنني أهرب إلى المهمة كي لا أواجهني.
بدأت أسير من خيمةٍ إلى أخرى، أجمع الأسماء، أدوّنها، أدوّنني معهم.
وحين اقتربتُ من آخر الأسماء، لمحت جوستاف... وسيرشا إلى جانبه.
شعرت أن قلبي ارتبك، لكني تماسكت.
تقدّمت نحوهما، وقلت بصوتٍ محايد
"سأكتب اسمك، أعلم أنك لا ترغب بالمشاركة، أخبر مانسا بنفسك."
استدرت لأرحل، فقط لأهرب.
لكن صوتها، هي، اخترقني قبل أن أبتعد
"نوح!! أرجوك، لا تشارك!!"
تجمدت في مكاني.
كأن الزمن توقف، وصوتها هو الشيء الوحيد الحيّ في هذا العالم.
لم أفكّر، لم أزن رغبتي أو حلمي أو توقي للحرية...
قلت دون أن ألتفت
"لن أشارك!!!"
صمت.
ثم التفتُ للحظة، فلاقيت عيني بعينها.
ابتسمت.
ويا لها من ابتسامة...
ابتسامة جعلتني أوقّع على عبوديتي من جديد... برضى.
عدت إلى مانسا، فوجدته ينظر إليّ وقد رسم على وجهه تلك النظرة الساخرة التي يعرف بها كل نقاط ضعفي.
قال ساخرًا
"يال سرعة تغيير رأيك... ما أضعفك أمامها."
زمجرت بصوت خافت، وأنا أحاول إخفاء خيبتي
"اخرس..."
لكنني كنت أعلم...
هو على حق.
كانت الغيوم تتراكم بثقلٍ في صدر السماء، والمطر ينهمر بخفةٍ كأنما يعتذر عن كل هذا الحزن الذي يحمله.
ناولته الورقة بصمت، وقلتُ وأنا أشيح بوجهي
"لا تحسبني، مانسا... لن أذهب. ضع علامة فقط على المتطوعين."
ابتسم بخفة، وكأنّه تنفّس ارتياحًا صغيرًا
"لحسن الحظ، لن أكون وحدي."
لم أعلّق. فقط تنهدت، وغادرت.
مرت ساعات، ولم يتوقف المطر... كأن السماء حزينة بدورنا، تبكي دون توقف.
وقفت سيرشا عند زاوية الإسطبل، وشعرها يلتصق بوجهها المبتل. أمامها، كان جوستاف.
ابتسم، ونبرته كنسمة هاربة من طفولةٍ مفقودة
"كان يومًا عظيمًا... أنهينا العمل باكرًا."
ضحكت بخفة، بصوتٍ يحمل دفئًا نادرًا في هذا البرد
"بالفعل..."
كانت السماء تنزف ببطء، كأن المطر يهمس باعترافٍ لا يجرؤ أحدٌ على قوله. قطرات الماء تنهمر فوق ملامحهما بصمتٍ ثقيل، بينما عيون جوستاف ثابتة في عيني سيرشا، تبحث عن لحظة تأجيل... لكنه أمال رأسه قليلًا، بهمسةٍ خافتة تكسوها الرهبة
"سيرشا... في الواقع..."
رفّت جفونها بدهشة غريزية، شيء في صوته جعل قلبها ينكمش كزهرة باغتتها العاصفة.
رفع رأسه أخيرًا، وبهدوءٍ يشبه حافة السكين، قال
"تطوعت للعسكرية."
تجمد كل شيء.
نظراتها كانت تائهة في عينيه، كأنها تستجديه أن ينكر، أن يبتسم ويقول (أمزح)
لكن الصدق كان ثقيلًا، قاسيًا، واضحًا.
"م...ماذا؟"
تمتمت بصوتٍ لا يشبهها، أقرب إلى بكاءٍ لم يجد مخرجًا.
أجابها بنفس النبرة الثابتة
"نعم، تعبتُ من هذه الحياة... أريد أن أكون حرًا."
ارتعشت شفتاها، كأن الحروف تأبى الخروج. أومأت برأسها ببطء، تنفي كمن يرفض أن يوقّع على نهايته
"لكنني... سأبقى..."
ضحك بخفةٍ هشة، ورفع ذراعيه في الهواء كمن يحتضن حلمًا
"أخيرًا يا سيرشا! تلك الحرية التي لطالما حلمت بها... لا أصدق أنني سأحصل عليها! ذهبت لمانسا و جعلته يضع علامة أمام اسمي!"
وفي تلك اللحظة بالذات، اجتمعت دموعها مع المطر، ولم تعد تعرف إن كانت السماء تبكي لأجلها... أم معها.
همست، بصوتٍ منكسر
"وهل... ستتخلى عني بهذه البساطة؟"
توقف، وكأن الكلمات وخزته في موضعٍ يعرفه جيدًا. أدار وجهه عنها، وكأن النظر إليها صار خيانة للقرار
"أنتِ تعلمين أنني... لا أستطيع التخلي عنك."
قالها، لكنها لم تكن كافية.
سألته، بمرارةٍ مكبوتة
"إذًا؟ ماذا تنوي أن تفعل؟!"
ابتسم، لكن ابتسامته لم تصل لعينيه
"سأزوركِ حين تسنح الفرصة... في كل مرّ—"
"اخرس!!!"
صرختها اخترقت المطر، الهواء، قلبه.
"فلتخرس يا جوستاف!! زيارة؟! أهذا كل ما تبقّى لي منك؟! أليس هذا هو الحب الذي كنت تظهره؟ كيف لك أن تتركني؟!"
تردد في الرد، ارتعشت عيناه أخيرًا، لكنه قال بجمودٍ موجع
"حب؟... ربما أحببتك في فترةٍ ما من حياتي..."
ثم فتح ذراعيه كمن يسلّم للقدر
"لكني الآن... حصلت على حلمي. سأكون حرًا، سيرشا! وأنتِ، لو كنتِ مكاني، لاخترتِ الشيء نفسه!"
هزّت رأسها، بينما نهر الدموع انطلق دون حاجز. صوتها كان مرتعشًا
"كنت سأختارك... كنت سأختار البقاء بجانبك، لا شيء آخر."
تسعت عيناه بدهشة... لكنه لم يتراجع.
"لا تذهب يا جوستاف... لا أستطيع العيش بدونك..."
لكن صراخها ذاب في المطر، كما تذوب أوراق الخريف في الوحل.
كان واقفًا أمامها، والمطر ينحدر على وجهه كعرقٍ بارد... لا رجفة، لا انكسار، لا شيء سوى نظرة خاوية، كأن قلبه قد هاجر منذ زمن، ولم يُبقِ سوى هذا الجسد.
ابتسم.
ابتسامة ملساء، باردة، مصقولة كحد السكين...
ابتسامة رجلٍ يُتقن التخلّي دون أن يُلوث يديه بالمغادرة.
"لا تبكي، سيرشا...أنتِ أقوى من ذلك. ستتجاوزينني، كما يتجاوز الناس الخريف في انتظار الربيع. ستجدين رجلًا آخر، طيبًا مثلك، يرممك."
كلماته كانت سكاكين مغلّفة بالسكر، لا تقول الحقيقة، لكنها تُغري بتصديقها.
ارتجفت كتفاها، لكنها لم تسقط. فقط هزّت رأسها، تنكر عليه ما يتفوّه به، تدرك ولو متأخرة أن ما ظنته حنانًا لم يكن إلا قناعًا مشغولًا بإتقان.
لكنه تابع... دون نبرة ندم، دون تردد، دون أثر للحب في عينيه
"أحببتكِ؟ ربما. لكن الحب وحده لا يُطعم الجوع، ولا يفتح الأبواب. أما أنا، فقد اخترت الحياة. حريتي، أحلامي... نفسي."
نفسه.
كل ما في نظره، هو "نفسه".
"فلتحظي بحياة سعيدة، إن استطعتِ."
قالها وكأنه يودع نزوة قديمة، لا شخصًا نازفًا أمامه.
همست هي، كمن يتشبث بأثرٍ من ماضٍ يحتضر
"وهل يتخلى من يحب عن حبيبه بهذه السهولة؟"
فرد بنبرة لم تمسسها الرحمة
"بسهولة؟ بل بوضوح. أنتِ لم تكوني أبدًا هدفي يا سيرشا... كنتِ محطةً دافئة، لا أكثر. أما الآن، فالطريق أمامي، وأنا لا ألتفت."
اخفض رأسه كأن الخزيّ اثقل كاهله،و اشاح بعينيه عنها و هو يتمتم
"آسف يا سيرشًا...لقد اخترت حريتي..."
ثم دار بجسده... بكل بساطة.
لا وداع، لا عناق، لا ندم.
فقط خطى تمضي بثقلها المستقيم، نحو أفقٍ لا يسع إلا رجلاً واحدًا... هو نفسه.
ركضت نحوه، وكأن شيئًا في داخلها يصرخ،يكذب ذلك المشهد
تشبثت بكم قميصه، لم تسأله أن يبقى، بل أرادت فقط أن تعرف إن بقي فيه شيء يشبه الإنسان.
نظرت إليه...
لكنها لم تجد سوى قناعٍ أملس، لا دفء فيه ولا ملامح. جوستاف،الطفل الذي أحبته لم يكن هناك. وربما لم يكن يومًا.
دفع يدها.
لا بعنف، لا بلطف... بل بنفس البرود الذي يدفع فيه الغريب باب حانةٍ لا يرغب في دخولها.
ثم مشى.
ومع كل خطوة، شعرت أن صوت قلبها يُنتزع من صدرها، كوترٍ يُكسر تحت أصابع عازفٍ سئم العزف.
بقيت هناك، بلا ظل، بلا صوت،كتمثالٍ كُسرت روحه لا شكله.
كمن وقفت على حافة العالم، تنتظر سقوطها، ولم يسقطها أحد..
لأن من أحبته... لم يكن يومًا يمسك بها حقًا.
انهار جسدها فجأة، كغصنٍ يابس انكسر تحت ثقل الحزن.
جثت على ركبتيها، يداها مستسلمتان، جسدها يرتجف كأن الروح نفسها ترتعد داخلها.
وبمصادفة... كنت مارًّا.
حين رأيتها، ظننتها مريضة.
ركضت نحوها، والقلق يعتصرني، قلبي يسبق خطواتي، يهمس في صدري باسمها.
"سيرشا!!؟ هل أنتِ بخير؟! لمَ أنتِ علـ—"
لكنني توقفت.
تجمدت الكلمات في حلقي، كأن أحدهم خنق صوتي بيده.
وجهها...
ذلك الوجه الذي لطالما بدا كضوءٍ وسط الظلمة،
كان الآن خرابًا...
دموعها سابقة لأنفاسها، عيناها متورمتان كمن بكى عمرًا لا لحظة، وشفاهها ترتجف كطفلٍ تائه في ليلة عاصفة.
همست... باسمي.
"نوح..."
نادَتني بصوتٍ مجروح، صوتٍ لم أعرفه منها من قبل.
ثم انهارت في حضني.
بلا كلمات، بلا تفسير. فقط... بكاء.
احتضنتها، شعرت بجسدها يرتجف كطائرٍ بلّلته العاصفة،
وشعرت بالنار.
نارٌ بدأت صغيرة في أعماقي، ثم اشتعلت... حتى غطّت كل شيء.
تمتمت بتوتر، قلبي يكاد يقتلع من صدري
"ما الذي حدث؟! سيرشا، أجيبي!! هل آذاكِ أحد؟!!!"
هزّت رأسها نافية، وخرجت كلماتها محطّمة
"لـ... لا..."
زفرتُ باضطراب، عقلي يبحث عن تفسير
"أين جوستاف؟! أين هو وقت احتياجكِ له؟!"
نظرت إليّ، كانت نظرتها فارغة، كأن أحدهم انتزع روحها من عينيها،
ثم همست بصوتٍ كالوهن
"لقد... تطوّع للعسكرية..."
قالتها وكأنها تقدمه للموت.
وكأن ذلك القرار لم يكن قرارًا... بل طعنة.
عندها... توقف الزمن.
شعرت بدمائي تغلي، بأسناني تطحن الهواء، بصوت دمي يضجّ في أذني كقرع الطبول.
لم أعد أرى المطر، لم أعد أسمع سوى نبض الغضب.
نهضتُ... كمن قُذف من بين أنياب الجحيم، وركضت.
ركضت نحو النار.
صرخت من أعماقي، صرخةً كانت تختزن كل الغضب، كل الخذلان، كل شيء
"جوستاف!!!!! أين أنت أيها الجبان؟!! أخرج!! واجهني كالرجل إن كنت تجرؤ!!!"
ذلك اللعين...
لم يترك لها سوى سراب.
كلمات ناعمة، وعود جوفاء، وابتسامة كانت مجرد قناع.
أحبته كما لا يجب أن يُحبّ أحد،
وهو؟
هو لم يبادلها شيئًا... سوى راحة مرافقتها، ثم غادرها كما تُغلق نافذة.
ببساطة.
بكل ذلك البرد.
أقسمت.
سأمزق لحم هذا الكاذب...
سأحطم عظامه... عظمةً تلو الأخرى...
كما حطم هو قلبها.
ذلك القلب النقي، الطفولي، الذي لم يستحقه.
سأُريه...
كيف يبدو الحب حين يتحول إلى غضب لا يرحم.