الفصل 11
قوةٌ منكسرة
جوستاف،على حصانه،و البرود يعتري نظراته
يتجه نحو الباب كي يخرج...و تلك المسكينه...تحدق فيه
لم يلتفت.
كأنها لم تكن يومًا ظلّه، ولا خطاه، ولا اسمه حين يهمس به الليل.
مرَّ بجانِبها على حصانه...
بهدوءِ مَن اعتاد الرحيل.
وببرودِ مَن خلع قلبه قبل أن يَصِل.
لم تنادِهِ.
ولم تَبكِ.
كان في عينيها شوقٌ ذابَ دون أن يُسكب،و صوتٌ لم يُخلق أصلًا للنُطق.
بينهُما
كان الفراغ يمشي أوضح من أيّ وداع..
وكان الهواء أثقل من أي جملة يمكن أن تُنقذ اللحظة.
لم يلتفت.
لأنّ مَن يعرف الحريق
يتعلّم ألّا ينظر للرماد.
كنا نقف هناك، صفًّا صامتًا من وجوهٍ تعرف التمثيل أكثر مما تعرف النجاة.
نرتدي قناع النبل، نُزيّن الوداع بالكلمات المعلّبة، كأننا نحتفل بما لا نؤمن به.
نبارك لهم طريقًا لم نكن لنختاره لأنفسنا،
نصفّق لفرصة نعرف تمامًا أنها قيدٌ بلونٍ آخر،
فما من حرية تُمنَح لمن وُلد مكبّلًا،
وما من سجنٍ أرحم من سجنٍ آخر…
هو فقط يختلف في الجدران، لا في الغاية.
ذهبوا وهم يظنون أنهم أحرار.
لكننا، نحن الذين بقينا خلفهم..
نظرتُ إلى سيرشا...
وابتسمت في وجهي، لكنها لم تكن تلك الابتسامة التي اعتدتها منها.
كانت هادئة، متماسكة… كأنها تخفي شيئًا أو كأنها، لوهلة، وجدت السلام.
لم أُفلح في التمييز، أهي تُخفي وجعها؟ أم أنها... مرتاحة أخيرًا؟
سألتني بصوت خافت كنسمة
"هل يجب أن نذهب للعمل؟"
أومأتُ، ثم مددت يدي نحو كفّها وأجبت
"بالطبع."
سرنا بصمت، بخطًى ثقيلة ومُعتادة، كما لو أن أجسادنا تعرف الطريق وحدها.
أخذنا المجارف، وبدأنا بالحفر في الأرض القاسية، نبحث عن موضعٍ مناسب ندفن فيه السماد…
كان العمل شاقًا، ينهش من الجسد كما ينهش الصمت من الروح.
وحين انتهينا، كانت يداي قد تشققتا من ثقل المجرفة…
الوجع لم يعد جديدًا.
حلّ الليل.
الوقت الوحيد الذي يمكن للهدوء أن يجدني فيه،
والوقت الذي تكون هي… قريبة.
كنا ننام في الإسطبل ذاته، لكنني لم أجرؤ يومًا على الاقتراب منها.
لم يكن الخوف مانعي، بل احترام شيء هشّ بيننا، لا اسم له.
لكنها تقدّمت تلك الليلة نحوي، تحمل غطاءها وبعض القش.
"أيمكنني النوم بجانبك؟"
قالتها دون تردد.
أزحتُ القش بصمت، وأشرت لها أن تقترب.
فرشت قشها الخاص بجانبي، ثم استلقت، وضعت كفّيها خلف رأسها، وعينيها إلى الأعلى، نحو السقف الخشبي المتشقق.
ثم قالت، بصوت لم يُرِد إجابة بقدر ما كان يبحث عن رفيق في التفكير
"نوح… أذكر أنك ذكرت الحرية أمامي ذات مرة."
همهمت
"قلت ذلك، نعم."
استدارت نحوي، نظرتها لم تكن متهمة، بل مشوشة، كأنها تُراجع صورة ناقصة في ذهنها.
"إذًا… لماذا لم تذهب؟ لماذا تخلّيت عنها؟"
سكتُّ.
ثم نظرت إليها وابتسمت… تلك الابتسامة التي شعرتُ أنني استعرتها من شخصٍ كنتُه يومًا.
"ومن قال إنني تخلّيت عنها؟كل ما في الأمر… أنني لم أشأ أن أُقاتل لأجلها عبر العسكرية."
ضحكت، لكنها لم تكن ضحكة حقيقية.
كانت ضحكة تشبه الغصة، وهمست
"وكيف ستنالها إذًا؟جوستاف… لم يجد لها سبيلًا سواها."
سكن المكان فجأة.
الاسم الذي نطقت به، رغم بساطته، مرّ في صدري كالسمٍ البطيء.
جوستاف…
الاسم وحده يكفي ليثير فيّ كل ما أكره تذكّره.
كرهت حتى الطريقة التي لفظته بها،
كأنها نسيت…
و كأنني لم أنسَ بعد.
تنهدتُ ببطء، كما لو أتنفس حكاية لا يجرؤ أحد على سردها، ثم قلت بصوتٍ خافت
"إن اخترت الحرية عبر العسكرية… سأكون حرًّا، نعم،
لكنني سأكون وحيدًا أيضًا،ولا أرغب في أن أكون حرًّا و وحيدًا في ذات الوقت."
نظرت إليّ، تمتمت بشيء يشبه الحيرة
"لن أفهمك أبدًا…"
ابتسمتُ، نظري معلق بها وحدها، ثم نطقت بما لم أخطط له، دون تهيئة، دون رجفة
"سيرشا… سأكون حرًّا، معكِ."
رفعت جسدها فجأة عن القش، بعينيها الذهول ذاته الذي يصيب من تُصعقه الحقيقة
همست
"أنا؟! لماذا؟!"
نظرت إليها بثبات، وقلبي كُله في تلك النظرة.
قلت
"لأنني أعلم أنكِ تريدين تجربتها،لقد عشتُ حرًّا، وأقسم لكِ…الشعور أجمل مما تتخيلين.ولهذا، أعدك… سأحرركِ بنفسي."
لمعت عيناها في الظلام، كنجمين تخلّفا عن النوم،
مدّت يدها وأمسكت بكفّي بقوة، تسألني بشوقٍ خائف
"كيف؟! كيف ستفعل؟!"
اقتربت منها، قربًا لا يُقاس، ثم همست في أذنها
"نهرب."
شهقت… ورفعت يديها لتغطي فمها،هزّت رأسها بقوة
"هذا جنون! إن عَلِم أحد بأفكارك هذه… سنُقتل! نوح، أنت مختل!"
أومأت برأسي، بابتسامة شبه حزينة
"أعرف ذلك…لكنني، رغم ذلك… لن أترككِ، يا سيرشا."
سكتت للحظة، ثم همست بتردد
"هل تفعل هذا… شفقةً عليّ؟ لأن جوستاف__"
قبل أن تُكمل، كنت قد سحبت كتفيها نحوي، وأجبرتها على أن تنظر لي.
قلت، والغضب في صوتي كالنار تحت الرماد
"جوستاف لا علاقة له بأي شيء.أنا لا أرحمك، ولا أتعاطف معكِ…نظرات الشفقة تثير اشمئزازي، تذلّني…
حين رأيتني أجلد أول مرة، شعرت بالعجز، نعم،
لكنني لن انظر إليكِ كما نظرتِ إلي سابقًا!"
ابتسمت، ضاحكة بخفة، كأنها عثرت على ذكرى نسيتها
"إذًا… أنت تتذكر لقائنا الأول؟!"
تنهدت، وغمغمت
"كيف أنساه…؟"
رفعت يدها فجأة، وضعتها على خدي بلطفٍ أربكني،
أمالت رأسها، وقالت بصوتٍ دافئ
"نوح…أنت شخص طيب فعلًا.قلبك أنقى مما توحي به ملامحك الصلبة."
رفعت حاجبي، مستفسرًا بصوت خفيض
"إذن… هل ستثقين بي؟"
أغلقت عينيها لوهلة، ثم قالت، بصوت فيه بقايا طفلة تجهل كيف تحلم
"لا أعلم…لقد عشتُ عمري كله داخل قيدٍ مألوف.
لا أعرف كيف تبدو الحياة حين تُفتح الأبواب…هل يمكنك منحي وقتًا للتفكير؟"
ابتسمت، وأجبتها بصوتٍ ناعم
"افعلي ما تشائين…أنا هنا، وسأبقى."
كان الصباح قد استيقظ للتو.
شمسٌ خفيفة تنسل من بين الغيوم الرمادية، تُغري العالم بالنور، لكنها لا تضيء شيئًا في عيوننا نحن العبيد.
في كل فجرٍ جديد، ننهض، لا لنبدأ يومًا، بل لنُعاد ونُسحق تحت دورةٍ لا تنتهي…
هذه المرة، أُوكل إلينا جمع الحطب.
ذلك الحطب الذي سيُشعل مواقد السادة ليتدفأوا،
بينما نرتمي نحن على الأرض الباردة، لا نملك من الدفء سوى اشتعال غضبنا الدفين في صدورنا.
كنت أعمل بصمت، بجوار سيرشا.
حركتها رشيقة، لكنها قوية.
ذراعاها الرفيعتان كانتا تقطعان الخشب بسهولة امرأة اعتادت السكينة القسرية، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها تعلمت أن تصمت كي لا تُكسر.
رمقتني من طرف عينها، ثم ابتسمت بخفة، وهمست
"توقفت؟ هل تعبت؟"
ارتبكت، انتفضت، وكأنها ضبطتني متلبسًا بالتفكير.
"أنا؟ لا لا… فقط كنت… مذهولًا من قوّتكِ الجسدية."
ضحكت بخفة، ورفعت كتفيها في لا مبالاة معتادة
"لست قوية… فقط أمضيت سنوات طويلة وأنا أقطع الحطب."
ابتسمتُ ورددت، وكأن اعترافي يخرج من داخلي مرغَمًا
"هذا واضح…"
سكتنا قليلًا.
كانت لحظة راكدة، تشبه تلك الفجوات التي يختبئ فيها الكلام الذي لا يُقال.
ثم استدرت نحوها وقلت بنبرة خفيفة، لكن بنصف ابتسامة حزينة
"كنت مدللًا سابقًا. ربما تعلمت بعض فنون القتال،لم أُمسك فأسًا قط. والدي هو من كان يجمع الحطب… لا أنا."
شعّ بريقٌ حزين في عينيها وهي تستدير إليّ، وقالت، كأنها تتذكر حياة لم تعشها قط
"وهل هذا مسموح أصلًا؟… أنا تعلمت تقطيع الخشب في الخامسة."
تنهّدتُ، وعيناي متعلّقتان بها، لكن ذهني كان في مكانٍ آخر.
"أظن أن ميراي تعيش حياةً مشابهة الآن…"
اسم الطفلة انسحب من لساني كأنّي أهمس بدعاء.
فجأة، أحسست بشيء يقف خلفها.
شيء حيّ… ساكن، لكنه ثقيل كالصمت.
من دون وعي، سحبت جسدها بقوة إليّ، واقتربنا حدّ التصادم.
كانت شابة، تقف خلف الشجرة، بشعرٍ احمر كثيف مرفوع بإتقان، ملامح اغريقية حادة،بشرة حنطية فاتحة،وعينين بنيتين داكنتين، كأن الليل اختبأ فيهما.
شهقت هي فور رؤيتنا، ربما لم تتوقع أن يراها أحد.
أما أنا، فاندفعت بغريزة لم أظن أنها ما تزال داخلي، شددت سيرشا إليّ، وكدت أصرخ.
لكنها قطعتني بوضع إصبعها على شفتي، وهمست بحدة
"ششش… اصمتا! أريد التأكد من شيء."
تقدّمت، والتصقت بالشجرة، تراقب من خلفها.
نظرت إليها سيرشا بدهشة وهمست
"ما الذي… تفعلينه؟"
فعلنا مثلها، ودفعنا بأبصارنا لما كانت تحدّق فيه.
شاب كان يجمع الحطب على الطرف الآخر من الساحة،
وجهه لم يكن مميزًا… سوى بابتسامةٍ غريبة... ناعمة، دافئة، نادرة....كأنها لا تليق بمكانٍ كهذا.
الشابة عضّت شفتها، عقدت حاجبيها، وغمغمت بمرارة مكتومة
"ستندم على فعلتك…"