الفصل 12
الجرأة بالصوت
كان وقت الغداء قد حان، فانطلقنا بخطى بطيئة متجهين نحو الطابور، حيث يسعى كلٌ منا لنيل وجبته الشحيحة. غير أن شيئًا آخر كان يلتهمنا من الداخل... تلك الفتاة، بشعرها الاحمر المرفوع ونظراتها الغريبة، كانت تتبعنا، خطوةً بخطوة، كظلٍ غير مدعو.
شعرت بحرارة تتصاعد خلف عنقي، همست لسيرشا وأنا أقترب دون أن أحرك رأسي
"هل تعتقدين أنها تخطط لاغتيالنا؟"
رمقتني سيرشا من طرف عينها، وعيناها تضيقان بشك "لماذا تفترض دائمًا الأسوأ؟"
"لأنك خائفة، لا تنكري ذلك! اسأليها لماذا تتبعنا!"
ترددت للحظة، ثم عقدت حاجبيها بضيق
"أنت اسألها."
"بل أنتِ–"
ولم نكمل، إذ فاجأتنا الفتاة بصوتها الذي قطع صمتنا كالسكين
"صوتكما مسموع. وللتوضيح... لا أنوي اغتيالكما، بالكاد أعرف من أنتما."
تجمدنا نحن الاثنان، وقد التفتنا نحوها في وقتٍ واحد كأن أحدًا سكب الماء البارد فوق رؤوسنا. سارعت سيرشا بالسؤال، محتفظة بتوترها في نبرةٍ مهذبة
"إذًا... ما الذي تريدينه؟"
هزت كتفيها، وقالت ببساطة، كمن يقترح شيئًا عابرًا "أعجبت بكما. أردت فقط... أن نكون أصدقاء."
تبادلنا النظرات، أنا وسيرشا. كان في نظرتها تساؤل، وفي نظرتي توجس. تمتمت سيرشا، بشيء من الحذر "أجل... لما لا؟"
لكنني كنت أعرفها... سيرشا. كانت تحاول أن تكون لطيفة، بعد كل ما مرت به. لا زالت تتعلم أن الناس لا يشبهون دومًا ما عايشته من خيانة أو كذب.
وقبل أن نرد بشيء آخر، اقتربت الفتاة منا بخفة، وكأنها صديقة قديمة. مدت ذراعيها ولفتهما حول كتفينا، وهمست بصوت خافت
"اسمي أثينا. انت الشاب... أعتقد اسمك نامر؟ ناصر؟ لا أتذكر. وأنتِ... آسفة، نسيت اسمكِ."
تملكني انزعاج مفاجئ، نطقت بحدة
"أولًا، اسمي نوح. وثانيًا، من أين سمعتِ عني؟"
قهقهت سيرشا بخفة، وفي صوتها سخرية لطيفة
"هاه، تشعر أخيرًا بما شعرتُ به سابقًا؟"
أما أثينا، فابتعدت خطوة للخلف، وابتسمت ببرود "الجميع يتحدث عنك. العبد الذي يقرأ... والذي تجرأ على تحدي السيد."
شعرت بقلبي ينكمش، وأشحت بوجهي عنها وأنا أتمتم بغيظ
"اللعنة..."
دافعت سيرشا عني فجأة، وقد عقدت حاجبيها
"هو لم يتحدَّ السيد. كل ما فعله أنه أنقذ شابًا!"
هزت أثينا رأسها بملل، وأطلقت زفرة طويلة
"ومن يهتم؟ قصتك أصبحت على كل لسان. هناك من يعجبون بك، نعم، لكن كارهيك أكثر. فكن حذرًا يا نوح."
تسلل القلق إلى ملامحي، لكن قبل أن أعلق، التفتت إليّ سيرشا وابتسمت ابتسامةً ناعمة، يخالطها شيء من القلق الصادق
"لا تقلق، أنا سأحميك."
ضحكتُ ساخرًا، وغمغمت
"تحمينني؟ سيرشا... بالكاد تستطيعين حماية نفسكِ."
ثم، وفجأة، خطت أثينا للأمام، وأشارت نحو الشاب الجالس بعيدًا، بملامحه المطمئنة وكأن العالم ملكٌ له "ذلك اللعين... سأخرب حياته!"
صرخت سيرشا، متفاجئة
"ماذا؟ لماذا؟!"
انكمشت ملامح أثينا، وعيناها تحترقان بغضب مكتوم، كأنها تسترجع خيبةً لم تندمل
"كان يحبني بجنون. لم نكن نفترق. كنتُ له كل شيء. لكن في يومٍ واحد فقط... أخبرني أنه لم يعد يحبني. والآن؟ الآن هو مغرم بفتاة أخرى!"
خطت سيرشا نحوه، تراقب وجهه من بعيد بدهشة، ثم تمتمت بحيرة
"أليس هذا... طبيعيًا؟ اتركيه وشأنه فقط."
لكن أثينا انتفضت، وصوتها اخترق الهواء
"طبيعي؟!"
أمسكت بكتفي سيرشا بيدين ترتجفان من الانفعال، وحدقت فيها بعينين تتلألآن من الجنون المكبوت
"لن أسكت عن حقي بهذه البساطة... سأنتقم!"
لقد كانت من النوع الذي تعلم أن يكون صامتًا طويلًا... حتى بات الكلام عنده جريمة، والسكوت عادة مميتة.
اندفعت أثينا كأن الغضب هو الذي يقود خطواتها لا قدميها. كانت نظراتها مسمّرة على الفتى الجالس هناك... يضحك، يتناول طعامه بطمأنينة، وبجانبه فتاة غريبة، لا تحمل من ماضيه معها سوى النسيان.
توقفت أمامه فجأة. تجمّدت في مكانها، وقبضتاها ترتجفان بقوة كأنها تحبس بركانًا في صدرها.
رفع رأسه نحوها، نظر إليها للحظة، تلك النظرة التي كانت تعرفها جيدًا... لكنّها اليوم خاوية. كأنه يعاين وجهًا مألوفًا من طريقٍ قديم، لا امرأة أحبّته حتى الوجع. ثم، وبلا مبالاة، ابتسم.
ابتسامة من يحيي أحد المعارف... لا من يواجه من كانت في يومٍ ما روحه.
ولم تتردد.
رفعت يدها، وصفعته.
صفعةً لم تكن مجرد صفعة، بل طعنةً علنية في كرامته، أمام أنظار الجميع
الحرس، السادة، العبيد... حتى الهواء تجمّد من وقع الصوت.
تراجع قليلًا، وضع كفه المرتعشة على خده، وعيناه متسعتان في ذهول لم يستوعب. لم يفهم بعد إن كان ما حدث حقيقيًا... أم ظلًا من ماضيه جاء ليوبّخه.
صرخت، بصوتٍ مختنق بالخذلان
"أفضل أن أُجلد حتى الموت، على أن أراك تبتسم بذلك الرضا!"
اندفع مانسا نحوها، أمسك بذراعها وقد بدا عليه الاضطراب، تمتم برجاء
"ما الذي تفعلينه؟ اهدئي، أرجوكِ!"
لكنها نظرت إليه بعينين مشتعلتين، وسحبت ذراعها من قبضته بقسوة، ثم تركته واقفًا في حيرته، لا يعرف أهو غاضب منها... أم من نفسه.
في الجهة الأخرى، كانت سيرشا تراقب المشهد بقلقٍ لا تخفيه. كانت عضّت على أصابعها حتى شحبت، وعيناها تتنقلان بين مانسا وأثينا. ترددت لوهلة، ثم، وكأن شيئًا ما انكسر داخلها، لحقت بأثينا.
هي وحدها تعرف هذا النوع من الخذلان... ذلك النوع الذي لا يُشفى.
اقتربت أنا من مانسا، وقلت بنبرة حاولت أن أبدو فيها هادئًا
"لا تقلق... ما حدث ليس كارثة. فتاة انتقمت من حبيبها السابق، لا أكثر."
لكن مانسا لم يجبني فورًا. ظل يحدّق في المكان الذي وقفت فيه أثينا قبل قليل، ثم قال بذهول
"شخصيتها... مذهلة. قوية."
ابتسمت بسخرية وقلت
"ليت سيرشا تصفع جوستاف هكذا..."
نظر إلي من طرف عينه، وتمتم وكأنه يبرر شيئًا داخله
"سيرشا ليست من هذا النوع... أنت تعرف، هي رقيقة."
لكنني أجبته بحدّة، نافيًا ما قال
"لا. سيرشا أقوى مما تظن. لكنها تحسب عواقب كل شيء... وهذا لا يعني أنها ضعيفة."
هزّ مانسا كتفيه بارتباك، وكأنه يعترف بعجزه عن الفهم، ثم قال
"ما أدراني أنا..."
ركضت سيرشا خلف أثينا، تخبطت قدماها بين الحصى والتراب، والريح تعبث بشعرها كأنها تعكس فوضى قلبها.
لم تكن تعرف ما تنوي قوله حين تصل إليها، لكنها شعرت بوجعها... أو هكذا ظنّت.
وجدتها أخيرًا قرب زقاق ضيق، خلف المخزن الحجري القديم، حيث اعتادت العبيد أن يهربوا من أعين السادة.
كانت أثينا تقف هناك، تستند إلى الحائط، أنفاسها متقطعة، كتفاها يرتفعان ويهبطان وكأنها كانت تركض هي الأخرى، لكن ليس من الخارج... بل من شيءٍ داخلها.
اقتربت منها سيرشا بحذر، ورفعت يدها ببطء، كأنها تواسي طفلاً يتألم.
"أثينا..."
همست باسمها بصوت خافت، لكنها توقفت فجأة.
أثينا... كانت تضحك.
ضحكة خفيفة في البداية، ثم انفجرت بها بصوتٍ عالٍ، ساخرة، متحررة، كأنها غسلت قلبها بصفعةٍ واحدة، وتطهّرت من كل قيدٍ داخلي.
نظرت إليها سيرشا بدهشة، وعيناها متسعتان وكأنها ترى امرأة أخرى، لا تلك التي كانت على وشك الانهيار قبل لحظات.
رفعت أثينا رأسها نحوها، وعيناها تشعان بقوة غريبة، وقالت بنبرة لا تخلو من لذة
"هل رأيتِ وجهه؟ كالأبله تمامًا. لم يكن يتوقعها... ولا أنا أيضاً. لكنها خرجت، دون تفكير، كما لو كانت تنتظرني منذ شهور."
تقدّمت سيرشا خطوة، وهمست
"كنت أظنكِ... محطّمة."
ضحكت أثينا مرة أخرى، وهزت كتفيها بلا مبالاة، ثم قالت
"المحطّمون لا يصفعون. المحطّمون يبكون خلف الأبواب، يكتبون الرسائل، ويتظاهرون بالقوة. أما أنا، فقد صفعته أمام الجميع... أمام كل أولئك الذين ظنّوا أنني مجرد ظل لرجل."
سكتت قليلًا، ثم اقتربت من سيرشا، وضعت كفها على كتفها برفق، وقالت بنبرة أكثر عمقًا
"تعلمين يا سيرشا... أن تكوني قوية، لا يعني أن تصمتي دائماً. لا يعني أن تتقبلي كل ما يُلقى عليكِ وكأنكِ جدار. أحيانًا، عليكِ أن ترفعي يدك... حتى لو كانت للصفع."
بدت كلماتها كصفعة أخرى، لكن في وجه الخنوع.
ارتبكت سيرشا، لم تجد ما تقول، لكنها شعرت بشيء يتحرك داخلها... شيء صغير، كأنه صوت خافت يقول "ربما حان وقت التغيير."
نظرت أثينا في عينيها، ثم ابتسمت بلطف هذه المرة، وقالت
"تذكّري هذا جيدًا، الصمت لا يمنحنا الاحترام... الجرأة تفعل."
ثم استدارت، وبدأت تمشي بخفة... كأنها أخف وزنًا بعد أن رمت حملها بصفعةٍ واحدة.
أما سيرشا، فبقيت واقفة في مكانها، تتأملها وهي تبتعد، وعقلها يعيد تكرار الجملة الأخيرة...
الجرأة تفعل.