الفصل 13
الهواء المسموم
كان قلبي مطمئنًا على نحوٍ غريب...
طمأنينة نادرة، منحَتني إياها فتاة تحمل اسم أثينا، وكأنها جاءت لتعيد ترتيب الفوضى التي خلفها العالم في داخلنا.
أصبحت مقربة من سيرشا كما لو أن القدر جمّع بين روحين انفصلتا منذ قرون. تنسج معها ألفة لا تُكتسب بالوقت، بل بالوجع المشترك.
كنا أنا ومانسا نجلس على طرف الساحة، نقتسم وجبتنا الرديئة في صمتٍ شبه مقدّس، ونتأمل من حولنا..هؤلاء الذين بالكاد تُسمّى حيواتهم "حياة"، وأعينهم بالكاد تعرف معنى الأمل.
وفجأة، ظهرت ميراي.
ركضت الطفلة الصغيرة نحونا بقلب مفعم بالحياة، تنثر طفولتها فوق ترابٍ تشبع بالموت.
ضاق مانسا عينيه بقلق، وكأنه أمام شيء لا يعرف كيف يحتويه، وهمس كمن يخشى مما سيأتي
"يا إلهي... تلك الطفلة..."
توقفت أمامنا، تلهث من الحماس، وعيناها تتلألأ كمن عثر على كنز دفين
"أخي نوح!! لن تصدق! وجدت حشرةً ملوّنة! كانوا سيقتلونها!"
فتحت كفّيها الصغيرتين بحذر، وكأنها تكشف عن أعجوبة، وهناك... بين يديها... كانت ترقد دعسوقة، حمراء النقاط، وكأن الحياة قررت أن تمنح هذا المكان الجاف لمسة من ألوانها.
قهقهتُ بهدوء، وشعرت بنوعٍ من الامتنان الطفولي، كأن شيئًا صغيرًا يمكنه أن ينقذ يومك بأكمله
"هذا بسبب المحاصيل... الأرض لم تعد صحراء قاحلة. الفضل لنا، نحن من أعدنا الحياة لها."
اقتربت ميراي من مانسا، ورفعت كفها إليه
"انظر جيدًا! أليست جميلة؟"
ابتسم مانسا على نحوٍ خفيف، نادر، وقال
"أجل... إنها كذلك."
لكن الطفلة لم تكتفِ بالنظر.
أمسكت بكفّه، ووضعت الدعسوقة فيه برقة خالصة، ثم قالت بنبرةٍ جعلت الهواء يتوقف لثانية
"سيدي... توقف عن رسم الحزن في ملامحك كلما رأيتني..."
شاهدت وجه مانسا يتوتر، كأنها طرقت على بابٍ لم يكن مستعدًا لفتحه.
"أ... أنا؟!"
"هل تكرهني؟"
"لا! البتة!"
أجاب بسرعة، كأن الكلمة نفسها تؤلمه.
ابتسمت ميراي ببساطة الطفولة وقالت
"لقد أنقذت حياتي، تمامًا كما أنقذتُ أنا هذه الدعسوقة... لذا، أنا أحب السيد مانسا."
توهّجت عيناه لحظة، كأنها أشعلت فيه شيئًا كان مطفأ منذ زمن.
مدّ يده ومسح على رأسها بلطف لم أره منه من قبل، وهمس
"ناديني أخي مانسا... لست سيدًا. أنا عبد مثلكِ."
قهقهت وهي تشير إليه بمرح
"لكنّك أشقر! و وسيم!"
رفعت حاجبيّ باعتراض مفتعل، وقلت
"وماذا عني؟"
أجابت بثقة الطفلة التي لا تساوم
"مانسا أجمل!"
رأيت الابتسامة تشق وجه مانسا وكأنها أول مرة يشعر بأنه حيٌّ بحق.
نظر إليّ بخبث المنتصر، بينما تمتمتُ بيأسٍ مصطنع
"يا لحظّي العاثر..."
نهض مانسا فجأة، كمن يتذكّر مسؤوليته
"يا إلاهي!!حان وقت العمل!"
صرخ بصوته الجهوري ينادي العبيد، واحدًا تلو الآخر بدأوا يغادرون أماكنهم، يمشون بثقل تحت الشمس، يعودون إلى ما يشبه الحياة دون أن تكون كذلك.
حملت ميراي على كتفي، وهي تضحك ضحكة طيّرت الحزن للحظات من صدري.
"ربما لستُ وسيمًا... لكنني أطول من مانسا!"
ضحكت من أعماقها وهي تصرخ
"أنا أطير!!"
وضعت كفّيها الصغيرتين على رأسي، وهمست بنبرة هادئة
"أخي نوح... حلمت أنني أطير بين الغيوم... وكنت سعيدة جدًا."
ابتسمت، وقلت لها بهدوء
"يالَه من حلم... ليتني أستطيع الطيران مثلكِ."
كنا نعمل، كما في كل يوم...
لكن شيئًا لم يكن على ما يرام.
ذلك الشيء الذي لا يُرى، ولا يُمسك، لكنه كان حاضرًا في الهواء، في العيون المتعبة، في أنفاس الأرض.
العمل بدا أثقل.
كأن الأيدي قد فقدت قوتها فجأة، والأقدام تغوص في الطين أكثر مما ينبغي.
كأن شيئًا خفيًّا شدّ أجسادنا للخلف، نحو الهاوية.
وصلنا نهاية اليوم وقد أُنهكت أرواحنا قبل أجسادنا، بالكاد نحمل أنفسنا نحو الإسطبل.
جلست إلى جانب سيرشا وأثينا، نراقب مانسا من بعيد، يصرّف العبيد كعادته بوجهٍ متماسك لا يبوح بشيء.
لكنّ سيرشا، كعادتها، كانت أول من كسر الصمت.
عقدت حاجبيها وتمتمت بتنهيدة
"كان يومًا شاقًا..."
لكن قبل أن أجيب، رأيناه.
مانسا، الذي لم يكن يلتفت لأحد عادة، توقف فجأة... تجمّد.
صراخ انطلق من بين الحشود، حادًا، يقطع الهواء
"ألا ترى حاله؟! إنه يتداعى منذ الفجر! هناك خطبٌ ما به!"
اقتربنا دون أن نشعر، بخطى مشدوهة
العبد الملقى على الأرض بدا وكأنه يحترق من الداخل.
وجهه شاحب كأن الدم قد هجَره،
العرق يتصبب منه بغزارة،
أنفاسه تتقطع، وجسده يرتعش كمن أصابه الشيطان.
قال مانسا بتوتر واضح، كأنه يخاطب نفسه
"قد يكون... رشحًا لا أكثر..."
تمتمت أثينا وهي تحدّق في العبد الممدد، صوتها خافت كأنها تخشى أن توقظه من عذاب لم ينتهِ
"مانسا... هذا الرجل لا يبدو محمومًا فقط..."
سيرشا اقتربت أكثر، ركّزت في عينيه التي اصفرّ بياضها، وقالت بصوت غريب
"عيناه... مُصفرتان. وارتجافه ليس طبيعيًا... إن جسده يهتز كما لو أنه يُنتزع منه شيء!"
مانسا تراجع خطوة.
نظر نحوي، بعينين زائغتين، يبحث عن تفسير، أي تفسير.
لكنني تمتمت بصدق مرعب
"لم أرَ حالة كهذه من قبل..."
من خلفنا، جاء صوت آخر، جافٌّ، ساخر
"ربما أكل شيئًا فاسدًا."
ثم صوت آخر، أكثر برودًا
"أو ربما... هو يموت فحسب."
لم يردّ مانسا.
ابتلع توتره، وتراجع بعينيه عن المنظر، كأن النظر للموت سيُعديه.
تمتم بحشرجة
"سأذهب... سأحاول إقناع السادة... بأي شيء، دواء، رحمة، لا يهم... غدًا، سأحاول إحضار شيء."
أمسكه صديقه من ذراعه، بعينين راجيتين
"سيد مانسا... أرجوك. نحن نعتمد عليك..."
لكن الغد أتى...
وأتى خاليًا من الحياة.
لم يُشرق الصباح على ذلك الشاب،بل وجدناه كما هو، ممددًا في مكانه..
بلا حراك...
جفّ العرق على جبينه، وبرّدت بشرته، وفارقته الحياة.
وقفتُ أمام جسده، والهلع ينهش داخلي.
سيرشا تشبثت بكفي، همست بشفاه راجفة
"كان... يحتضر أمامنا."
دلف مانسا في تلك اللحظة، وجهه كُتب عليه الندم كأن الزمان وشمه عليه.
تمتم بصوت مبحوح، لم نسمعه منه من قبل
"رفضوا إعطائي الدواء... قالوا إنه يتمارض... إنه كسول."
انهار صديقه باكيًا، كطفل فقد آخر خيط من الأمان.
ومنذ ذلك الصباح، لم تعد حياتنا كما كانت.
بدأ الموت يمرّ بيننا كنسيمٍ سام،
يسرقنا واحدًا تلو الآخر.
اللعنة...
المرض...
سميه ما شئت، لكنه كان هنا.
انهار صديقه كطفلٍ صغير، باكياً بحرقةٍ تشق القلب... لم يكن يبكي الرجل الذي رحل، بل يبكي كلّ من سيلحق به، كل من ماتت بداخلهم النجاة قبل أن تمسّهم النار.
منذ ذلك الصباح الرمادي، لم تعد الحياة كما كانت... شيء ما تغيّر، الهواء صار أثقل، الشمس لم تعد تشرق، بل تحرق. بدأ المرض ينهشنا بصمت، يسرقنا واحدًا تلو الآخر كما تفعل اللعنة حين تُطلق ولا تُرد.
كان يسقط منّا شخص كل يوم... وكأن الحياة نفسها تسحبنا من أطرافنا إلى قاعٍ لا يُرى.
بدايةً بصداع خفيف يُهمَل... ثم انقطاع شهية، غثيان، نظرات زائغة، همسات متعبة،ثم تأتيها...
تلك الرعشة التي تقتحم الجسد كعاصفة، تعصف بالعضام حتى تكاد تفتتها،يتبعها لهيب يشتعل في الدم،
وتنتهي بعرقٍ يتصبب كمن صعد جبلًا من نار.
كنا ننظف الإسطبل حين بدأ العد التنازلي لأرواحنا يتسارع... أجسادٌ تترنح، أصوات تنهيدة مريضة، وسكونٌ يخفي موتًا مؤجلًا.
وفجأة...
رأيتها.
ميراي.
الطفلة التي اعتادت أن تزرع ضحكةً صغيرة بين أنيننا، سقطت أرضًا كزهرةٍ جفّ عرقها.
جسدها الصغير بدا هشًّا، كأن الريح أطاحت به دون مقاومة.
اندفعت سيرشا نحوها، وذعرها يسبق خطواتها. ركعت قربها كمن يتلقف آخر نفس في الحياة.
صرخت بأنفاس متقطعة
"ميراي!! هل أنتِ بخير؟!"
رفعت الصغيرة رأسها ببطء، كانت شاحبة كأن الدم هجَر وجنتيها.
تمتمت بصوتٍ بالكاد يُسمع
"أشعر... بالتعب، لا أكثر..."
اقتربتُ منهما، ونظرتُ إلى عينيها الزجاجيتين، فخفق قلبي برعبٍ مألوف.
قلتُ بصوتٍ منخفض، وكأنّ النطق به اعترافٌ بالخطر
"إنها... نفس اللعنة... نفس المرض."
بدت أثينا وكأنّها رأت شبحًا، تراجعت خطوة، ثم تمتمت بصوتٍ مرتجف
"أعرف هذا... أعرف هذا جيدًا...لقد ماتت أمي بسببه...
إنها... الحمى المتقطعة."
تقدم مانسا نحونا، خطواته غير واثقة، عيناه تبحثان عن إنكار.
سأل بصوتٍ خافت، أقرب إلى الرجاء
"حمى متقطعة؟! لا يمكن... كيف وصلت إلى هنا؟!"
عضّت أثينا شفتها بقلق، ثم أجابت
"المحاصيل... ربما لم تجلب لنا سوى الخراب...
يقال إن المرض ينتقل من الهواء الفاسد، أو المستنقعات، أو من شيء لا نراه..."
صرخت سيرشا، ودموعها تهدد بالسقوط
"لكن ماذا سنفعل؟! إنها ميراي!! لا يمكننا أن نفقدها!!"
وضعتُ كفي على كتفها، محاولًا تهدئتها، رغم أن قلبي يرتجف كجسد المريضة
"اهدئي، سيرشا... سنفعل شيئًا...لابد أن هناك دواء، في مكانٍ ما...لن نستسلم قبل أن نحاول."
جاء الصوت قاسيًا، كصفعة في صمت الألم
"ما هذا التكاسل!؟ عودوا إلى العمل!"
رفعت رأسي، والدم يغلي في عروقي، لم أعد أحتمل
"سيدي!! تلك الطفلة تحتضر!! المرض يأخذنا واحدًا تلو الآخر! نحن بحاجة إلى دواء!"
ارتبك من حولي، ارتعشت الأكتاف، وتجمّدت النظرات، إذ لم يكن من المعتاد أن يرتفع صوت عبد بهذه الطريقة.
السيد لم يتأخر بالرد، عيناه اشتعلتا بالغضب، حاجباه انعقدا بقسوةٍ باردة، ثم صرخ بصوتٍ غليظ
"دواء؟! أتطالب بالدواء؟ ألَك حقّ في ذلك؟! أنتم عبيد، لا أكثر! إن أعياكم المرض، فالموت أهون لكم! هناك مئات مثلكم في الأسواق، نشتري غيركم!"
اتسعت عيناي، وقلبي انقبض من قسوة كلماته. شعرت بشيء ينفجر داخلي، شيء لا يُكتم
"وهل تُشترى الأرواح؟!!"
صرخ بقسوةٍ أكبر، كمن يريد سحقي تحت قدميه
"لا تجادل، أيها العبد! أو أمنع الطعام عنكم جميعًا!"
صمتّ...
عضضت شفتي حتى كدت أذوق دمي. لم أعد أفكر في نفسي، بل فيهم... المرضى... ميراي...
نهضت سيرشا سريعًا، وجهها شاحب، لكنها تمالكت نفسها وانحنت باحترام مصطنع
"عذرًا يا سيدي... لقد تمادى قليلًا، لن يتكرر الأمر. سنعود للعمل."
سحبتني من ذراعي، وانسحبنا بصمتٍ ثقيل.
في الخلف، حمل مانسا الطفلة ميراي، جسدها الصغير متدلٍ بين ذراعيه، وكأنها ورقة ذابلة تسقط إلى موتٍ لا رحمة فيه.
دخل بها إلى الإسطبل... إلى المكان الذي تُلقى فيه الأجساد، انتظارًا لمصير لا أحد يعود منه.
كنت أغلي. انفجرت
"سيرشا!! لماذا اعتذرتِ؟!"
نظرت إليّ، و... لأول مرة، رأيت الغضب في عينيها.
ذلك الغضب الصامت، الخائف، المحقون بالكبت والخذلان
"نوح! نحن عبيد! لا نملك حق الصراخ في وجه السيد!"
صحت بها، وحنجرتي تحترق
"الناس تموت! ميراي تموت!! أ تظنين أن السكوت سينقذها؟!"
هزّت رأسها بقهر
"وما نفع الصوت إن أفقدنا الطعام؟! أن نموت ببطء أم سريعًا، أيهما أفضل؟!"
صمتّ.
لأول مرة، شعرت أن صوتي، الذي حسبته حقًا، كان طائشًا، متهورًا... وربما، مضرًا.
همست
"آسف... لم أفكر في العواقب."
تنهدت، واقتربت. جسدها كان مشدودًا، لكن خطواتها دافئة.
ثم... عانقتني.
عناقٌ لم يكن للراحة، بل للمشاركة في القهر.
همست، وضحكت بخفة، رغم كل شيء
"لكن، حقًا... كان يستحق أن تصرخ في وجهه."
ارتبكت، تلعثمت
"س-سيرشا؟!"
رفعت رأسها، كأنها لم تفعل شيئًا، وابتسمت.
قلت متوترًا، محاولًا العودة لطبيعتي
"أنتِ... محقة."
رفعت يدها الصغيرة، وضعتها على وجهي..يدها المليئة بالكدمات والندوب...
ورغم ذلك، شعرت بنعومتها تتسلل إلى ما تبقّى من روحي.
أمسكت يدها... وابتسمت.
وفي عينيها، رأيت شمسًا صافية... في سماء لم أرها منذ زمن.
لكن... فجأة، تقلّبت ملامحها إلى قلق
"نوح! وجهك دافئ! هل يُعقل... أن المرض أصابك؟!"
قهقهت بتوتر جمّ
"سيرشا... نسيت كل الأمراض حين نظرت في عينيكِ..."
احمرّ وجهها، دفعتني بعيدًا، وصرخت متظاهرة بالانزعاج
"لنذهب! أمامنا أعمال كثيرة!"
ابتسمت، ونسيت... نسيت السبب الذي أحرق وجنتيّ فعلاً.
لكن في الليل..
حين سكن المكان وغطّى السكون أجساد المساكين...
كنت أتلّوى وحدي.
الغثيان خنقني، معدتي تقلبت كأنها تلفظ آخر قوتها.
ركضت خارجًا، وانهرت قرب الجدار، أتقيأ ما بقي من طعام اليوم.
ارتجفت أصابعي، ونظرت إلى يديّ المرتعشتين...
حينها، عرفت...
أن الموت بدأ يقترب مني، ولن يمكنني الهرب.