الفصل 14
حين ينتصر الضعف
كان جسدي يتمزق كخرقة بالية في مهبّ رياح مسمومة.
رعشة قاتلة تسللت إلى عظامي، لا تشبه البرد، بل كأن سكاكينًا دقيقة تسرح في نخاعي، تقطعني من الداخل بهدوء قاتل.
عيناي... جمرتان خامدتان، يتوهج فيهما الاحتراق الأخير، احتراق البقاء.
أما معدتي، فقد كانت تعتصرني كما لو أنها تحاول لفظ ما تبقى من حياة بداخلي، قطرة... فقط قطرة... لأرتاح.
أنفاسي.... كانت أثقل من الصخر، تتردد في الدخول، وكأن الهواء نفسه بات يخشى الاقتراب من رئتي.
وسط الضباب، وسط التهشم، لمحت وجهها.
سيرشا...
وجهها كان شاحبًا حدّ الرعب، كأن كل الدم هرب من عروقها مذ رأتني أتهاوى.
صرخت بصوتٍ مرتجف
"نوح!! لا تمت، أرجوك!"
كلماتها بالكاد وصلتني... بالكاد لامستني...
همست وأنا أبتعد عنها بنظري المثقل
"لا تقتربي... قد تنتقل العدوى..."
جاء صوت مانسا صارمًا، كأنه يأمر الحياة ألا تفرّ مني
"علينا معالجة الحمى فورًا، الوقت لا يرحم."
بهمسٍ خرج من بين الألم، سألت
"ميراي... كيف حالها؟"
أثينا ردّت بسرعة، ونبرتها تحمل قلقًا حقيقيًا
"ما زالت تعاني من تلك الرعشة الغريبة... تأتي وتذهب دون سبب واضح."
شعرت بكفٍ دافئ تلامس وجهي المتصبب... كانت سيرشا.
نظرت إليّ وكأنني على حافة الغياب، ثم تمتمت بصوت متكسر كقلبها
"لا تتركني... أنت أيضًا..."
أدرت وجهي عنها بعناء، وهمست بضعف
"لا تلمسيني، سيرشا... لا أريد أن يصيبك مكروه بسببي..."
صوت أثينا ارتفع بغضب مكبوت
"لا تلمسك؟! مانسا حملك على ظهره! وأنا سهرت الليل كله أقاتل الحمى في أجسادكم واحدًا تلو الآخر! لم نصَب! يبدو أن المرض لا يُعدي، نوح... إنه فقط يختار من يسقط."
أغمضت عينيّ... كانت رؤيتي تخبو... العالم يغرق من حولي، وصوتهم يتلاشى.
رحلوا... وتركوني أسبح في صدري المحترق.
عند الباب، وقفت سيرشا بجانب أثينا، تتشبث بكلمات غير مكتملة.
سألتها بتردد، والقلق في عينيها
"أثينا... قلتِ إن والدتك ماتت بالمرض ذاته، هل... هل كان له علاج؟"
تنهدت أثينا ببطء، ثم انهارت على الحائط المتآكل، وكأن الذكرى أثقل من قدرتها على الاحتمال.
تمتمت
"كان له علاج... مسحوق يُستخلص من لحاء شجرة نادرة. يُغلى، يُصفّى، ويُشرب دافئًا. لكنه نادر... وثمنه باهظ."
قالت سيرشا بلهفة لم تخفِ ارتجافها
"رأيت السادة يشربونه... يحمون أنفسهم به من العدوى!"
أثينا أغمضت عينيها، ثم قالت بحزن عميق
"حياتهم... أفضل من حياتنا بألف مرة."
ولأول مرة... لم تكن كلمات الاستسلام كافية لتمحو الشرارة التي اشتعلت في عيني سيرشا.
مرت الساعات كأنها دهر، والغضب يتجمع في صدرها مثل نار تحت رماد، تكاد تتفجر في أي لحظة.
كل دقيقة تمر، قد تعني موتًا جديدًا... روحًا أخرى تُزهق تحت وطأة الانتظار.
لكنها لم تحتمل أكثر.
في عمق الليل، حين تنام العيون ويغفو الحراس وتختبئ الهمسات، خرجت سيرشا وحدها... تمضي نحو المكان الذي لم تطأه أقدام العبيد قط، حيث تُنسج الرفاهية من أعمار الآخرين.
بيوت السادة...
البيوت التي بُنيت من شقائنا، وغُذيت برماد أحلامنا.
كانت خطواتها مترددة، والذعر يتسلل إلى قدميها في كل حركة، لكنها لم تتوقف.
شيء ما في صدرها كان أقوى من الخوف... أقوى من أي منطق.
اقتربت، حتى لمحَت نافذةً واسعة مفتوحة... من خلفها، يتسلل ضوء خافت.
مدّت رأسها بحذر، تراقب.
رجلٌ مسن... يغطّ في نومٍ عميق، فوق سريرٍ وثير، لم تذق سيرشا مثله يومًا.
ذلك الدفء... لم تعرفه إلا في خيالها، في لحظات نادرة من الأحلام.
كان يشخر، وصوته يملأ الغرفة. بطنه ممتلئة بعشاءٍ فاخر، بينما يتضور غيره جوعًا.
النافذة كانت كبيرة... كافية لتدخل منها.
تسلقت بهدوء، والذعر ما زال يسكن ملامحها، لكن التصميم في عينيها خنق كل تردد.
دخلت... بخفة أطراف أصابعها، تتسلل وكأنها شبح.
بين أنفاسه المتثاقلة، وجدت ما جاءت لأجله.
كيس صغير، يحوي مسحوقًا ثمينًا... علاجًا لا يُمنح للفقراء.
اقتربت منه بتباطؤ، قلبها يخفق بعنف، وكفها ترتجف وهي تمتد نحو الكيس.
للحظة، تحرك الرجل في نومه، تحركت جفونه، زفر بقوة...
تجمدت سيرشا في مكانها، كأن الهواء اختفى.
لكن... لم يستيقظ.
ثقل غفلته كان أكبر من حضورها.
ببطء، انتشلت الكيس... وخرجت، تسابق الريح.
ركضت والليل يفتح ذراعيه لها، وبين يديها الأمل... خلاص من يحتضرون.
لكنها لم تكن وحدها.
من بعيد، خلف ستارة رقيقة، كانت هناك عيون صغيرة تراقبها.
طفل صغير... أحد أبناء السادة، بعينين واسعتين، خاليتين من الشر، لكن حاضرتين.
لم تعرف.
واصلت ركضها حتى وصلت إلى الإسطبل.
كان مانسا واقفًا هناك، وإلى جانبه أثينا... لم يناما، وكأن القلق سرق النوم من جفونهما.
وحين رأوها، يداها تمسكان بالكيس كأنه كنز، تجمد الزمن للحظة.
صرخت، والنار تتقد في صوتها
"أحضرت العلاج!!"
اتسعت عينا أثينا، وخرجت الكلمات منها متقطعة، مشوبة بالذهول
"أنتِ... مجنونة..."
أما مانسا، فقد ابتسم ابتسامة صغيرة، وفي عينيه لمع ضوء لا يُوصف... مزيج من الخوف والفخر واليقين.
قال بصوت مفعم بشيء يشبه الحياة
"لا عيب في الجنون!! لنبدأ بتحضير العلاج!"
...
تسلل دفءٌ خافت إلى أوصالي...
كأن شيئًا ناعمًا، غير مرئي، يوقظني من قاع الغيبوبة.
فتحتُ عيناي ببطء، والعالم بدا ضبابيًا في البداية... ثم بدأت ملامحه تتشكل، شيئًا فشيئًا، حول وجهٍ أعرفه جيدًا.
كانت سيرشا، تجثو إلى جانبي، تحتضن رأسي بكفٍ مرتجفة، وفي الأخرى تعصر سائلًا دافئًا بين شفتيّ، كأنها تُطعمني الحياة بيدها.
حين التقت نظراتنا، لمعت عيناها بوميضٍ يائس من الفرح، وانفرجت شفتيها عن ابتسامة تشبه البكاء
"نوح...!"
همست، ودموعها تتراقص فوق وجنتيها
"لقد استيقظت أخيرًا!"
تمتمتُ بصوتٍ بالكاد خرج من بين شفتيّ الجافتين
"سيرشا... ما هذا الشيء؟"
ضحكت بخفة، كمن خفَّ عنه حملٌ ثقيل
"دواء...! هل تشعر بتحسن؟"
بذلتُ جهدًا لأرفع جسدي... وهذه المرة، استطعت الجلوس دون أن يسقط العالم من حولي.
حينها، رأيتهم... رأيت الوجوه التي ظننتها لن تبتسم مجددًا، تعود إلى الحياة.
البعض يضحك، البعض يبكي، والهواء بدا مشبعًا بشيء يشبه الأمل...
لأول مرة، منذ زمن، شعرتُ أن الحنين لا يوجع.
ثم رأيتها...
ميراي!
ركضت باتجاهي بقامةٍ صغيرةٍ تهتز، وارتطمت في حضني.
"أخي نوح!!"
صاحت، وهي تختبئ في صدري.
قهقهتُ بخفة، رغم التعب، وربتُّ على شعرها الأشعث
"علمتُ أنكِ أقوى من الموت."
إلى جانبنا، كانت أثينا ومانسا يتنقلان بين المرضى، يقدمان الرعاية والصمت، كأنهم جزء من معجزة حدثت بينما كنت غائبًا عن العالم.
نظرتُ إلى سيرشا... كانت تنظر إلينا جميعًا، بصمتٍ مطمئن، بعينين امتلأتا بالراحة.
وضعت كفها فوق يدي، وهمست
"من الجيد أن الجميع بدأ يتعافى..."
ابتسمتُ لها، والامتنان يعصف بقلبي
"الفضل يعود لكم، أنتم الثلاثة... لكن، من أين حصلتم على الدواء؟"
تغيرت نبرة وجهها، وترددت...
"أوه..."
همست وهي تخفض عينيها
"في الواقع..."
صمتٌ ثقيل لفَّ اللحظة.
ثم ابتسمت بسرعة، ابتسامة قلقة، وشدت على يدي
"لا تشغل بالك... حصلنا عليه بعد عناء طويل."
عقدتُ حاجبيّ، شيءٌ في ردّها لم يكن مريحًا.
نظرت إلى مانسا، الذي لمح تساؤلي، فابتسم ابتسامةً هادئة
"لقد عدتَ للحياة أخيرًا، وهذا ما يهم الآن."
أطلقتُ زفرةً عميقة، ونهضت ببطء، بينما كان الجسد يتذكر ثقله.
نظرت إلى سيرشا مرةً أخرى... كانت ملامحها هذه المرة لا تطمئنني فقط، بل تطمئن نفسها أيضًا.
كأنها كانت تنتظرني أفيق... لتسمح لقلبها بأن يستريح أخيرًا.
كان النهار مشمسًا على نحوٍ يخالف عبوس الأيام الماضية. ضوء الشمس انسكب على الأرض الجافة، وكأنه يحاول أن يوهمنا بيومٍ عادي. خرجنا كعادتنا، نجرّ أجسادنا نحو العمل، وهذه المرة، وُكل إلينا تنظيف الإسطبلات.
كنت واقفًا بجانب مانسا، كعادتنا نعمل بصمت، نكتم التعب والكلام. لكنني لم أستطع كتم السؤال الذي يغلي داخلي. التفتُّ إليه فجأة وسألته بنبرة مباشرة
"كيف أحضرتم الدواء؟"
رمقني بنظرة متذمرة، ونفخ من أنفه وهو يتمتم باستياء
"أما كان بوسعك أن تصمت وتكون ممتنًا؟"
أربكني ردّه. لم تكن طريقته المعتادة في الحديث... شيء ما خلف كلماته كان مضطربًا، متوتّرًا، وكأن جمرةً تختبئ خلف صوته الهادئ. رفعت حاجبيّ بامتعاض
"جديًا؟ لا تفرغ توترك عليّ. أريد أن أفهم فقط. السادة رفضوا إعطائنا الدواء، وأنت وحدك من كان بإمكانه إقناعهم. هل فعلت؟ هل تحدّثت إليهم؟"
خفض نظره، ووضع كومة القش التي بين يديه جانبًا، كأنها باتت عبئًا ثقيلًا. صمته كان أطول من المعتاد، حتى قال أخيرًا بصوت خافت
"نوح... أقسم أني لم أطلب منها ذلك."
"من؟ عمن تتحدث؟"
قالها ببطء، كأنه لا يصدقها حتى الآن
"سيرشا... هي من أحضرته."
شعرت كأن الأرض انزاحت من تحت قدمي.
"سيرشا؟ كيف؟"
قال بنبرة متوترة، عينيه لا تجرؤان على ملاقاتي
"تسللت... وسرقته."
تسمرت في مكاني، الدهشة تشل أطرافي. أردفت بصوت مبحوح
"منذ متى أصبحت سيرشا بهذا الجنون؟"
تركت كل ما في يدي واندفعت أبحث عنها... وجدتها قريبة، تعمل بهدوء كأن لا شيء حدث. وعندما رأتني، ابتسمت... تلك الابتسامة العذبة التي لا تحمل ذرة ندم.
اقتربت منها، سألتهًا بانفعال
"لماذا فعلتِ ذلك؟ لماذا خاطرتِ بنفسك؟"
همست بخفة وهي تواصل عملها
"لا تقلق... لم يرَني أحد."
لكن لم تمضِ لحظات، حتى دوّى صوت السادة من بعيد
"فليجتمع العبيد في الساحة!"
تجمد الدم في عروقي. التفتُّ نحو سيرشا، وكان الهلع قد استقر في عينيها، برغم إنكارها السريع.
"هل يُعقل... أنهم عرفوا؟"
هزّت رأسها نفيًا بسرعة، لكن جسدها المرتعش فضحها.
تجمّعنا في الساحة الرئيسية، أنفاسنا محتبسة، وخطانا مترددة. الريح تلفح وجوهنا المتعبة، والغبار يرقص فوق الأرض المتشققة، وكأن الطبيعة تستعد لشهادة جديدة من الألم.
وهناك، في منتصف الساحة، وقف السيد العجوز. بين يديه، كان الكيس... الكيس ذاته الذي كان يحوي الدواء. أمسكه كمن يحمل دليلاً على جريمة خيانة كبرى، وصرخ بصوتٍ دوّى في أرجاء المكان
"من سرقه؟!! حفيدي رآه... لكنه لم يتمكن من تمييز ملامحه!"
ارتجف جسدي لا إراديًا. التفتّ إلى سيرشا، فرأيت عينيها متسعتين، كأن صدمة ما أصابت روحها قبل جسدها. كانت هناك... لكنها لم تكن حاضرة. شيء فيها انكسر لحظة سمع صوته.
خيم الصمت على المكان، ولم نعد نسمع سوى صوت الرياح، تلفّ أجسادنا الهزيلة وتقرصها كالسياط.
ثم صرخ مجددًا، بصوت أعلى، أكثر غضبًا، أكثر تهديدًا
"إن لم يعترف الفاعل، ستنالون العقوبة جميعًا!"
كأن الكلمات جرّتني دون وعي إلى الأمام، لم أعد أسمع شيئًا سوى خفقات قلبي المجنونة. تقدّمت خطوة، وصوتي يتعثر من التوتر
"سيدي... أنا—"
لكن يدًا قوية أمسكت بي فجأة، جذبتني بعنف للوراء. نظرتُ، فكانت سيرشا. تقدّمت هي بدلاً عني، لأول مرة، تتقدم أمامهم كلهم. لم يكن الخوف في عينيها، لكنه كان واضحًا في نبرة صوتها المرتعشة، التي بالكاد خرجت
"أنا... أنا من سرقته."
ارتجّت الساحة. تجمّد الجميع، أنفاسهم عالقة في حناجرهم. حدّقت بها مذهولًا، وهمست برجاء
"لا... لا تفعلي هذا، أرجوكِ..."
لكنها تجاهلتني، ورفعت رأسها نحو السيد بصوتٍ أقوى، تملؤه الحقيقة، والتضحية
"دخلتُ بنفسي، من النافذة، في منتصف الليل. وأخذت الدواء من غرفتك. حفيدك رآني. أظن أن الأمور باتت واضحة الآن."
ثم خفضت رأسها، وقالت بصوت مبلل بالرهبة:
"لا داعي لتوريط الأبرياء."
تجهّم وجه السيد، وتقدّم خطوة نحوها، قال بسخرية لاذعة
"يال جرأتكِ... أراهن أنكِ لن تمانعي أن تتلقي العقوبة على مرأى الجميع."
هزّت رأسها نفيًا... ثم ابتسمت.
كانت ابتسامة مرتعشة، هزيلة... لكنها حقيقية.
"ما دام الجميع سيبقون سالمين... فليكن."
فجأة، انقضّ الحرس عليها، أمسكوا بها بلا رحمة وطرحوها أرضًا. هممت بالركض إليها، لكن مانسا أمسك بي بقوة، شدّني نحو الوراء، عينيه تلمعان بذعر لا يقل عن ذعري. كان في عينيه حزنٌ عميق، كأنه يعرف ما سيحدث ولا يستطيع منعه.
صرخت، وقلبي يحترق
"سيرشا!!! لماذا؟!! لماذا تفعلين هذا؟؟!!"
لكنها لم تلتفت.
لم تجب.
ثم... ارتفع السوط في الهواء، وانهال على جسدها الصغير كوحش ينهش فريسته.
رأيت جلدها يتمزق، والدم يخطّ على ظهرها علامات الألم. كل ضربة كانت تمزقني معها. صرخت من أعماق قلبي
"توقّف!! أتوسل إليك، توقف!! لا تؤذها!!"
لكن مانسا شدّني بقوة، لم يسمح لي بالتحرك. لم يسمح لي حتى أن أشاركها الألم.
رأيت دموعها... لم تسقط، بل تجمعت عند أطراف رموشها المرتعشة، تصارع الجاذبية... كبرياؤها كان أقسى من الألم.
ضربة... ثم أخرى... ثم أخرى.
وصوت السوط... لم يكن مجرد صوت جلدة تُضرب، بل كان صدى قلب يُكسر، حلم يُمزق، حياة تُهان.
حتى هي... التي لطالما وقفت شامخة رغم كل شيء... سقطت.
وسقطت معها كرامتنا، أملنا، كل ما تبقّى فينا من مقاومة.
والأرض، تلك الأرض الباردة، احتضنت دمها الحار بصمتٍ خبيث.
سقطت معها كل الكلمات التي لم أقلها، كل الأشياء التي كان عليّ أن أفعلها، كل اللعنات التي لم أُطلقها بعد.
شعرتُ بجسدي يتجمد، وكأنني أنا من تلقّى الضربات، لا هي. كأن صوت السوط الذي مزق لحمها، مزق قلبي أيضًا، وتركه ينزف بلا صوت.
رأيتها ممددة على الأرض... خصلاتها مبعثرة، ودمها يتسلل من تحتها كأنه يحاول الفرار من هذا العالم. لم تتحرك، لكنّها ما زالت هناك... لم تختفِ بعد، أليس كذلك؟ ما زالت تتنفس... أليس كذلك؟
لم أكن أعلم أن سقوط شخص واحد، يمكن أن يُسقط مدينة كاملة داخل صدرك.
"لماذا فعلتِ هذا؟"
كنت أصرخها داخلي، مرارًا، وكل مرة يرتدّ صوتي إليّ أضعف من قبل.
لم أعد أشعر بشيء... لا بيديّ، لا بساقيّ، لا بوجودي أصلًا. مانسا كان لا يزال يمسكني... لكنني ما عدت أقاتل. ماذا أفعل بيديّ إن لم أستطع أن أُبعد السوط عنها؟ ماذا أفعل بقدميّ إن لم أستطع أن أركض إليها؟
كل ما كنتُه... سقط معها.
سيرشا...
لماذا كنتِ أنتِ الوحيدة التي تملك الشجاعة؟
ولماذا كنتُ أنا... الوحيد الذي تأخر دائمًا؟
لو فقط...
لو فقط استطعتُ أن أسبقكِ......