الفصل 15
عاقبة الخير
الليل...
تلك اللحظة التي تتشح فيها السماء بردائها المخملي المرصّع بنقاط الضوء، حيث يتوارى القمر خلف ستارة الغيم كطفلٍ خجول يختلس النظر.
عند البئر، جلست سيرشا، والصمت يلفها كوشاحٍ ثقيل. جلستُ بجانبها، والدلو لا يزال يتأرجح في يدي بعد أن انتشلته للتو.
مددت يدي بالمنشفة المبللة، أمسح جراحها برفق، أزيح عن بشرتها الدم اليابس كما لو أنني أحاول محو أثر الألم نفسه.
لكن صوتها ظل غائبًا، وكأن الصمت قد استوطن حنجرتها.
تمتمتُ بصوتٍ خافت، كمن يخشى أن يوقظ جرحًا
"ما كان عليكِ الاعتراف..."
رفعت رأسها، نظرت إليّ بعينيها العسليتين، وارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة، تكاد تسقط من ثقل الألم.
"وهل يجب أن تكون أنت دائمًا البطل الذي يضحي؟"
لم أجد ردًّا... الصمت وحده كان جوابي.
أشاحت بنظرها جانبًا، وهمست
"شكرًا... لأنك حاولت الدفاع عني."
ارتعشت شفتاي وأنا أتأملها.
جسدها يرتجف، ملامحها مرسومة بالألم، ومع ذلك.... تسللت إلى فمها ابتسامة أنقى من الريح، ابتسامة تحاول إخفاء وجعها، لكنها تزيد وجعي عمقًا.
شيء ما في صدري انقبض بشدة...
أهذا حبٌ يخلع عني صلابتي؟ أم أن لطفها يفتت عنادي؟
لم أشعر إلا بسخونة تندفع إلى وجهي... دموعٌ خانتني بعد غيابٍ طويل، ووجدت طريقها إلى خدي لأجلها.
فوجئت بارتعاش عينيها وهي تحدق بي، كأنها رأت أمامها جثةً لا رجلًا يبكي.
"نوح!!... أنت... تبكي؟!"
تمتمتُ بصوتٍ متكسّر، وأنا أحاول مسح دموعي بعنادٍ مرتبك
"لا! ولماذا قد أبكي؟!"
لكن حين التقت عيني بعينيها، رأيت دموعها هي أيضًا قد تبرعمَت هناك، تكاد تسقط.
تمتمتُ وأنا أشعر أن نظرتها تسرق مني كل ما تبقى من قوتي المصطنعة
"سيرشا... لا تبكِ، أرجوكِ. كل ما حدث هو خطئي... لو لم أسقط... لو أنني أنا من سرق العلاج..."
هزت رأسها نافية، والغضب يتوقد على ملامحها
"لا تُلقِ بنفسك في النار من أجلي! أنا من قررت سرقة الدواء، وأنا من تحملت العقوبة، وها أنا حيّة!"
همستُ ببطء
"لكنكِ تتألمين..."
"لكني لا أزال حية..."
زفرتُ بصمت، ثم نظرت إليها، إلى ذلك العمق الدافئ في عينيها.
ابتسمت، وامتزجت ابتسامتها بضحكة صغيرة خرجت من بين الألم
"تلك أول مرة أرى فيها أحدًا يبكي لأجلي..."
قطبتُ حاجبيّ
"لا تخبري أحدًا... أرجوكِ."
"لا بأس، أيها الطفل الصغير."
أحرقتني الكلمة، جَرَحت كبريائي، لكن ابتسامتها أعادت إليّ شيئًا من روحي.
وضعت رأسها على كتفي، وصوتها جاء من مكانٍ بعيد، يختلط فيه الحنين بالخذلان
"منذ صغري، لم يخترني أحد... لم يحزن أحد علي، ولم يفرح لأجلي. لم أرَ الحب في عيني أمي، ربما لأنها كانت غارقة في هجر زوجها لها... لم أرَ شيئًا في عيني جوستاف، ربما لأنه تبع نواياه ولم يتبعني. لم أجد سيدًا يشفق على حالي، ولا عبدًا يرغب في بقائي..."
ثم رفعت عينيها إليّ، وهمست بابتسامةٍ خافتة
"لكنك مختلف."
رفعت رأسي قليلًا، وهمست
"نحن مختلفان... لقد حظيتُ بعائلة تحبني، وأصدقاء يملؤون حياتي... لكنني خسرت كل شيء."
ضحكت بخفة
"لهذا السبب نحن معًا الآن! حظنا عاثر يا نوح!"
"فليكن عاثرًا..."
قلتها بابتسامة باهتة
"المهم أن تبقي بجانبي."
كانت خطوات سيرشا تستعيد قوتها شيئًا فشيئًا، كأن جسدها بدأ يتذكر كيف ينهض من رماد الألم. ومع ذلك، لم يكن الشفاء كافيًا ليمحو الغيمة التي بدأت تتشكل حولها. كان الهواء من حولها مشحونًا بشيء خفي… نظرات تلاحقها، بعضها ينسحب سريعًا حين تلتفت، وبعضها يظل مغروسًا في ظهرها كالإبر. سيرشا… كتلة النقاء والنور، أصبحت تُحاط بنظرات لا تشبه الامتنان، بل… الاشمئزاز.
كنا نتناول الغداء بعد ساعات العمل الطويلة، نمشي متجاورين بينما تتبعنا ميراي بصمت. لم يكد يكتمل هدوء اللحظة حتى اصطدمت سيرشا بامرأة غريبة تحمل بين يديها رغيف خبز يابس، بدا وكأنه كنز انتزعته بشق الأنفس. سقط الخبز في التراب الموحل، فارتفع صوت المرأة حادًا مرتجفًا
"ما بالكِ؟!! بالكاد حصلتُ عليها!"
ارتبكت سيرشا، تلعثمت
"أ.. آسفة!"
ثم مدت يدها إلى طبقها بهدوء، أخرجت رغيفها الخاص، وقد ارتسمت على ملامحها تلك الابتسامة الصافية التي لم تُخمدها الأيام بعد.
"يمكنكِ أخذها، إنه خطئي."
لكن المرأة تراجعت خطوة، كأنها رأت بين يدي سيرشا سمًا لا طعامًا، وانكمشت ملامحها باشمئزاز
"لا أريد!"
واستدارت مسرعة، تهرب وكأن قربانًا نجسًا وُضع بين يديها. حينها لم أتمالك نفسي، أمسكت بمعصمها بقوة، وصوتي يشق الساحة
"ما هذا الأسلوب القبيح؟!!"
ارتجفت عيناها حين التقتا بعيني، لكن قبل أن أزيد، كانت سيرشا تحاول سحب ذراعي وهي تقول بارتباك
"نوح… لا داعي للجدال."
"بل هناك داعٍ!"
صرخت بها وأنا أواجه المرأة
"اعتذري من سيرشا الآن!"
انتزعت يدها مني بعنف، وصاحت متحدية
"ولماذا أعتذر؟! كل ما في الأمر أنني لا أريد قبول الطعام من سارقةٍ قذرة!"
شاهدتُ جسد سيرشا يرتعش، عينيها تتسعان كما لو طعنتها كلمة في صميمها. تمتمت بذهول، كأنها تعيد الكلمة على نفسها لتتأكد أنها سُمعت حقًا
"أنا… سارقة؟"
صرخت أنا غاضبًا، نبرتي تعلو فوق همسات الحشد
"سارقة؟! أتصِفين من أنقذت حياة الجميع بسارقة؟! لولا تضحيتها، لما كنتِ أنتِ أو غيرك على قيد الحياة الآن!"
خطت سيرشا خطوة إلى الأمام، وضعت يدها على كتفي محاولة تهدئتي
"نوح، اهدأ…"
لكنها رفعت عينيها نحو المرأة، وابتسمت… ابتسامة لم أرَ مثلها من قبل. لم تكن دفئًا، ولا حتى برودًا؛ كانت مزيجًا مرًّا، كأنها حُبكت من حقدٍ قديم وصدقٍ لا يخجل.
قالت بصوت هادئ، لكنه يخترق أكثر من الصراخ
"هذا صحيح… قد أكون سارقة، لكنني سرقت الحق من بين أنياب الباطل، وواجهت به الظلم. أنا لا أنكر الجميل ولا أدفنه… وأنتِ، عليكِ أن تتعلمي و تحترمي التضحيات أكثر."
تصلبت ملامح المرأة، وكأن كلمات سيرشا صفعتها أمام الجميع. ارتجف فكّها وهي تلتقط أنفاسها، ثم أطلقت ضحكة قصيرة متهكمة، تحاول بها إخفاء ارتباكها
"احفظي عظاتكِ لنفسكِ…"
ثم أدارت ظهرها بعنف، وانسدلت بين الحشد بخطوات سريعة، تاركة وراءها صدى كراهيتها.
كنت اتأملها بعيني ضيقتين...ابحث عمّا تبقى فيها من خير...
و لم يبقى شي
اردفتُ بنبرةٍ غُلفت بالكره
"هؤلاء لا يردّون المعروف، بل يدفنونه تحت ركام التهم، حتى يبدو الخير جرمًا."
نظرت إلي بطارف عينها،ثم اجابت بهدوء مفعمٌ بالثقة
"حتى لو كان خيري جرمًا...فقد كان خير الجريمة"