الفصل 16
شارةٌ في الرماد
كنا نعمل ليلًا ونهارًا كما اعتدنا، أجسادنا مستنزفة حتى آخر قطرة من طاقتها، لكننا نتمسك بالخيط الأخير من المقاومة كي لا نسقط.
حينها رأيتها... ميراي، طفلة لا تكاد قدماها تثبتان على الأرض، تتعثر وهي تحمل سلة قش أكبر من حجمها، متجهة نحو الإسطبل لترتب الفوضى التي لا قدرة ليديها الصغيرتين على ترتيبها.
خطوت نحوها بلا وعي، لكن صوت مانسا اخترق صمتي كصفعة
"نوح، إن رآك أحد السادة تساعدها، ستجلب الهلاك لنفسك!"
تمتمت متردّدًا، والشفقة تخنقني
"لكنها طفلة... مسكينة، لا حول لها ولا قوة."
أجاب بجفاف قاتل
"وهي عبدة، كما نحن جميعًا عبيد. لا تدع عاطفتك تسرق منك ما تبقّى من صبرك... ركّز على عملك."
لم أجد ردًا، لكن خطوات أخرى جاءت تقطع حديثنا؛ كانت أثينا، تلوح بعينيها الضيقتين ونبرة ضجر
"كفاك ثرثرة يا مانسا، مللتُ من انضباطك المملّ."
إلى جوارها كانت سيرشا، متوترة كمن يحمل سرًا أثقل من قدرته. اقتربت، وهمست بصوت خفيض يكاد يختنق بالقلق
"لن تصدقوا من كان يصرخ قبل قليل..."
عقد مانسا حاجبيه بحدّة
ــ "لا تقولي إنه ذلك العبد المجنون!"
ارتفعت دهشة أثينا وهي تسأله
"كيف عرفت؟"
غطى وجهه بيده، وكأن اللعنة سقطت عليه مسبقًا
"ليس مجددًا... إن ظهر، فستحلّ علينا الكوارث بلا شك."
قهقهت أثينا باستهزاء، كمن يحاول إخفاء خوفها بالسخرية
"أنت تصدق أنه يرى المستقبل؟ لو صدقته، فستصبح مجنونًا مثله."
تدخلت وأنا أرفع كتفيّ بلا مبالاة مصطنعة
"كفاكم أوهامًا... لا أحد يرى المستقبل. هذه مجرد خرافات."
لكنني لم أستطع تجاهل الذعر المرسوم على وجوههم، وكأنهم يصدقون ما يسخرون منه.
وفجأة، شعرت بجسدي يرتطم بشيء خلفي. استدرت مذعورًا... كان رجلاً مسنًا.
تلعثمت
"س... سيد...؟"
لكن ثيابه الرثّة خانت ظنوني؛ لم يكن سيدًا، بل عبدًا مثلنا.
زفرت مرتاحًا ولوّحت بيدي ضاحكًا بارتباك
"أفزعتني أيها العجوز! ظننتك سيدًا جاء ليعدمنا!"
اقتربت سيرشا بخطوات حذرة، تسأل بقلق
"هل تحتاج إلى مساعدة؟"
التفت نحوها مبتسمًا، ففتحت فمي لأمزح معها، لكن فجأة قبض على وجهي بكلتا يديه!
شدّ رأسي بعنف، وصوّت أنفاسي يتسارع. أصابعه تتحسس ملامحي، بينما عيناه الغريبتان تحدّقان في الفراغ... لم تكن عيونًا، بل غموضًا شاحبًا يطفو في محجرين ميتين.
قال بصوت مبحوح، كأنه قادم من هوّة بعيدة
"ملامحك جميلةٌ يا فتى..."
اتسعت عيناي رعبًا، وانتزعت نفسي منه متراجعًا حتى احتميت خلف مانسا، أصرخ
"ماذا تريد مني بحق السماء؟!"
صفعني مانسا على رأسي بعصبية
"أيها الأحمق، أنظر جيدًا! إنه أعمى."
شهقت سيرشا، وراحت تحدّق في عينيه كطفلة أمام لغز، كأنها ترى فيه شيئًا عجيبًا لا كارثة.
أما هو، فظل مبتسمًا ابتسامة عريضة رغم قسوة ملامحه، وقال بهدوء غريب
"جميل ان تحتفظوا بالشرارة في قلوبكم،في زمنٍ يحاول رماد العالم أن يخمدكم...أنتم أقوى مما تظنون"
حين تقدمت سيرشا بخطواتها المترددة، انحنت قليلًا وأمسكت بيد الرجل المسن، وكأنها تحاول أن تسنده من ثقلٍ لا يراه أحد سواه. ارتجف صوتها وهي تسأله بقلقٍ صادق
"متى جئت؟! وكيف تعمل وحدك بهذا الشكل؟!"
رفع رأسه ببطء، وعلى وجهه بقايا إرهاقٍ قديم، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وهو يجيب
"لم يمض وقت طويل... قالوا لي إنني إن انتهيت من حرث هذا الحقل، سينالني العتق... وأخيرًا سأتمكن من لقاء ابني في الخارج."
ساد صمت قصير، تبادلنا خلاله النظرات المذهولة. تلفتتُ نحو الحقل الممتد أمامنا... أرضٌ أنهكناها منذ أشهر، زرعناها، نبتت سنابلها، وها نحن الآن نحصد غلتها. ومع ذلك، ظل الرجل يحرثها وكأنها ما زالت بكرًا لم تُمس.
همست سيرشا بشفقة مرتجفة
"سيدي... هل تعتقد أن هذه أرضٌ جرداء؟"
أجاب ببساطة مؤلمة
"هذا ما أخبروني به."
ارتعشت اثينا، وضمت يديها إلى صدرها وهي تهمس
"يا للفظاعة... لقد خدعوه."
لكن سيرشا شدّت على يد الرجل، وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة حنونة تحاول أن تخفي ارتجاف شفتيها
"لا تقلق، سيدي... ستحصل على حريتك قريبًا جدًا، أعدك بذلك!"
ثم التفتت إليّ بعزم و همست
"لنساعده، فلنتركه يصدق حلمه."
عرفتُ أنها تكذب، تكذب لتزرع وهمًا صغيرًا في قلبٍ هش، لكنها كانت تفعلها بنقاءٍ لا يخلو من شوائب الحاجة إلى الأمل. تقدمتُ بخطوات بطيئة وقلت بسخريةٍ جافة
"هيا إذًا أيها العجوز."
انتفضت سيرشا بغضب، وصاحت بي
"نوح! لا تخاطبه بهذا الأسلوب!"
لوّحتُ بيدي بلا مبالاة، ورددت
"وماذا إذًا؟!"
لكن الرجل قاطعنا، وضحك بضحكةٍ قصيرة أكلها التعب وقال
"نادوني... إلياس. لا داعي لكل هذا الجدال."
انتقلنا إلى الساحة الرئيسية... كان وقت الغداء قد حلّ.
صفوف طويلة امتدت أمام القدور النحاسية الكبيرة، وكلّ منا يحمل طبقًا خشبيًا، ننتظر حصتنا من الطعام كما لو أننا ننتظر خلاصًا صغيرًا من الجوع.
كانت سيرشا تمسك بذراع العجوز إلياس لتقوده، وابتسامة الأمل المرتجف ترتسم على ملامحها وهي تهمس له
"ربما هذه المرّة... سيكون الطعام أفضل طعمًا!"
ثم انحنيت إلى مستواها، وصوتي تحول إلى سرّ صغير
"هناك أطعمة ألذ بكثير من الحبوب المنقوعة بالماء المالح... مثل العسل بالخبز!"
عيناها اتسعتا بدهشة طفولية
"عسل؟ لم أجربه في حياتي!"
ضحكت بخفة وقلت
"سأجعلك تتذوقينه يومًا ما.انه لذيذ بالفعل!"
لكن صوت أثينا اخترق اللحظة من الخلف، جافًا كالعادة
"إنه حلوّ للغاية، لا أحبه!!"
تجعد جبيني بدهشة، فأجبت
"هناك من يخلطونه مع مكونات احلى فيصبح مذاقه..."
ثم توقفت فجأة، ونظرت إليها بريبة
"لحظة... كيف تعرفينها؟!"
قبل أن تنطق، ارتطم بي كتف رجل ضاق صبره، ودفعني صارخًا
"تحرك أيها الفتى! نريد أن نأكل!"
صرخت بانزعاج
"حسنًا! لا تدفع!"
تقدمت لأستلم طبقي... وما صعقني لم يكن سوء الطعام، بل قلته. لم تملأ الملعقة الخشبية سوى حفنة هزيلة بالكاد تساوي ملعقة صغيرة.
صرخت بحدة
"ما هذا بحق السماء؟! أين الكمية التي كنا نحصل عليها؟!"
همست سيرشا بقلق وهي تلمس يدي
"نوح، لا توقعنا بالمشاكل..."
لكنني استدرت نحوها بعينين تشتعلان غضبًا
"كنا نحصل على وجبة أكبر من هذا!"
رفع الطباخ رأسه بتململ وأجاب ببرود
"المحاصيل شحيحة... أغلبها يذهب للسادة. هذا ما تبقى لكم."
من الخلف ارتفع صوت امرأة منهكة، تحمل طفلًا على صدرها
"لكنني مرضعة! أحتاج طعامًا أكثر من ذلك!"
صرخ أحد الحراس بفظاظة
"وما شأننا؟! لا أحد أجبركِ على الإنجاب في ظروف كهذه!"
في تلك اللحظة، لمحت سيرشا وهي تأخذ جزءًا من طعامها الصغير، وتضعه في طبق ميراي الصغيرة. استلمت ميراي الطبق بفرح طفولي وبدأت تأكل كما لو أنها أمام وليمة عظيمة.
عضضت على شفتي وكتمت غضبي، ثم انفجرت
"كل شيء يذهب للسادة!! ونحن... ماذا نحن؟ مجرد أيدٍ عاملة؟!"
وقبل أن أكمل، دوّى صوت غريب، حادّ كالسوط
"هدوء!!!"
التفتنا جميعًا، وكان مانسا واقفًا. وجهه يفيض بالغضب، عينيه مشتعلة بالحقد. ملامح لم أرها من قبل، كأن شيئًا انكسر داخله.
صرخ
"كلٌّ يرضى بوجبته الآن! سأجد حلًا بأسرع وقت ممكن!"
ردّ عليه رجل من الصف بسخرية
"وماذا ستفعل؟! تناقشهم وتخسر كالعادة؟!"
وانفجرت امرأة أخرى
"لا بد أنك تأخذ حصةً أكبر من حصصنا!"
صرخ مانسا بوجهها، صوته يهتز
"أنا لا آكل أصلًا! ما الذي تهذون به أيها الجهلاء؟!"
تقدمت نحوه بخطوات حذرة، أحاول تهدئته
"مانسا... كفى، سنجد طريقة. لا تصرخ..."
سمعت سيرشا تهمس بدهشة بجانبي
"لأول مرة أرى مانسا يفقد أعصابه... ونوح هادئ."
ضحكت أثينا بسخرية
"لا بد أن نهاية العالم اقتربت."
لكن قبل أن أجيب، رأيت مانسا يترنح. جسده اهتز كجذع شجرة يوشك أن يسقط. أسرعت أنا وسيرشا لإسناده.
صرخت مذعورًا
"يا رجل! هل أنت بخير؟!"
تمتم بصوت مبحوح
"أجل..."
لكن وجهه كان شاحبًا كالرماد.
صرخت سيرشا وهي تلهث
"لنجلسه فورًا!"
أخذناه بعيدًا عن الضجيج، إلى جانب الإسطبل. الهمسات تتعالى من حولنا، عيون كثيرة تراقبنا. جلست سيرشا بجانبه، تحدق في وجهه القاسي الذي صار هشًا فجأة
"نوح... انظر إليه... إنه شاحب جدًا!"
وفجأة، سمعنا وقع أقدام بطيئة، تجر خطاها فوق التراب.
التفتنا... كان إلياس العجوز، يحمل طبقه بين يديه، خطواته متعبة لكن ملامحه تنبع بالسلام.
ابتسم وهو يقترب منا
"سمعت أصواتًا مألوفة... هل أنتم بخير يا أولاد؟"
صرخت بقلق
"أيها العجوز! مانسا شعر بالدوار ووجهه شاحب!"
قهقه بخفة كمن يهون على طفل خائف
"أهذا فقط؟"
ثم مد طبقه ووضعه بين يدي أثينا
"أطعموه... لا بد أنه جائع."
ترددت سيرشا وصوتها يرتجف
"لكن... ماذا عنك؟!"
ابتسم العجوز، ومد يده ليمسح على رأسها بحنان أبوي
"لا تقلقي يا ابنتي... ما دمت أنوي إنقاذ روح، فسيهبني ربي قوةً تبقيني حيًا."
كلماته خرجت ببطء، لكنها حملت ثِقل الحكمة... وشيئًا من الإيمان العميق الذي لا ينكسر حتى في وجه الجوع.
فتح مانسا عينيه ببطء، كأن ثقلاً هائلًا جثم على جفونه لأيام. كانت عيناه غائرتين، تحيط بهما دوائر التعب، تحدقان في الفراغ قبل أن يستوعب أنه ما زال حيًّا. حاول رفع جسده، فارتجف كتفاه وتشنج صدره، كأن كل عضلة فيه تعاقبه على مجرد الحركة. خرج صوته مبحوحًا، مشوشًا بين الحيرة والذعر
"كم… كم مضى من وقت العمل؟!"
رمقته أثينا بنظرة حادة، وقد بدا في عينيها خليط من الانزعاج والشفقة، ثم قالت بنبرة لا تخلو من السخرية
"ألم تجد في نفسك شيئًا أغلى من العمل لتقلق عليه؟ جسدك انهار منذ فترة، وأنت تتساءل عن وقت العمل؟"
شهق مانسا، وارتفع صوته وهو يصرخ بارتباك
"هل… هل فقدت وعيي؟!"
وضعت يدي على كتفه لأطمئنه، فأحسست برجفته الخفيفة تحت أصابعي. قلت بهدوء
"اهدأ… لقد تولّيتُ أنا وسيرشا ما تبقى من عملك."
أشرت نحو سيرشا التي كانت تحمل صندوقًا من القش بين ذراعيها، وبمجرد أن التفت إليها، ارتسمت على شفتيها ابتسامة مشرقة رغم الإرهاق
"وأخيرًا استيقظت! الفضل يعود إلى العم إلياس، لولاه لما نجوت."
انعقد حاجباه، وخرج اسمه من بين شفتيه متسائلًا
"إلياس…؟"
تبع بعينيه الإشارة، فرآه جالسًا عند نهاية الإسطبل، بعيدًا عن ضوضاء الآخرين، كأنه غارق في عزلة هادئة.
نهض مانسا متكئًا على نفسه، يجر خطواته المتثاقلة حتى وقف أمامه. ارتبك قليلًا وهو ينطق بصوت خافت
"أيها العم…"
رفع العجوز رأسه، وعلى وجهه بسمة دافئة بددت قسوة اللحظة:
"مانسا! هل أنت بخير يا ولدي؟"
جلس الشاب بجواره، وما زال يشعر بالثقل ينهش عظامه. قال بصوت مبحوح:
"أجل… لكنني أشعر بطعم غريب في فمي."
ابتسم العجوز بهدوء وأجاب
"بالكاد استطعنا أن نطعمك شيئًا."
اتسعت عينا مانسا، وارتبك كعادته، فاندفع يقول بسرعة
"وجبتك؟!! لا تقلق، سأعوضك… ثلاث وجبات مني، أقسم لك!"
قهقه إلياس بخفة، ولوّح بيده كمن يبعد كلامه بعيدًا
"يا صبي… على مهلك. لماذا تريد أن ترد المعروف بهذه العجلة؟ لم أفعل شيئًا أريد مقابله. لا أريد منك شيئًا."
تجمد مانسا لحظة، ثم تمتم وكأن الشك يتصارع داخله
"حقًا…؟"
قال إلياس وهو يربت على كتفه
"يا بُني… لا تُهمل نفسك، فالروح التي لا ترحم ذاتها تعجز عن رحمة غيرها. اعمل الخير خالصًا، وامنح قلبك بعض الطمأنينة، فالسعادة تُولد من الداخل لا من الخارج."
ابتسم مانسا بمرارة وهو يهمس
"لن أجد السعادة يومًا…"
نظر إليه إلياس بعينين عميقتين، ثم أجاب بكلمات قصيرة كأنها نُقشت على الحجر
"السعادة لا تُطلب يا ولدي… السعادة تختارك حين تصفو."