الفصل 17
وصية الاحرار
مرت الأيام الموحشة كأنها دهور متعفّنة، كل ساعة منها تنخر الروح كما ينخر الجوع الأمعاء. حتى اللقمة الضئيلة التي كانوا يلقونها لنا صارت أصغر من أن تُطعم طفلاً، فكيف أن تُبقي رجلاً واقفًا؟ أجسادنا تحوّلت إلى هياكل عظمية مغلّفة بالجلد، والضعف لم يعد يختبئ خلف الوجوه، بل صار يُرى أوّلًا في عيون الأطفال، قبل أن يُسقط الرجال أرضًا.
رأيت من ينامون فجأة بلا صوت، كأن الموت اختطفهم من بيننا بلمسةٍ باردة.
ومع الجوع جاء الشتاء، وكأنهما تآمرا علينا. الرياح تصفع وجوهنا بصفعاتٍ مسمومة، والبرد يتسرّب إلى نخاع العظام. الثلوج غطّت أرض شنقيط برداءٍ أبيض ثقيل، ثلوج لم تعرفها هذه الأرض من قبل، وكأنها ملاءة كفنٍ ممدودة تنتظر أجسادنا. لحظةً شعرت أن الأرض نفسها تتمنى هلاكنا.
في ذلك الطابور البائس، كنا ننتظر "نصيبنا" من الطعام، أو بالأحرى تلك اللقمة التي لا تكاد تُسمى طعامًا. هناك، لمحت سيرشا وهي تدسّ حصتها الصغيرة في يد ميراي.
اقتربت، ورأيت ميراي تحدّق فيها بقلقٍ طفولي يكسوه الخوف
"توقفي... لا تعطيني طعامكِ. أنتِ أيضًا تحتاجين أن تأكلي."
هزّت سيرشا رأسها بإصرار وابتسامة واهنة
"يجب أن تأكلي كثيرًا يا ميراي... لتصبحي قوية، لتكبري."
انحنيت حتى صار وجهي بمستواهما، وأطلقت بنبرةٍ متعمّدة كمن ضبط سرًا دفينًا
"سيرشا يا سيرشا... أمسكتكِ بالجرم المشهود!"
ارتبكت، واتسعت عيناها بخوف، كأنها ارتكبت خيانة لا تغتفر
"نـوح؟!"
وضعت كفي على خديها الهزيلين، وقد صارا فارغين من الحياة، ثم من دون تردد دسست لقمة من طبقي في فمها.اللقمة الوحيدة التي حصلت عليها بشق الأنفس تفاجأت وهي تختنق بكلمات لم تكتمل، فأشرت لها بهدوء
"تمهّلي... لا تتحدثي وأنتِ تأكلين."
"لكن..."
قاطعتها، وأنا أقرص أنفها بخفةٍ مفتعلة
"أنتِ تستحقينها بالفعل."
تحدّق بي بدهشة غريبة، وكأنها لم تفهم معنى ما أفعل. وحين ابتلعت اللقمة، سألت بصوتٍ مرتجف
"لكن... لماذا تعطيني طعامك؟ ماذا ستأكل أنت؟!"
رفعت كتفي بلا مبالاة، وتظاهرت بالقوة
"لا أحتاجه... أشعر بطاقة تكفيني لأيام."
همست، كمن يكلّم نفسه أكثر مما يكلّمني
"لا أفهم... لماذا تفعل هذا من أجلي؟"
ابتسمت بسخرية متعبة، وقلت
"ربما فقدت عقلي من شدّة الجوع... لكنكِ، يا سيرشا..."
اقتربت أكثر، ووضعت يدي على خدها الدافئ رغم برودة الجو، وواصلت بصوتٍ يخفي رجفة
"جميلة... طيبة... حنونة... لا أستطيع احتمال فكرة أن أفقدكِ. أفضّل أن أموت قبل أن أراكِ تفعلين ذلك."
ارتعشت شفتاها، وكأن كلماتي كسرت جدارًا داخلها
"لا تقل هذا..."
وفجأة، اخترقت اللحظةَ صوت أثينا وهي تقترب قائلة
"هل رأيتما مانسا؟"
عندها، احمر وجه سيرشا كطفلةٍ ممسكة بالذنب، ثم تراجعت بخطواتٍ مرتبكة قبل أن تركض مبتعدة كأنها تهرب من اعترافٍ خطير.
رمقتها وهي تختفي، وتمتمت لنفسي بمرارةٍ ساخرة
"متى ستدرك تلك الحمقاء قيمتها...؟"
التفتُّ إلى أثينا وأجبتها بلهجةٍ متعبة
"وما أدراني أين مانسا؟ ذلك الشاب يذوب كل يوم في أعماله، يركض كالمجنون ليلًا ونهارًا، يرهق نفسه في إدارة شؤوننا... من أجل لا شيء."
اقتربت مني بخطوات مترددة، ثم همست بصوتٍ مضطرب
"اسمع... العجوز إلياس... يبحث عنه."
قطبت حاجبيّ بدهشة
"وماذا في ذلك؟"
ضيّقت عينيها كأنها تخشى أن يسمعها الهواء نفسه، ثم قالت
"لا أظنه سيعيش طويلًا."
ارتجف داخلي، وانفلتت من بين شفتي كلمة مشروخة
"ماذا؟!"
أشارت إليّ بيدها وكأنها تدفعني دفعًا للذهاب. فمضيت.
عند الحقول وجدته... جالسًا متربعًا على التراب اليابس، كأنه يستقبل موعده الأخير بانتظارٍ صامت. اقتربت منه بخطوات حذرة، وهمست
"أيها العجوز... هل تبحث عن مانسا؟"
أومأ برأسه، وصوته يخرج مبحوحًا ضعيفًا
"أردت أن أوصل له رسالة... لكنني أعلم أنها قد لا تصل."
جلست بجانبه. وجهه صار لوحة من الشحوب، عظامه بارزة، كل نفسٍ يخرج منه كان معركةً خاسرة ضد الموت. ومع ذلك، ابتسم بمرارة، ثم قهقه قهقهة متقطعة كأنها نصل يخدش صدره
"لم أتخيل أن نهايتي ستكون جوعًا... جوعًا فقط."
ضيّقت عيناي وأنا أتمتم بغضبٍ مكتوم
"هذه الحياة لم تترك لنا حتى أبسط حقوقنا."
رفع رأسه بصعوبة، وصوته تسلل إليّ كأنفاس الريح
"نوح... قل لي، هل نبتت تلك الحقول اليابسة؟"
ارتجفت شفتاي. نظرت إلى الحقول التي نبتت يومًا ثم تيبست وماتت، وقلت ببطءٍ مكسور
"نعم... نبتت منذ زمن طويل. سامحني أيها العجوز... أخبرتك بهذا متأخرًا."
قهقه من جديد، كأن الضحكة آخر ما يملكه
"كنت أعلم أنهم يخدعونني... يبيعونني وهم الحرية. لكنني تمسكت بحلمٍ صغير... لقاء ابني."
ثم وضع كفه المرتجف على كتفي، وقال بصوتٍ مشبع بالذكريات
"كان يشبهك... شابًا عنيدًا، لا يعرف الخوف، ولسانه لا يعرف غير الحق."
صمت لحظةً وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم أكمل
"لا بد أنه كبر كثيرًا... لكن حتى لو عدت حرًا، فلن أتعرف على وجهه. لقد أخذوا بصري."
شددت قبضتي وأنا أقول بمرارة
"لقد سرقوا منك كل شيء... لا يجب أن تسامحهم، أيها العجوز!"
ابتسم ابتسامة هادئة متعبة، وقال بصوتٍ ثابت
"ومن قال إنني سامحتهم؟ لن أسامح... لكنني لن أبغض. سأتركهم لحساب الآخرة. أنا لا أريد سوى أن ألتقي ولدي هناك... في نعيمٍ لا ينتهي، حيث لا جوع ولا سلاسل، حيث نأكل دون أن نبذل قطرة عرق."
وفي تلك اللحظة، لمحنا سيرشا تقف مترددة خلفنا، ثم قالت بقلق واضح
"أيها العم!!هل انت بخير؟!!اثينا اخبرتني بأنك لست في صحةٍ جيدة!.."
أشار لها العجوز بيده المرتجفة أن تجلس، فجلست.
"يا سيرشا...لم يعد لي مكانٌ في هذه الحياة"
همست و الصدمة تعتلي ملامحها
"لا..."
ثم نظر إلينا بعينين غائرتين، وقال
"أنتما شابان... لا تسمحا للحياة أن تسحقكما. عيشا كما ينبغي... في أرضٍ لا تقيّد فيها السلاسل أيديكم."
لكن صوته بدأ يتقطع، والسعال خنق صدره. ارتبكت سيرشا وهي تقول بذعر
"أيها العم! يجب أن ترتاح!"
أومأ نافيًا، وابتسامة باهتة لا تزال عالقة على وجهه
"لا أريد راحةً غير الحرية... حتى لو كانت حريةً في الموت. ربما جاء هذا الموت ليحررنا حقًا..."
خفض رأسه، وصوته الأخير خرج همسًا كوصيّة
"قاتلا لأجل الحرية... لا تتركوا هذا الظلم يمرّ صامتًا. من يتستّر على جريمة... يصبح شريكًا فيها."
حدّق في الفراغ بعينين غائرتين لا تريان. جسده الضعيف ظل شامخًا رغم انطفاء أنفاسه الأخيرة. بدا وكأنه ينتظر الموت كما ينتظر المتعب راحةً مؤجلة.
همس بصوتٍ بالكاد يُسمع، كأن الريح سرقته من بين شفتيه
"أترى يا نوح... الحرية قريبة... سأسبقكم إليها."
ثم ابتسم ابتسامة باهتة، ابتسامة غريبة، لم أعرف إن كانت من وجعٍ أم من راحةٍ أخيرة. رفع رأسه قليلًا نحو السماء، كأن عينيه العمياءين تُبصران شيئًا نحن لا نراه... ثم توقف.
لم يسقط، لم يصرخ، لم يتألم. فقط... تجمّد في جلسته، ساكنًا، حرًا.
للحظةٍ صمت كل شيء. الرياح نفسها كفت عن العواء، كأنها احترمت رحيله.
لكن سيرشا، التي كانت تراقب بصمت، انكسرت فجأة. ارتمت على صدره، تهز جسده الهادئ بيدين مرتجفتين، وصرخاتها تخترق الصمت
"ايها العم!!!لا يمكنك الرحيل بتلك البساطة!!!"
كانت دموعها تغمر وجهه الشاحب، كأنها تحاول إعادته للحياة بالدمع، بالرجاء، باليأس. واهتز جسدها الضعيف فوق جسده الجامد، تصرخ مرة، وتبكي مرة، وتشهق كطفلة فقدت والدها.
أما أنا... بقيت متجمّدًا. لم أستطع الاقتراب، لم أستطع الكلام. كنت أنظر إليه بذهول، وصدري يضيق كأن حجرًا وُضع فوقه. لم أستوعب بعد أنه رحل، أن جلسته هذه لم تعد حياة بل موتًا متوّجًا بالسكينة.
لم اعرفه سوى منذ ايامٍ معدودة...لكنني الآن اشعر كأنه فردٌ من عائلتي...
و قد فقدته
انحنيت ببطء، وضعت يدي على كتفه البارد، وخرج صوتي مشروخًا لا يسمعه غيري
"نم بسلام... أيها الحر."
وبينما ينهار قلب سيرشا على صدره، ظل العجوز جالسًا، شامخًا حتى بعد موته... كأن الموت نفسه عجز عن أن يطرحه أرضًا.
ارتعشت عيناي حتى اختنقت الدموع فيهما، حبيسة لا تجرؤ على السقوط. كل ما كبته صدري من شررٍ وغصّات وكلماتٍ مؤجلة، كل ما خبأته تحت جلدي سنواتٍ من الصبر، خرج في تلك اللحظة. لم يكن انفجارًا خارجيًا مثل انهيار سيرشا، لم يكن صراخًا ولا عويلاً. كان صمتًا قاسيًا، جمودًا يغلّف ملامحي بينما عاصفةٌ ضارية تعصف في عظامي.
نهضت ببطءٍ ثقيل، وخطواتي تحملني كأن الأرض نفسها ترفضني، ثم بدأت أبحث بعيني المطفأتين عن أحد الحراس. رأيت واحدًا منهم، لكن ملامحه تلاشت أمامي، لم يبقَ سوى جسدٍ يقف في طريقي.
قلت بصوتٍ خرج مرتعشًا من أعماقي، لا أعلم إن كان ارتجاف بردٍ أم انكسار قلب
"لقد... توفي العم إلياس."
نظر إليّ ببرودٍ متحجّر، وصوته ينزّ من جفافٍ وقسوة
"وما شأني أنا؟ موت ذلك العجوز لا يضرّنا بشيء، بل على العكس... كلما قلّ عددكم، كان إطعامكم أسهل."
لم أدرِ بنفسي إلا ويدي تمسكه من ياقة قميصه، أرفع جسده بقبضتي المرتجفة، وهمست بنبرةٍ تكسوها الرهبة
"ادفنه... هذا ما عليك فعله... قم بدفنه."
ضحك بفظاظة ودفعني، صرخ بصوتٍ يفيض بالنفور
"ولماذا أدفنه؟ ابتعد أيها العبد! نحن لا ندفن القاذورات!"
انفجر شيء في داخلي، انشقَّ صدري كأرض عطشى، وفاض الغضب كبركان. التفت الجميع..اللعبيد، الحراس لكنني لم أرَ أحدًا منهم. رأيت فقط جسد إلياس، ورأيت كلماته الأخيرة تضيع في الهواء. هززت الرجل بعنف وأنا أصرخ، صوتي يتشقق مع كل كلمة
"قلتُ لك ادفنه!! ادفنه!! دعوه يحصل على حقه الوحيد!!!"
دفعت الحارس أرضًا، وهممت بالانقضاض عليه ضربًا، لكن يد مانسا قبضت على ذراعي، تحاول جذبي بعيدًا. صرخ باسمي
"نوح!! توقف!!"
لكنني لم أسمع، لم أرَ إلا وجه إلياس الجالس كما لو ما زال حيًا. صرخت في وجه مانسا، عينيّ محمرّتان بالدموع
"ألا يحق للقاذورات أن تُدفن؟! حتى السماد المتعفّن يُعاد إلى الأرض... ونحن البشر؟! تُتركونا هكذا... نتعفّن فوقها!!"
نظرت إلى مانسا، فوجدت دموعه محتبسة في عينيه الغائرتين، ووجهه يكسوه الشحوب. تمتم بصوتٍ مبحوح، يائس
"نوح... لا حول لنا ولا قوة... لا تورطنا أكثر، أرجوك..."
لم يمهلنا الحارس وقتًا، اندفع نحونا بعصاه الثقيلة، انهال عليّ وعلى مانسا ضربًا مبرحًا. لم أشعر بالألم. السياط كانت تسقط على جسدي كما يسقط المطر على صخرةٍ متحجرة. كنت غارقًا في دموعي، أتمتم بصوتٍ متلاشي، كأن كلماتي تحتضر معي
"ادفنوه... دعوه يكن حرًا... أرجوكم... أرجوكم..."
لكن توسلي ضاع وسط الضربات. لم يسمعني أحد. رحل الرجل الأطهر في هذا المعسكر، رحل وقد خدعوه بالحرية، وحتى في موته... حُرم حقه الوحيد.
حتى علف الحيوان يُدفن في الأرض.
أما نحن... لسنا إلا أدوات.