الفصل 18
التمرد!!
تثاقلت جفوني وأنا أفتح عينيّ، كأنني أجرّ صخرة فوق روحي. الألم كان أول ما استقبلني، عيناي متورمتان من شدة الضرب، ورأسي ينوء بصداع يلتهم ما تبقّى من وعيي. حاولت رفع جسدي بصعوبة، فوجدت مانسا جالسًا أمامي، وجهه مشوّه بالتورم والكدمات، يكاد يعكس ملامحي الممزقة نفسها.
تمتم بصوت خافت، متعب
"نوح… يسعدني أنك لا تزال على قيد الحياة…"
مددت يدي إلى جبهتي، أمسح الدم المتيبّس الذي التصق بجلدي، ثم خرج صوتي مثقلًا بالوهن
"منذ متى فقدنا الوعي؟"
لم يأتِ الجواب من مانسا، بل من صوت مرتجف، مألوف، صوت حمل معه قشعريرة في قلبي
"يوم كامل…"
التفتُّ نحو الظلال، فرأيتها. سيرشا. جسدها بدا كأن الليل قد التهمه ولم يُبقِ منه سوى آثار الكدمات. وجهها شاحب، الدماء تسيل من أنفها وشفتيها، وعيناها متورمتان. لحظة رؤيتها أشعلت شيئًا داخلي، خليطًا من الذعر والغضب والعجز. هرولت نحوها رغم وهن ساقي، أمسكت وجهها بين يدي، وصوتي ينفجر بالهلع
"سيرشا؟!! من فعل بكِ هذا؟! ماذا حدث؟!"
أطرقت برأسها، نظرت جانبًا قبل أن تجيب بصوت مكسور
"كان الرجل على وشك قتلكما أنت ومانسا… حين حاول مانسا ردعه، صوّب غضبه نحوك. لم أحتمل… ركضت كي أوقفه… فصوّب يده عليّ أنا أيضًا…"
شعرت بدمي يغلي، صرخت كمن فقد السيطرة
"هذا جنون! ذلك الوغد اللعين!"
لكن قبل أن يتصاعد غضبي أكثر، انقطع صوتي بحديث أثينا. تقدمت بخطوات مثقلة، تشد على ذراعها التي تدلّت بزاوية غريبة، ثم تمتمت بمرارة
"سيرشا محظوظة لأنها تلقت لكمة فقط… لقد كسر يدي أيضًا… لأني صفعته."
رمقها مانسا بنظرة مترددة، قال بصوت باهت
"أثينا… عليكِ أن تتوقفي عن صفع كل من تكرهينه…"
لكنني لم أعد قادرًا على الصمت. كلماتي خرجت كحمم بركانية، كأنها اندفعت من قاع صدري
"سنَهْرُب…! سنضع خطة، ونهرب من هذا الجحيم!"
ساد الصمت. صمت ثقيل كأن الهواء قد تجمّد. ارتجف صوت مانسا وهو يصرخ
"ه-هروب؟!"
أجبته بصرامة، بلهيب حارق
"نعم! لن أبقى عبدًا! لم نولد عبيدًا! ولا أحد منّا خُلِق ليُساق بالسلاسل! حتى أنتِ يا سيرشا… لم تولدي عبدة! لقد كذبوا عليكِ! أنتِ حرة… بروحك وإرادتك!"
التفتُّ إلى أثينا التي صمتت طويلًا، كأنها تبتلع اعترافًا دفينًا، فقلت بحزم
"وأنتِ أيضًا يا أثينا… كنتِ حرة من قبل، أليس كذلك؟"
ارتجف جوّ المكان، وتبادلت الأنظار نظرات مشتعلة. أخيرًا، عقدت أثينا حاجبيها وأجابت بجفاف
"ذكي بالنسبة لذكر… نعم، لقد كنت حرة."
قهقهة ساخرة، حزينة، هربت منها ثم تداركتها، لتقول
"كنت أخشى أن ينبذني أحد لو علم."
لكن سيرشا أمسكت كفها بشغف، وقالت بحرارة
"كيف أنبذكِ من أجل شيء كهذا؟! أنتِ أقرب أصدقائي…! وها هو نوح نفسه كان حرًا من قبل، وبقينا متماسكين رغم كل شيء!"
لم أملك إلا أن أشيح بنظري، همست بخفوت
"لا بأس بكلمة أصدقاء… حتى الآن."
تكسّر التوتر بضحكة أثينا، وقالت بخفة لم تُخفِ ارتجافها
"يا إلهي… أشعر براحةٍ عظيمة لأن أحدًا يعرف سري أخيرًا!"
اقتربتُ من سيرشا مجددًا، أمسكت كفها بكل ما تبقّى من قوة داخلي، نظرت في عينيها ورجوتها
"سيرشا… أرجوكِ… اهربي معي."
أجابت بحدة، كأنها ترفض الضعف
"إياك أن تتوسل إلي!"
لكنني هززت رأسي نافيًا، وعيناي تحترقان
"أنتِ تستحقين أن أتوسل! لستِ وحدكِ من يتوسل في هذا العالم… أنا أتوسل إليكِ، اهربي معي!"
ارتعشت عيناها للحظة، ثم انفرجت عن ابتسامة صغيرة، حقيقية، كسرت جدار الظلام
"سأفعل… سأهرب معك. سأكون حرة."
تسرّبت سعادة لم أعرفها منذ زمن إلى قلبي، حتى أثينا ضحكت بفرح مباغت
"أخيرًا… سننال حريتنا!"
لكن فرحتنا انكسرت كزجاجة سقطت أرضًا. جاء صوت مانسا صرخة مبحوحة، ممزقة بالخوف
"لن يحدث هذا!!!"
التفتنا نحوه جميعًا. وجهه كان شاحبًا، مرتجفًا، بعينين تفيض بالدموع.
"إن عرفوا أننا نفكر بالهرب فقط… حتى دون أن ننفذ… سيقتلوننا جميعًا!"
صرخت به، غضبي يشتعل
"مانسا! إلى متى ستهرب من الموت؟! سيقبض عليك الموت وأنت عبد، عاجلًا أو آجلًا! أما الحرية… فهي موت تختاره بنفسك!"
تراجع، تردّد، صوته يتكسر
"لا تفهم… الأمر أخطر مما تتصور!"
اقتربت أكثر، صوتي كالسيف
"سنضع خطة محكمة… سنقف معًا. وإن تكاتفنا، لن يقف أحد في وجهنا!"
لكن كلماتي اصطدمت بصرخة جديدة من قلبه
"و ماذا عن ميراي؟!
صرختُ في وجهه
"سنأخذها معنا!"
سيرشا صاحت بدورها، وجهها يشتعل بغضب لم أره من قبل
"لن نترك ميراي!"
تقدمتُ خطوة، وضعت يدي على كتف مانسا، ونظرت في عينيه بثبات
"مانسا… هذه كانت وصية العم إلياس. أن نكون أحرارًا… أن نمنح أنفسنا قيمة. حان الوقت… لتمنح نفسك قيمتها."
جال بنظره بيننا جميعًا… سيرشا، أثينا، ثم عيني أنا. بدت الدموع على وشك الانهيار، لكنه قبض على نفسه، عقد حاجبيه، وقال بصلابة
"أنا معكم إذن… لأجل العم إلياس."
ابتسمت بحماس و انا اصرخ
"هذا كا كنت انتظر سماعه!"
في الليلة التالية، حين ابتلع الظلام كل أثر للنهار، تسللنا كظلالٍ مرتجفة نحو المكان الذي دلّنا عليه مانسا. كان بيتًا مهجورًا، تركه أحد السادة بعد موته، جدرانه متشققة كأنها تعبت من حمل الذكريات، وأرضه موحلة برائحة الرطوبة. لم يكن فيه فراش ولا ما يبعث على الطمأنينة، سوى طاولات قديمة مهشمة، تنتظر أن نعيد إليها حياة جديدة.
جلس مانسا إلى الطاولة الأكبر، أخرج ورقة بيضاء وقلمًا بائسًا، ثم وضعهما أمامه، كأنهما سلاحنا الوحيد. وقفنا حوله كحلقة منقسمٍ واحد، ننتظر ما سيقوله. رفع القلم وبدأ يرسم خطوطًا مضطربة، ممرات وأبواب وأسوارًا، ثم قال بصوت ثابت
"المعسكر مليء بالمداخل، أعرف كل شبرٍ فيه… لكن الجدران الطينية عالية جدًا. لا يمكن تسلقها، ولا يوجد ما نربط به حبلاً لو فكرنا في النزول. أما الأبواب، فالحراس لن يتوانوا عن قتلنا إن تأخرنا للحظة واحدة."
أشارت سيرشا بيد مرتجفة إلى أحد الأبواب المرسومة
"أليس هذا يؤدي إلى الحقل؟ حقل القمح؟ لو ركضنا عبره، سيتعذر عليهم رؤيتنا بين السنابل."
ابتسمتُ بصدق، كأن بصيص أمل قد اشتعل
"فكرة ذكية منكِ يا سيرشا."
ضحكت بخجل، وقالت
"لستُ كذلك…"
حتى مانسا، رغم صلابته، لم يستطع إخفاء ابتسامة صغيرة، لكنه سرعان ما تمتم بواقعية ثقيلة
"فكرة جيدة، لكنها لن تنجح… الحراسة هناك مشددة."
انعقد الحبل حول عقلي، تمتمتُ بحيرة
"ما الذي علينا فعله إذن؟ ربما… يجب أن نكسب ثقة أحد الحراس."
رفعت أثينا عينيها عن الورقة، وكأنها خرجت من صمت طويل
"أو… أن نكسب ثقة العبيد."
تردّد صوتنا جميعًا في آن واحد، كأنه صدى لم نفهمه
"العبيد؟!"
أومأت بثقة، تابعت
"من الأكثر عددًا هنا؟ الحراس أم العبيد؟ العبيد بالطبع! إن استطعنا جمعهم، قد نساعدهم على الهروب أيضًا. يجب أن نوحّد هذا المعسكر."
قهقه مانسا ساخرًا، صوته مشبع بالتهكم
"أفكار الأحرار دائمًا مجنونة… أنتما الاثنان، أنتِ ونوح، مجانين بحق."
رفعت شعري لأزيحه عن وجهي، وقلت بابتسامة ساخرة
"أشكرك على الإطراء."
لكن سيرشا همست بقلق، عيناها مملوءتان بالريبة
"وماذا لو خاننا أحدهم؟ ماذا لو باع سرّنا مقابل رضى السادة؟"
سكتنا جميعًا، كأن السؤال كان فخًا نصبه الخوف. وضعت إصبعي على ذقني وأنا أفتش في داخلي عن جواب، ثم وقعت عيني على مانسا وهو يتلاعب بالقلم بين أصابعه. عندها فقط، لمعت الفكرة في رأسي، كشرارة فجائية
"الكتابة! سنعلّمهم القراءة والكتابة."
شهقت سيرشا بدهشة، همست
"وكيف سيساعدنا هذا على الهروب؟!"
فتحت ذراعيّ، أشرح بحماس متدفق
"في البداية سنتظاهر بأننا أنشأنا مؤسسة سرية لتعليم القراءة والكتابة. من يريد أن يتعلم، ينضم إلينا. سنراقب النفوس، نختبر من يمكنه أن يحفظ السر ومن سيبيعه. أسوأ ما قد يحدث إن انكشف أمرنا أن يُجلد أحدنا، ولن أمانع أن أتحمّل الجلد إن كان الثمن أقل من الموت. لكن حين يحين وقت الهروب… ستكون الكتابة سلاحنا، نتواصل برسائل مخفية، نُقسم أنفسنا إلى مجموعات، ولن يوقفنا شيء."
ابتسمت سيرشا بحماس يشبه النور
"ذكي! ضربة واحدة تُصيب هدفين."
مانسا صمت طويلًا، ثم نظر بعيدًا نحو الأفق عبر نافذة مكسورة، كأنه يرى في الليل أكثر مما نراه نحن، وأردف بصوت متحجر لكنه حاسم
"إذًا… هكذا ستكون خطتنا."