الفصل 19
نسيج الحروف
قلقٌ يتربص في الصدور، خوفٌ يزحف في الظلال، وثقةٌ تتوقد في الأعماق…
مزيجٌ متناقض حملناه معنا ونحن نتسلل بين بيوت السادة الحجرية، جدرانها صامتة لكنها كأنها تراقبنا. خلفنا تركنا همساتٍ مبعثرة، ترتجف مع وقع خطواتنا.
"أترغب أن تتواصل بالأوراق؟"
سؤالٌ أخذ يتنقل بين العبيد، نهمس به لواحدٍ تلو الآخر.
بعضهم أبدى اهتمامًا، اقترب منا بحذر، كأن شيئًا في داخله كان ينتظر هذه الفرصة.
آخرون أحبّوا الفكرة لكن الخوف كبّل أيديهم، خافوا أن يضبطهم السيد متلبسين.
وهناك من صرخ بالرفض، شتمنا بالجهلة، ورأى فينا مغامرين بلا عقل.
لكن ما أدهشني أكثر أن الأطفال… هم من أحبّوا الأمر أكثر من الجميع.
قبل منتصف الليل بساعة، اجتمعنا في إسطبلٍ قديم، مكان يختبئ في العتمة. الصمت غلّف الجلسة، لا يقطعه إلا ارتجاف أنفاسنا.
أشعلنا شمعة منحنا إياها مانسا، ومعها بعض الأوراق والأقلام. جلستُ في المنتصف، وحولي أولئك الذين تجرؤوا على الحلم بالتعلّم… وبينهم سيرشا!
انحنت ميراي نحوي، وملامح البهجة تكاد تضيء وجهها أكثر من الشمعة، وهمست
"لا أستطيع الانتظار… أريد أن أتعلم الكتابة! هناك حلم يزورني مرارًا، وأريد أن أكتبه كقصة!"
سيرشا، بفضول طفولي، سألتها
"ما هو؟"
فتحت ميراي ذراعيها كمن يحاول احتضان الهواء، وأجابت بعينين تلمعان
"أحلم أنني أطير بين الغيوم… كطير بلا سلاسل، بلا قيود، في فضاء واسع ومريح."
ضحكتُ، وقلت مداعبًا
"مرة أخرى؟"
هزّت رأسها بحماسة
"نعم! لا بد أن له معنى."
اقتربت سيرشا منها، ابتسمت بخبث طفولي، وهمست
"ربما هذا يعني… أنكِ ستصبحين حرّة."
ارتجفت نظرات ميراي، تسلّل إليها الذهول والخوف معًا، كأن الحرية كلمة محرّمة. رمقتني بتوتر، لكن سيرشا غمزتني بخفة، وكأنها تدس في قلب الطفلة بذور الهروب.
بدأنا الدرس، أعلّمهم الأساسيات الأولى. سيرشا تعلّمت بسرعة مدهشة، كأنها وُلدت وفي يدها قلم. خطّها كان أنيقًا، يليق بكاتبة.
تأملها أحد العبيد وهو يخطّ بعض الأحرف المتعرجة وقال بدهشة
"ما أبرعكِ! لم أستطع سوى أن أملأ الورقة بالخربشات، بالكاد أمسك القلم كما يجب!"
قهقهتُ ساخرًا
"أحاول أن تفكك الورقة بقبضتك؟ أرخِ يدك قليلًا!"
تجهمت سيرشا، عاتبتني بحزم: "نوح! لا تسخر منه."
ضحكت بخفة، فضحك الرجل أيضًا، كأن الضحكة كسرت ثقل اللحظة.
الكتابة تلك الليلة لم تكن مجرد حروف على ورق… بل كانت خيطًا غير مرئي يربط بيننا. خيطًا من سرية وحلم، ومن مقاومة خفية.
واتفقنا أن نزيد من صعوبة التحدي
كل يوم نكتب كلمة واحدة في ورقة، ونتناقلها سرًا بيننا، بعيدًا عن عيون السادة.
طريقةٌ صغيرة… لكنها كانت تدريبًا على الحرية، وتعلمًا للصوت الخفي الذي لا يمكن لأحد أن يكبته.
مرّت الأيام كأنها تسير على وقع سرّ خفي، وصار تبادل الرسائل بيننا طقسًا يوميًا، يمدّنا بما يشبه الأمل.
في البداية، تردّد البعض، رفضوا فكرة الكتابة، لكن الكلمات تسلّلت إليهم كما يتسلّل الضوء من شقوق الجدران، فبدأوا ينضمون واحدًا بعد الآخر.
بين الحقول المنهكة، عند غسل أواني السادة، في رائحة الإسطبلات، قبل أن نغفو، بعد أن نصحو… الأوراق الصغيرة كانت تتنقّل من يدٍ إلى يد، كأنها أنفاس مشتركة.
كل ورقة تحمل كلمة، لا أكثر، لكننا كنّا نقرأ فيها قلوبنا كاملة. رسائل خفية تضجّ بما لا نجرؤ على قوله علنًا. في اليوم الأول كتبنا: نحن.
في الثاني: نحاول.
في الثالث: التعاون.
في الرابع: كي.
وفي الخامس: ننـال.
واليوم… حين انتقلت الورقة بين الأصابع المرتعشة، انكشفت الكلمة الكبرى: الحرية.
كانت الورقة أخفّ من الريح، لكنها وقعت في أيدينا أثقل من الحديد. كأنها حجرٌ أُلقي في قلب البحر، فارتجف داخله كل ما كان ساكنًا. حينها، رفعت عيني المرهقتين نحو الأفق، وصوتي اختنق ثم تحرّر
"إني أراها… أرى الحرية تقترب بعيني!"
في ذلك الليل العتيق، لم تختنق أنفاس العبيد كما اعتادوا، بل استسلموا لنومٍ ناعم، هادئ، لم يعرفوه منذ زمن بعيد. كانت سيرشا غافية، وفي أحضانها ميراي الصغيرة كعصفورة تحتمي بجناح أمها. اقتربت منها ولمست وجهها برفق، كمن يوقظ حلمًا لا يريد أن ينتهي.
همستُ
"سيرشا… أفيقي."
فتحت عينيها بذعر، رفعت رأسها متوجسة
"هل كُشف أمرنا؟!"
ابتسمتُ بخفة، أزيح خوفها بضحكة مكتومة
"ما بالكِ؟ أردتُ الحديث إليك فقط… اكتشفت شيئًا!"
تذمّرت وهي تستند بيدها
"لا ننام سوى ساعات معدودة ثم نعود للعمل… أتريد أن تسرق راحتي الوحيدة؟"
لمعت عيناي بحرارة وأنا أقول
"لنهض، الأمر يستحق… كم مرة نعيش؟"
ضحكت بخفة وقالت
"واحدة."
نهضت برفقتي مترددة، نتسلل خارج الإسطبل بخطوات مرتعشة. سألت بتعجب
"إلى أين ستأخذني؟"
ابتسمت وقلت
"لن تحزري أبدًا، يا سيرشتي."
قهقهت وهي ترفع حاجبيها
"بحقك؟! سيرشتي؟! من أين تأتي بهذه الألقاب؟"
أمسكت بكفها وأشرت نحو الجدار الطيني
"سأتسلق هذا الجدار كالقرد، إن سقطتُ فادفنيني عند موتي، وإن نجحت… فسأسحبكِ."
انعقد حاجباها بقلق
"أ سنهرب؟!"
أشرت نافيًا
"كلا… فقط سنرى الجانب الآخر، الجانب الذي جئنا منه ورأسنا مطأطأ."
تمتمت بخوف
"لكن… كيف ستسحبني؟"
رفعت قميصي كاشفًا عن الحبال التي صنعتها من أقمشة مهترئة. قلت بحماس
"انظري! صنعت حبلاً!"
هزّت رأسها مترددة
"هذا جنون."
لكنني أمسكت بالجدار الطيني وبدأت أصعد. أصابعي تشققت على خشونة الحجارة، وكدت أنزلق مرارًا، غير أن عزيمتي دفعتني إلى الأعلى… حتى وصلت. حينها انفجرت ضاحكًا
"يا إلهي… أنتِ محقّة يا سيرشا! إنها حقول قمح!"
ألقيت الحبل نحوها، فتشبثت به وصعدت، حتى وقفنا معًا أخيرًا على العلو.
ومن هناك… رأيناه. الليل الداكن مرصع بالنجوم، الحقول تمتد ذهبية كبحر من القمح، والقمر يسكب نوره على الغيوم الشتوية فيحوّلها إلى لوحة سماوية لا تُصدّق.
شهقت سيرشا
"يا إلهي…"
رفعت رأسها إلى السماء متسائلة
"هل كان العالم جميلًا هكذا من قبل؟"
أجبتها متحمسًا
"نعم! في غاية الجمال! لكن عينيك الآن… خاليتان من السلاسل!"
ابتسمت بعينين دامعتين، ثم همست
"جميل… هذا العالم… في غاية الجمال. ليت كل عبدٍ يرى هذا المنظر."
أمسكت بكفها بقوة، وعيناي تتقدان عزمًا
"سنحرر الجميع. لن تكون هذه خطة هروب فردية… بل شرارة ثورة."
مسحت دموعها، نظرت إلي بابتسامة ملأها الحنان
"لطالما وصفتك بالمتهور والمجنون… لكنني الآن أراك مثلي."
أملت رأسي باستفهام
"مثلكِ؟"
وقفت شامخة، الريح تعبث بشعرها، وصوتها خرج كأنما ولد من جديد
"أجل… لطالما حُبس صوتي في صدري، لكن حين مرضت، أدركت أن الصمت لا ينقذ أحدًا. كل اختناقٍ داخلي كان كلمات حق متراكمة. واليوم… أنا سيرشا التي لا تعرف حتى اسم أبيها، سأنطق بها جميعًا. لن أسكت على أذى أي مخلوق، عبدًا كان أو سيدًا. لا أحد يستحق الألم ما دام حيًا."
ضحكتُ بحرارة
"ما هذا؟! هذه الشخصية تعجبني!"
أمالت رأسها بلطف
"إنها شخصيتي… لكنني سرقتها منك."
وضعت كفي على خدها برقة
"لا، بل هي شخصيتكِ التي كبّلتها بالسلاسل… والآن تحررت."
أحمر خدّاها، وضحكت بخفة، ثم همست وهي تنظر حولها بارتباك
"لننزل قبل أن يرانا الحرس."
تصلبت للحظة، ثم التفتت إلي بابتسامة أذابت قلبي
"ربما… بدأت تعجبني يا نوح."
ارتبكت كمن وقع في الفخ، وقلت بتوتر
"أنا؟! بأي معنى؟! سيرشا! لا تتكلمي بالألغاز!"
ضحكت وهي تنزل بخفة
"الحبل لا يحتمل اثنين، فانتظر."
ارتجف صوتي ووجهي يشتعل
"هل تحبينني؟!"
رفعت كتفيها وأجابت
"لا أعلم."
ابتسمت ابتسامة مشاغبة، ثم ركضت نحو الإسطبل، حيث عادت إلى ميراي… وتركتني عالقًا بين السماء والأرض.
هربت… وأخذت قلبي معها.
وأظنني، منذ تلك اللحظة، لم أعد أريد استرجاعه.