الفصل 20
كلمات الظلال
كانت الخطة تسير ببطءٍ حذر، كخطواتٍ على أرضٍ مشققة تخشى أن تنهار تحتها. شيئًا فشيئًا صار معظم المعسكر يتعلم الكتابة سرًا، وكأن الحروف بذور نزرعها في قلوبهم دون أن يلحظوا أننا في الوقت ذاته نزرع فكرة الهروب. أولًا الكلمات، ثم خيوط الروابط، ثم الأحاديث التي تتشعب من بيننا كجداول صغيرة تبحث عن نهر.
كنا نلتقي ليلًا، ساعةً واحدة في الإسطبل العابق برائحة القش والرطوبة، نتقاسم فيها قصص حياتنا، ونتعثر بأصابعنا في سطورٍ مرتعشة، ثم نجرؤ أخيرًا على الحديث عمّا حُرمنا منه طويلًا..... الأحلام.
رفعت سيرشا رأسها وهي تكتب بعفوية، كأن الكلمات تخرج من قلبها قبل القلم
"ليتني أستطيع الركض في حقول القمح... أستلقي عليها وأتأمل السماء. هذا كل ما أحلم به."
ابتسم أحدهم وقال بخفة
"أحلامك بسيطة يا سيرشا."
جلس شاب في وسطنا، أخذ ورقةً بيده، وابتسم وهو يكتب
"أما أنا... فأحلم أن أعيش في بيتٍ خشبي."
قفزت ميراي الصغيرة ببراءة طفولتها
"وأنا أحلم أن أطير! أن أكون أول فتاة تطير في هذا العالم!"
ضحك مانسا ومسح على شعرها قائلًا
"مستحيل يا ميراي، لا أحد حلق في تلك السماء... لا شيء قادر أن يحملنا."
لكنها لم تستسلم، ردّت بعنادٍ يتقد في عينيها
"سنصنع شيئًا يجعلنا نطير!"
تدخلتُ بواقعيةٍ ثقيلة
"لا يوجد شيء كهذا... حتى الطيور لا تقدر على حملنا."
بدت خيبة الأمل على ملامحها، فتقدمت أثينا بلطفٍ يخفف الوطأة وقالت
"لكننا نستطيع الصعود إلى قمةٍ عالية يومًا... وهناك ستختبرين شعور الطيران. لا حلم يُدفن يا ميراي."
تلألأت عينا الصغيرة، وقالت بحماسةٍ مشعة
"لا أستطيع الانتظار!"
تجرأت امرأة شابة وهي تكتب بصوتٍ خافت
"أحلم أن يكون لي فراش من القماش."
أضاف رجل عجوز، ووجهه يضج بالجوع القديم
"وأنا... أريد قطعة لحم."
ضحك مانسا بحرارة، كأن ذكراه وحدها تشبع جوعه
"اللحم! لم أره إلا في بيوت السادة، يبدو لذيذًا حين يُطهى..."
تدخل شاب أصلع بوجهٍ متعب ونبرةٍ باردة
"لا أظن أنه لذيذ إلى ذلك الحد."
أمالت سيرشا رأسها بدهشة
"هل ذقته؟"
هزّ رأسه نافيًا بمرارةٍ تلسع
"عبد مثلي... كيف يتذوق لحمًا؟"
ثم أسند يده إلى ركبته، وترك كلماته تسقط كسكاكين
"ما هذه الأوهام؟ الكتابة... الأحلام... كلها بلا جدوى. سنموت عاجلًا أو آجلًا؛ جوعًا أو عطشًا أو بؤسًا..."
وقطع صوته الخافت صوت ميراي، صغيرةٌ تتحدى اليأس
"لن يحدث هذا!"
التفت إليها الجميع بدهشة، وهي تواصل باندفاعٍ يفوق حجمها
"سننجو جميعًا! سنعيش أحلامنا! سيبقى السادة هنا، لكننا سنرحل، سنخرج ونرى العالم... العالم الذي نحلم به!"
صفق بعضهم، واشتعل الحماس في وجوه آخرين.
رأيت عيني سيرشا تلمعان بذهولٍ وفخر، وهي تنظر إلى الطفلة التي ترعاها، طفلة تكلمت بما عجز لسانها هي عن قوله.
ثم،اخذت سيرشا بقلمها،و وضعته في قبضة الرجل الاصلع،ابتسمت و هي تقول بثقة
"الحرية تبدأ من هنا..."
قال أحد الرجال بصوتٍ قوي
"يجب أن نتعاون... يجب أن نهرب يومًا!"
حينها انفجرت كلماتي من صدري، حماسًا لم أعرف أني أملكه
"وسنحطم رؤوس الطغاة القذرين!"
لكن...
فجأة انفتح الباب بعنفٍ هزّ جدران الإسطبل، واندفع الهواء البارد فأطفأ الشمعة الوحيدة التي كانت تسرّب ضوءها إلى العتمة. انغمرنا في ظلامٍ كثيف، وارتجفت صدورنا مع الصوت الخشن
"ما هذه الجلبة؟! سمعت صراخًا!"
أحد الحراس...
تصلّبت الأجساد في أماكنها، كأن الزمن توقّف. بعضهم انطرح أرضًا متظاهرًا بالنوم، ودفن أوراقه المرتعشة تحت جسده، فيما ساد صمتٌ ثقيل يوشك أن يفضحنا أكثر من الكلام.
تقدّمتُ خطوةً واحدة، وصوتي يرتعش بالادعاء:
"سيدي... أنا من صرخ. معدتي تؤلمني... أظن أن موتي قريب."
رمقني الحارس بطرف عينه، نظرةً باردة كالسيف، ثم تمتم بازدراء
"هكذا إذن..."
وأغلق الباب بقسوةٍ باهتة، كأن ما سمعه لم يكن سوى أنين ذبابة على وشك أن تسقط. لم يكترث، لم يلحظ حتى أنني نطقت بكلمة "موت". قذرون... لا حياتنا ولا موتنا يهمهم.
حين استعاد الليل سكونه، انصبت أعينهم عليّ باللوم. همست أثينا بحدةٍ مكتومة
"عظيم! كنت ستفضح أمرنا!"
خفضت رأسي، أتمتم بصدقٍ يقطعه الخوف
"آسف... تحمست كثيرًا... لم أعد أحتمل الانتظار كي أخرج من هنا."
وفجأة، اخترق الصمت صوت قهقهةٍ مكبوتة. التفتُّ فرأيت سيرشا، تضع يدها على فمها وتكاد تنفجر من الضحك، وهي تهمس بصعوبة
"كان عليك أن ترى وجهك... تلاشى حماسك في لحظة واحدة!"
انفجر بعضهم بالضحك، خافتًا أول الأمر، ثم بانسيابٍ خفيف كأنهم يتنفسون بعد اختناق. التوتر انكسر، والرهبة تراجعت أمام لحظةٍ إنسانية صغيرة، لحظةٍ سرقت من بينهم معنى الحياة.
لكن عيني لم تفارق سيرشا... كانت تضحك، والظل يراقص ملامحها في عتمة الإسطبل. ابتسامتها أشرقت كوميض نارٍ صغيرة تتحدى الليل، وصوتها الخافت اخترق خوفي وأحاطني بدفءٍ لم أعرفه منذ زمن. ابتسمتُ رغماً عني، وأدركتُ أنني لو مت هنا الآن، فلن يبقى في قلبي سوى وجهها... وجهها الذي صار حلمًا آخر يوازي حلم الهروب.
توالت الأيام كأنها قطرات ماء تنساب على صخرٍ بارد؛ بطيئة، متشابهة، لا تحمل جديدًا سوى وهمٍ خادع بأن الروابط تنمو وتتجذر. لكن الحقيقة، كما العادة، تختبئ تحت السطح… تنتظر لحظة الانكشاف.
في عتمة منتصف الليل، خرجت سيرشا وحدها. كانت السماء مشدودة كقماشٍ أسود بلا قمر، والهواء يلسع بشيء من الرطوبة والبرد. خطواتها على الأرض المبللة بدت كأنها صدى بعيد، وكانت تحمل دلوها نحو البئر الرخامي، تُغني لنفسها لحنًا خافتًا، بالكاد تسمعه أذناها. كان الصوت شبيهًا بأنينٍ يطفو فوق الماء، رقيقًا ومكسورًا في آن واحد.
حين انحنت لتسحب الماء، قطع السكون ظلّ ثقيل اعترض طريقها. رفعت رأسها، لتجد رجلًا أصلع، غليظ الوجه، تتساقط على قسماته قسوة لا تخطئها العين. كانت نظراته مشبعة بشيءٍ من الحقد المكبوت، كأن العالم كلّه اختصر في كراهيته لها.
قال بصوتٍ أجشّ
"أنتِ… التي تكتبين؟"
لم ترتبك؛ بل ارتسمت على فمها ابتسامة صغيرة، نصف ساخرة ونصف متعبة
"أجل. وأنت… الرجل الغضوب؟"
انعقد فكه، وسرت قسوة في ملامحه
"لا أحب هذا اللقب. تعالي… هناك ما نناقشه."
وقفت مستقيمة، نظرتها هادئة ولكنها مشحونة بما يشبه التحدي
"وإن لم أفعل؟"
ارتعش صوته بالغضب، وبدت عيناه جمرتين في العتمة
"هل ترفضين، أيتها العبدة اللعينة؟!"
أخفضت رأسها فجأة، كأنها تنحني للعاصفة، وردّت بصوتٍ بارد
"آسفة… سأفعل ما تطلب، أيها العبد."
قادها عبر الأزقة، بين بيوت السادة المكسوة بالرخام. الجدران الباردة كانت تنفث وحشة في روحها، كأنها شواهد قبورٍ متراصة. توقفت أخيرًا، وضمّت ذراعيها إلى صدرها، متأملةً ملامحه ببرود
"هيا… ماذا تريد؟ ليس لدي متسع من الوقت."
اقترب، وصوته ينضح بالغلّ
"الأمر بسيط. ذلك الطاغي… نوح. يبدو أنه يستمع إليك، يتأمل كلماتك وكأنها شيء له قيمة."
ارتفعت حاجباها، دهشة تلوّن عينيها
"أنا؟ نوح يستمع لي؟! أشك أنه أصغى يومًا لأي إنسان في حياته."
أجاب، نبرته مشحونة بحدة
"إذًا اجعليه يتراجع عن أوهامه. أريدك أن تنزعي فكرة الهروب والتمرد من رأسه."
اتسعت عيناها، وارتجف صوتها وهي تهمس
"ماذا… تقول؟"
"كما سمعتِ. أوكلت إليّ تلك المهمة، لكنني لا أريد تنفيذها. افعليها أنتِ."
كان التوتر يتسرب إلى أصابعها، لكنها تماسكت
"ومن… الذي أمرك؟"
تحاشى نظرتها، وصوته هبط إلى همس متوتر
"لا أستطيع أن أبوح باسمه. فقط… افعلي."
ساد صمت قصير، ثقيل كالحجر، قبل أن يلين فمها بابتسامة بطيئة. لم تكن ابتسامة ارتياح، بل شيء آخر… كبرياء نائم استيقظ فجأة. رفعت رأسها لأول مرة منذ زمن طويل، وقالت بوضوح حاد
"لا."
ارتبك، كأن الكلمة اخترقت صدره كسكين
"لا…؟ هل ترفضين أمر أحد السادة؟!"
أجابت ببرود ساخر، وحركة كتفيها خفيفة
"وإن يكن؟ لم أره قط. لو طلب مني بلسانه، لربما فكرت في الاستجابة. أما أن تصلني أوامره عبر عبدٍ وضيع؟ فلا."
أدارت جسدها حول نفسها في حركة بطيئة، ثم رمقته بطرف عينها، وكأنها تصب الزيت على ناره
"لن أتلقى الأوامر بعد اليوم. لا من سيدٍ غائب، ولا من عبدٍ خائف."
اشتعل الغضب في عينيه حتى كادا يحرقان الليل. انقض على معصمها، قبضته من حديد، وصوته زأر
"أنتِ مثيرة للاشمئزاز! سأمزقكِ إن لم تطيعي!"
لكنها لم ترتجف. مالت برأسها قليلًا، وابتسامة غريبة، شبه حزينة، ارتسمت على فمها
"عجيب… ذكرتني بصديقة قديمة. وقفت في الموقف ذاته، لكن حين حاولت مساعدتها، تركتني أواجه وحدي. يومها تعلمت درسي... لن أخضع لأحدٍ بعد الآن."
وبقوة مباغتة، انتزعت ذراعها من قبضته، وعينيها ثابتتان على عينيه.
صرخ، والغضب يتفجر من صدره
"لا حول لكِ أيتها الأنثى! سأقتلكِ هنا والآن!"
ابتسمت ابتسامة باردة، كأنها تنطق بالحقيقة الأخيرة
"أجل… أنا أنثى، لا حول لي ولا قوة. ولهذا بالضبط… يقف رجل خلفك الآن."
أشارت سيرشا بإصبعها نحو الظلّ الذي يقف خلفه. التفت الأصلع، والذعر يتسع في عينيه كطفلٍ فوجئ بالهاوية تحته. في اللحظة ذاتها تقدمتُ بخطى ثابتة، قبضتُ على رأسه القبيح بكلتي يديّ، وزجر صوتي غاضبًا يخترق جدار الليل
"يا عديم المروءة! أهذا هو شرفك؟ تحاول قتل فتاة عاجزة؟!"
رفعت جسده كما لو كان دمية من قش، ثم قذفته بكل قوتي نحو الحائط الرخامي. ارتطم هناك بصرخةٍ مكتومة، وسقط أرضًا مترنحًا.
ارتجفت نظرات سيرشا، الدهشة تملأها، وكلماتها تتعثر بين شفتيها
"نوح....مِن… مِن أين لك بهذه القوة، وأنت تبدو هزيلًا؟!"
ابتسمت لها بفخرٍ يلامس السخرية، ورأسي مرفوع
"يا حلوتي… السر في التدريب. قضيت طفولتي كلّها أتمرن على القتال، كأن حياتي مرهونة بهذه اللحظة."
شهقت بخفوت، كأنها لا تصدق ما ترى
"مذهل…"
اقتربت أثينا، تتبعها مانسا، خطواتهما تنكسر على الصمت. رفعت أثينا حاجبها، ونبرة صوتها باردة
"إذًا… عرفنا من الذي خاننا. خطة ذكية منكِ يا سيرشا."
التفتت سيرشا نحوها، وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة متعبة، لكنها حادة
"منذ البداية، كان هو من يحاول إحباط مخطط الهروب. لم أشكّ لحظة، وكان عليّ أن أستدرجه."
قهقهتُ خافتًا، والرضا يتسلل إلى وجهي
"ما أذكاكِ… لو كُنتُ سيدًا لاخترتكِ كاتبة يا سيرشا."
احمرّت وجنتاها، ارتباكها يفضحها، همست بتواضعٍ خجول
"لست موهوبة كما تظن."
تحرك الأصلع بصعوبة، رفع رأسه المدمّى، والدموع تختلط بصوته المهزوم
"لقد… لقد أُمرت! لم أكن أرغب في تخريب خطتكم السخيفة! لا يهمني… افعلوا ما شئتم!"
ما إن لفظ كلمته الأخيرة، حتى دوّى صوت مانسا كالرعد
"سخيفة؟!!"
اندفع بجنون، قبضتاه تهويان عليه كالمطارق. اللكمة تجر أخرى، والضربات تتوالى حتى تشوّهت الملامح تحت قبضته. كان مانسا، الصامت دومًا، يتحول أمام أعيننا إلى عاصفة هوجاء.
صرخت سيرشا بذعر، صوتها مبحوح
"نوح! أوقفه! سيقتله!"
تقدمتُ بسرعة، أمسكت كتف مانسا، صرخت في أذنه بلهجة مشبعة بالقلق
"مانسا! كفى! هل تريد أن تتحول إلى وحش مثلهم؟!"
تجمدت قبضته في الهواء، جسده يرتجف. انكسرت حدّة عينيه فجأة، وصوته تلعثم
"أ… أنا… ماذا فعلت؟"
اقتربت أثينا، توتر يلوّن صوتها
"هل هو حي؟"
انحنيت أتحقق من أنفاسه، ثم رفعت رأسي
"أجل… ما زال يتنفس."
تنفسنا جميعًا بارتياحٍ هشّ. كان مانسا يتراجع خطوة بخطوة، كأن جسده غريب عنه. جلس على ركبتيه، والدموع تفجّرت من عينيه كالسيل. تمتم بمرارة خانقة
"آسف… سامحوني… لم أقصد… أنا فقط…"
كان انهياره صادمًا لنا جميعًا؛ ذاك الرجل الذي كتم مشاعره طويلًا، فجّرها الآن أمامنا كبركان.
قلت وأنا أضع يدي على كتفه، أحاول انتشاله من هوّة نفسه
"كفى يا رجل… لا تعذب نفسك. لن يضيع شيء. سنعرف من السيد عاجلًا أم آجلًا."
هز رأسه بعنف، ودموعه تتساقط
"لكنني… قد أفسدت كل شيء… قد يكشف أمرنا بسببي."
وضعت أثينا يدها على ذراعه، نبرتها أقل حدّة هذه المرة
"اهدأ. لا أظن أن هذا السيد متوحش كالبقية. لو أراد سحقنا لفعل منذ البداية. إرسال عبدٍ لينصحنا بالانسحاب… أشبه بتحذيرٍ لا أكثر."
أخذ مانسا نفسًا عميقًا، ارتجف صدره، ثم مسح دموعه بيده الثقيلة
"آسف… حقًا آسف."
انحنت سيرشا نحوه، ويدها تستقر على كتفه، ابتسامتها هادئة رغم القلق الذي يطفو في عينيها
"لا عليك… حتى لو انكشف أمرنا، فنحن معًا."
رفعت رأسها، صوتها يحمل إصرارًا
"نعيش معًا… أو نموت معًا."
قاطعتهما أثينا باستهجان
"لا شكرًا، الموت ليس في خططي."
انفجرت سيرشا ضاحكة، وغمغمت بخفة
"تحاولين الهرب وأنتِ تخافين الموت؟ يا لكِ من كاذبة!"
وكأن ضحكتها أزالت آخر بقايا التوتر، انفجرنا جميعًا بالضحك، ضحك هشّ لكنه صادق. للحظة، تسرب الضغط من الأجواء، وعاد الليل أخفّ… كأن العالم منحنا استراحة قصيرة قبل العاصفة القادمة.