الفصل 21
انكسار الطفولة
ملاحظة:قد يحتوي هذا الفصل على فكرة لا تناسب الجميع،لكن وجب طرحها للحد من الاستخفاف بها في مجتمعنا القاسي
.................
كان الصباح قد حلّ، لا جديد في إشراقته، لكنه بدا هذه المرة أثقل، كأن الضوء نفسه قد تلوث برتابة أيّامنا. عمل آخر ينتظرنا، بيت آخر لسيدٍ لا يختلف كثيرًا عن سواه، نغوص في أوساخه لنصنع له نظافة زائفة.
كنتُ برفقة ميراي وسيرشا. جلست ميراي تمسح الزجاج بمرحٍ غريب وهي تقول
"أحب تنظيف بيوت السادة!"
قهقهت سيرشا، وبدت كلماتها خفيفة رغم مرارتها
"قلتُ هذا لنوح من قبل، لكنه لم يوافقني!"
التفتتا إليّ معًا، الابتسامة مرسومة على وجهيهما، وللحظةٍ شعرتُ أنهما تؤامان، تشابها من كثرة ما عاشتا جنبًا إلى جنب، حتى انعكس الرفيق في ملامح الرفيق.
رفعت حاجبيّ وأجبتُ بتعالي متعمد
"لن أغير رأيي!"
لكن الباب انفتح، وتحوّل جوّ الغرفة. دخل رجل في منتصف العمر. شعره مرتب على غير عادة السادة، ووجهه ساكن، هدوء ملامحه كان مألوفًا إلى حدٍّ أقلقني. وما إن وقعت عيناي على محيّاه حتى تذكرت... إنه نفسه المشرف على حفر الحجر، الرجل الذي أبقى ميراي على قيد الحياة يومها.
التقت عيناه بعينيها. انحنت ميراي بسرعة، صوتها يتهدّج وهي تقول
"سيدي، سننتهي قريبًا."
اقترب منها خطوة... خطوة واحدة فقط كانت كفيلة بأن تزرع الرعب فينا أنا وسيرشا. كل ما فصل بينهما تلك المسافة الضئيلة، وتلك الأنفاس المرتجفة التي غادرت صدر ميراي.
ابتسم فجأة، صوته مفعم ببهجة غريبة وهو يسأل
"هل كبرتِ؟"
اتسع بؤبؤ عينيها في صدمة. ضحكت بتوتر، كأنها تحاول التماسك
"أ... أجل... مرت سنتان منذ آخر مرة التقينا."
قهقه هو الآخر، ثم تابع
"كم أصبح عمركِ؟"
رفعت أصابعها مرتبكة، تمتمت
"أظن..."
لكنها لم تعرف العدد. بالكاد تجيد العد حتى العشرة، ولا تقوى على الكتابة إلا خفيةً بفضل محاولاتنا. عندها سارعت سيرشا تجيب عنها
"إثنا عشر. عمرها إثنا عشر عامًا."
أومأ الرجل مبتسمًا، وصوته هادئ كأنه يحدّث نفسه:
"الوقت يجري..."
شعرتُ بغرابة الموقف، فتقدمت بخطوة، وصوتي مشدود بالتوجس
"سيدي... هل تريدنا أن نغادر؟"
رفع حاجبيه بدهشة طفيفة، ثم أجاب
"لا! ابقوا وأكملوا عملكم. أرى أنكم ستنهون قريبًا."
ترددتُ لحظة، ثم رفعت كتفيّ بلا حيلة
"حسنًا..."
عدنا نكمل التنظيف، بينما جلس هو يراقبنا في صمت، يتأمل وجوهنا كمن يقرأ شيئًا دفينًا. يحيينا بابتسامة عابرة بين حين وآخر، ابتسامة لم يصنعها أي سيد من قبل.
وحين خرجنا من منزله مع الغروب، وسرنا في الطريق الضيق نحو مكان نومنا المعتاد، تسللت كلماتي بتردد
"هل... شعرتما بشيء غريب فيه؟"
أجابت سيرشا، نبرة صوتها مشوبة بارتباك
"نعم... رأيتُ أصنافًا لا حصر لها من السادة، لكنني لم أرَ شخصًا مثله."
أضفتُ بحدةٍ ممزوجة بالقلق
"لم يكن هكذا حين عرفناه. أذكر جيدًا أنه أراد التخلص من ميراي... لولا تدخل مانسا. ما الذي غيّره؟"
ابتسمت ميراي ابتسامة نقية، صافية كقلبها
"ربما... هو شخص طيب القلب فقط."
قهقهتُ بسخرية مرة
"لا وجود لهؤلاء الأشخاص يا ميراي."
لكن سيرشا تمتمت بصوت خافت، كأنها تحدث نفسها أكثر مما تحدثنا
"ربما... ميراي محقة."
توقفت سيرشا للحظة،كأنها تذكرت شيئًا غادر ذهنها منذ سنوات
"لحظة!ميراي صنعت هذا بالأمس لكِ!"
اقتربت حيث وضعته،خيوط محيوكة ببعضها بدقة،خشنة،و مزينة ببعض الصخور
"انه عقد بسيط،في تقاليدي،نهدي من نحبه عقد ليبقى معه طوال حياته!"
قهقهت ميراي و السعادة تتجلى في وجهها و هي تتفحص العقد بطفولية مرحة
"شكرا سيرشا!!!!احبكِ!!"
كانت ميراي أشبه بزهرةٍ صغيرة وُلدت في أرضٍ قاحلة، نقية القلب، تبحث عن الطهارة في أرواحٍ أثقلتها العيوب… تمامًا كما تفعل سيرشا.
حين دخلنا الإسطبل، كان الجمع قد استعدّ لتعلّم الكتابة. ارتسمت على وجهي ابتسامة عابرة وأنا أرحّب بهم، ثم علت همهمة شاب من الخلف
"نوح! مجموعتك تأخرت في التنظيف!"
أجبته بهدوءٍ متعمد
"الأمر ببساطة أن السيد الذي نظفنا منزله… غريب الأطوار."
عندها، خرج مانسا من بين الظلال، يحمل شمعةً يتيمة، ووضعها في منتصف المكان كمن يهيئ مسرحًا للبوح. نظر إليّ بترقبٍ وسأل
"غريب؟ بأي معنى؟ وأي سيد تقصد؟"
لم أنتبه أن ميراي بادرت بالإجابة، بابتسامة واهنة
"السيد الذي منحني الحياة… بدل أن يسلبها."
تصلّب وجه مانسا، وارتفع رأسه فجأة، تتلألأ في عينيه شرارة غضب
"ذلك الحقير؟!!"
رفعت سيرشا يديها بارتباك، كمن يحاول تهدئة عاصفة
"مانسا! قد لا تصدّق، لكنه كان ودودًا!"
دخلت أثينا تحمل على كتفيها ثلاثة أطفال يتدافعون بالضحك، وعلّقت بلهجة لا تخلو من السخرية
"سيد؟ لطيف؟! كلمتان لا تجتمعان في جملة واحدة."
أضفت بهدوء أثقل من الصمت
"و هذا ما يقلقني."
جلست سيرشا في منتصف التجمع،اخذت ميراي بالجلوس بجانبها،التقطت سيرشا ورقة وقلمًا، ثم همست دون أن ترفع رأسها
"ما شأننا نحن؟ المهم أن لا يلحق بنا الأذى."
رفعت كتفيّ بلا مبالاة مصطنعة
"محقة يا حلوتي… لا شأن لنا."
ابتسمت أثينا بازدراء وقالت
"ألن تمل من هذا اللقب؟ أظن أن سيرشا لا تبالي إن كففت عن مناداتها به."
رمقتها بانزعاج وأجبتها
"وما دخلكِ أنتِ يا عريضة الأنف؟ لو كنتِ بجمالها لناديتكِ بحلوتي أيضًا."
قهقهت بحدة
"أفضل أن أكون جثةً على أن أكون حلوتك."
انفجرت سيرشا ضاحكة، ثم قالت بخفة
"دعيه يا أثينا… نوح يجد متعةً في إزعاجي، الحل الوحيد هو تجاهله."
اعترضت بحنق
"لكنني لا أحاول إزعاجك!"
قاطعني صوت امرأة مسنّة وهي تدفعني قليلًا بيدها المرتجفة
"هيا يا معلمنا المكسور… علمنا الكتابة، واترك عنك التذمّر."
تنهدت بغيظٍ مكتوم وجلست وسط الدائرة، محاصرًا بين ضحكاتهم ودفء تلك الشمعة الوحيدة.
كان الليل ساكنًا، وقد أثقلت الأجسادُ المرهقة تحت وطأة الطين والعرق. وحدها ميراي، الطفلة التي لم تزل تحمل في عينيها براءة الغد، استيقظت وهي تكاد تختنق من عطش مفاجئ. نهضت بخطى متعثرة، وسارت صوب البئر القريب، وحدها، كما لو أن العتمة اختارتها هذه الليلة.
وقفت تملأ راحة يدها بالماء، حين لمحت وجهًا مألوفًا، كانت تسميه في سرها "السيد اللطيف"، إذ لم تعرف منه غير ابتسامات عابرة وكلمات رخوة. اقترب منها بخطى واثقة، حتى كاد الليل كله ينكمش حول جسده.
قال بصوت هادئ
"الفتاة الشابة؟"
قهقهت ميراي بخجل طفولي، تكاد تختبئ خلف كلماتها
"لست شابة... لم أبلغ الثانية عشرة بعد."
تأملها لحظة، ثم مال نحوها
"ما اسمكِ؟"
"ميراي."
"اسم جميل..."
مد يده، ووضع في راحتها كأس ماء، مملوءًا حتى الحافة. ابتسم قائلاً
"تبدين عطشى."
أجابت بصدقها الطفولي
"كنت كذلك فعلًا."
رفعت الكأس إلى فمها، شربت، لكن الطعم لم يكن للماء... كان شيئًا آخر. ثقلٌ مفاجئ أسقطها، ودوار حاصر رأسها حتى غامت عيناها، قبل أن يبتلعها الظلام.
...
حين بزغ الصبح، التفتت سيرشا حولها. اعتادت أن تجد ميراي نائمة بجانبها، مضمومة كما لو أنها تبحث عن دفء الأمومة الضائعة، لكن فراشها كان خاليًا. ارتبكت وسألت
"أين ميراي؟"
أجبتها بلامبالاة مصطنعة
"لا أدري، لم أرها."
قالت أثينا محاولة التخفيف
"ربما استيقظت باكرًا وبدأت العمل."
قهقهتُ بهدوءٍ مكسور
"تلك عادتها."
بدأنا أعمال التنظيف في الإسطبل، لكن شيئًا في روحي كان ناقصًا، ظل ثقيل يخبرني أن اليوم ليس كسائر الأيام. وفجأة، مزقت صرخة سيرشا قلبي قبل أن تمزق الهواء.
ركضت. كنت أركض كأنني أريد أن أسبق القدر. سبقني مانسا، لكنه كان واقفًا، متحجر الملامح، كأن الدم قد فارق وجهه.
هناك، في زاوية الإسطبل قرب بيوت السادة، كانت ميراي... لكنها لم تكن ميراي التي نعرفها.
ملقاة على الأرض، جسدها النحيل مغطى بملاءة متسخة، مرقّطة ببقع لا يخطئها البصر. كدمات متناثرة على أطرافها، وشحوب يطفئ كل بريقها. عيناها مفتوحتان، تحدقان في الفراغ، وكأن الليل الذي أسقطها لم يغادر روحها بعد.
صرخت سيرشا وهي تجثو قربها، يديها ترتجفان وهي تمسك وجهها الصغير
"من... من فعل بكِ هذا؟!"
لم تجب. كان الصمت أكبر من الكلمات، صمت يصرخ وحده بما حدث.
اقتربتُ، والغضب يتفجر في صدري، حتى احمرّت عيناي
"أيّ يد دنّست طفولتكِ، ميراي؟!"
تمتمت بشفاه يابسة، بالكاد يُسمع صوتها
"السيد..."
سكتت، ثم أغلقت عينيها، كما لو أن ذكره أثقل من أن يقال.
صرختُ في الهواء، أبحث عن شبحه بين الظلال
"أيها الحقير! تسرق براءة طفلة؟! أين أنت لتسمع لعناتي؟!"
أجهشت سيرشا بالبكاء وهي تضم ميراي إلى صدرها، تحاول أن تغطيها من عيون العالم، كأنها تريد أن تعيد إليها الطفولة التي سُرقت. أما ميراي، فلم تقل شيئًا سوى همس خافت، خرج من أعماقها المكسورة
"توقفوا... عن الصراخ..."
وكان في صوتها من التعب ما يكفي ليحطم قلوبنا جميعًا.ظللت واقفًا، يدي ترتجفان، والنار تلتهم صدري. لم أرَ طفلةً محطمة أمامي فقط، بل رأيت مرآةً لظلمٍ يتكرر في كل زاوية من هذا العالم العفن. هنا، حيث يُؤخذ من الأطفال ما لا ينبغي أن يُمسّ، ينكشف قبح البشر بأبشع صورة.