الفصل 22
طارت اخيرا
ظلمٌ ثقيل اجتاح عيوننا، كأن الليل قد انغرس في صدورنا.
اقتدنا ميراي إلى الإسطبل، خطواتها متعثّرة، جسدها الصغير يرتجف، ويديها متشبثتان بذلك العقد البسيط الذي صنعته لها سيرشا، كأنه آخر خيط يربطها بالعالم، آخر ملاذ في كونٍ سرق منها كل شيء.
تقدمت أثينا بسرعة، خائفة أن تنهار أمام أعيننا، فألقت على كتفيها ثوبًا فضفاضًا، واسعًا عليها أكثر من اللازم، ومع ذلك ظلّت الطفلة تضمّه إلى جسدها وكأنها تختبئ فيه من أنظارنا. حاولت أثينا أن تبتسم وهي تزيل الغبار عن خصلاتها المتشابكة، قائلة بنبرة متكلّفة
"انظري… تبدين لطيفة بهذه الثياب."
لكن ميراي أشاحت بنظراتها عنها، تشبثت بقبضتها بثوبها حتى ازرقت مفاصل أصابعها، وتمتمت بصوت بالكاد خرج من بين شفتيها المرتجفتين
"أرجوكم… لا تنظروا إلي… أريد أن أبقى وحدي قليلاً."
ارتجفت أنفاس مانسا، صوته خرج متردداً كأنه يخشى أن ينكسر أكثر
"ميراي… أنتِ فتاة قوية حقًا… لا تدعي ذلـ…"
غير أنها قطعته بهمس واهن، كسكين بارد
"لا أريد… الحديث الآن."
كانت الطفلة التي عرفناها، ضحكتها أوسع من الحياة نفسها… قد تحولت إلى ظلٍ باهت، جثة تتحرك وتتكلم بلا روح.
أمسكتُ كتف سيرشا، لمحتُ في عينيها ما لا يطاق، فتمتمتُ لها
"لنتركها وحدها…."
خرجنا جميعًا من الإسطبل.
ولم تكد أقدامنا تلامس العتبة حتى انهارت سيرشا على ركبتيها، كأن الأرض لفظتها من فوقها، جرفها الحزن حتى لم تعد قادرة على حمل نفسها. انحنيت إليها، سحبت جسدها بين ذراعي المرتجفتين، شعرت بانكسارها يتسرب إلى صدري. همست، وصوتها يتهشم كسقفٍ ينهار
"تلك الطفلة المسكينة… ما الذي تبقّى لها؟ سلبتها الحياة أمّها… والآن سُرقت طفولتها…"
ارتجف صوتي المبحوح
"سأذبحه… سأقطع عنقه… حتى لو كان ثمن ذلك موتي، سأفعلها…"
شهق مانسا بتوتر، وقد اتسعت عيناه رعبًا
"نوح؟! قتل؟! لا… لا يمكننا أن نقتل إنسانًا!"
رفعت رأسي نحوه، وكنت أشعر ببركان يغلي في أعماقي، عيناي لم تعودا تعرفان الصبر
"هل يسعدك أن تراها هكذا؟! هل يعجبك أن تتحول روحها إلى رماد؟!"
تدخلت أثينا بغضب، ووجهها متصلّب كجدار
"توقفا! الجدال لا يغيّر شيئًا! لقد انتهى الأمر، وأراهن أن ذلك السيد قد خرج من المعسكر ولن نعثر عليه أبدًا. ما يجب أن نفكر به الآن… هو كيف نعيد لميراي ضوءها، كيف نرد لها ما تبقى من طفولتها!"
لكن سيرشا، بصوت يختنق بالبكاء، همست
"أي طفولة…؟ كيف سنعيدها وقد انتُزعت من جذورها؟"
في تلك اللحظة، اخترقتنا همسات العبيد المتجمهرين:
"سمعتم بما حدث؟"
"أحد السادة اعتدى على الطفلة…"
"يا للعار…"
"عقلها الصغير لا يحتمل هذا…"
"ليت السادة يسقطون واحدًا تلو الآخر!"
"سوف ترتد أفعاله على ابنته… لن ينجو بما فعل!"
ترددت الكلمات من حولي مثل طعنات تتساقط على صدري. عضضت على أسناني حتى كدت أكسرها، وتمتمت بغيظٍ مكبوت
"حين أعود حرًا… لن ينجو… سأقتله بيدي."
وحين التفتُ، رأيت دموع مانسا تتساقط بصمت، عيناه غارقتان في فراغٍ بعيد. تمتم بذهولٍ متأخر، كمن اكتشف الحقيقة فجأة
"لهذا… لهذا وافق على بقائها منذ البداية… كانت تلك نواياه… منذ اللحظة الأولى… ذلك الحقير."
..
كنا نُساق إلى العمل كما تُساق البهائم، نحرث الأرض بأيدينا، نُجرّ عرقنا بدل الماء، نُستنزف حتى آخر نفس. لم يكن بيننا ما يُسمى راحة، ولا ما يُسمى حياة. أمّا ميراي… فقد أنقذها مانسا من ذلك الجحيم، تحدّث مع السادة، وبصوتٍ متكسّر أخبرهم أنه سيتحمّل نصيبها من العمل. أراد أن يحفظ لها ولو يوماً واحداً من الراحة، يوماً واحداً من الصمت بعيداً عن السياط.
لكن الساعات كانت ثقيلة، كأنها صخور تتساقط على صدورنا.
كل دقيقة تمرّ كانت تذبحني.
كل لحظة كانت تقتات على قلبي.
لم أرَ في التراب سوى ملامحها، لم أسمع في ضجيج المعاول سوى صوت بكائها المكتوم. كلما نظرتُ إلى سيرشا، ورأيتها تعمل بيدين مرتجفتين، والدموع تتكدّس في عينيها قبل أن تسقط، كان داخلي يتمزق أكثر.
وأخيرًا… حان وقت العودة.
إلى الإسطبلات.
إلى حيث انتظرت أن أراها، أن أُبهجها، أن أطمئن أن روحها الصغيرة لم تنطفئ بعد.
كنت في المقدمة، دفعت باب الإسطبل.
توقعت أن أجدها جالسة في الزاوية، أو نائمة على كومة قش… لكن الفراغ هو ما استقبلني.
لم تكن ميراي هناك.
لم تكن على الأرض.
عيناي وقعتا على شيء وحيد… ورقة صغيرة مطوية في التراب.
لكن… قبل أن تصل يدي إليها، رفعت بصري.
وحينها انهار العالم.
في سقف الإسطبل… كانت ميراي.
جسدٌ صغير يتأرجح بصمتٍ ثقيل، وملامح متجمدة، كأنها ودّعت كل شيء.
لم يكن حبلًا هو الذي شدّها… بل العقد. ذلك العقد البسيط، الذي صنعته لها سيرشا بيدها المرتجفة، صار الآن أداة موتها.
تجمّد دمي. شعرت بالبرد يغزو عروقي كأنني غارق في نهرٍ من جليد.
ظننتها كابوسًا… أسوأ كوابيسي، وأنني سأفتح عيني بعد لحظة لأكتشف أني ما زلت نائمًا.
لكنها لم تكن كابوسًا.
كانت الحقيقة، عاريةً، أقسى من كل شيء.
تقدمت نحو الورقة بخطوات مترددة، كأن الأرض من تحتي تتحطم.
أصابع يدي ارتجفت وهي تفتحها.
كلماتها الصغيرة انغرست كسكاكين في عينيّ قبل قلبي
"أخيرًا… حلّقتُ بأجنحة الحرية"
وراء ظهري، دخلت سيرشا.
لم تحتج سوى نظرة واحدة.
لم تحتج سوى أن ترى.
غطّت وجهها بكفيها الهزيلتين، وخرجت منها صرخة… صرخة شقت سكون الإسطبل، شقت صدري، شقت حياتي كلها نصفين.
صرخة لم تكن مجرد بكاء… كانت نداءً أخيرًا، كانت وداعًا، كانت حشرجة حياةٍ تُنتزع من قلب أمٍ لم تلدها.
عندها فقط… انفتحت دموعي.
لم أعد أستطيع الكتمان.
الدموع اجتمعت في عينيّ، وانهمرت كما لو أنها لم تجد وقتًا لتنتظر.
كنت أبكي… وأنا أعلم أن بكائي لن يعيدها.
تجمّد مانسا في مكانه، كأن الأرض ابتلعته. عيناه اتسعتا حتى فاضت بالدمع، والأنفاس تتقطع في صدره كمن يوشك على الغرق. بدا كأن روحه قد انسلت من جسده، وتركته قشرة فارغة أمام هول ما رأى.
أما أثينا… أثينا التي طالما صمدت في وجه الشدائد، وواجهت العواصف بقلبٍ لا يرتجف… فقد انكسرت. جثت على ركبتيها، وبكاؤها علا في الأرجاء كنداءٍ مبحوح، كصوتٍ يجرح صمت العالم. لم يعد في ملامحها أثرٌ لتلك المرأة التي تقاوم، بل ظلّ إنسانةٍ نزعت منها الحياة كل ما تملك.
طفلة لم ترحل وحدها… بل حملت معها وجع كل طفلٍ كُسرت براءته، وكل روحٍ صغيرة حُوِّلت إلى صمتٍ معلّق بين الأرض والسماء.
في النهاية… طارت ميراي.
لم تحملها الأجنحة، بل حبلٌ عتيق،
ومع ذلك، حققت ما تمنّت دومًا…
حلّقت بعيدًا،
لكن ليس إلى حيث كنا ننتظرها،
بل إلى سماءٍ لا يُطفأ فيها النور،
إلى حريةٍ لا يطالها قيد.