الفصل 23
ابواب الرخام
كل شيء... أخذوه مني حتى الهواء الذي كنت أتنعَّق به. حتى تلك الطفلة.....أخذوها.
السادة البليدون لم يأتِ منهم سوى القسوة؛ بعد فاجعتها رفضوا دفنها كما يفعلون دومًا بالمهملين، لكن ذرة من عطف، لم أدر من أين أتت، جعلت بعضهم يستجيب. دفنوا ميراي.
دفنوا معها ضحكتها، أحلامها الصغيرة، ابتسامتها التي كانت تميل إلى الضعف مثل زهرة تذبل أمام نار. لقد أطفأوا شمعة أملٍ كانت تلوح لنا من بعيد، وحل مكانها ظِلٌّ طويل من اليأس.
جلسنا في منتصف الليل، والساعة تتنفس ببطء؛ مرّ أسبوع على الحادثة كما لو أن الأسبوع قد امتد إلى أبدية. المكان كان يئن بصمت؛ الجدران تحفظ صدى الكلمات التي لم يُكتب لها ضعفٌ أن تُقال. سيرشا جالسة قرب الحائط، تضُم ساقيها إلى صدرها كما لو أنها تحاول جمع جسدها الممزق من الأطراف. ثيابها مترهلة ووجهها شاحب، وعيونها لم تعد تلمع إلا من كثرة البكاء الذي أرهقها حتى النُّطق.
تقدمتُ إليها، هامسًا بصوتٍ كاد أن يذوب في الفراغ "متى آخر مرة نمتِ فيها؟"
همست ببطء، كأنها تحاول تذكُّر اسمٍ ضائع
"متى آخر مرة انت نمتَ فيها؟"
لم أجد ردًّا مناسبًا، رحت أفرك مؤخرة رأسي باحثًا عن كلماتٍ لا أملكها؛ اكتفيت بالصمت وجلست إلى جانبها، محدقًا في لا شيء.
ثم قلتُ، بصوتٍ خافت
"رأيت... السادة قد اجتمعوا. يبدو أنهم ينوون اتخاذ قرار ما."
تحاشى الكلام عنها بنبرةٍ باردة، لكنها كانت تخفي خلفها ثقل الخوف
"قرار؟" همست. "هم يخططون لسلب أرواحنا."
تملَّكها حديث هادئ، أشبه بترنيمةٍ مكسورة
"يحاولون أن يسلبونا كل شيء. يريدون سلخ جلودنا عن عظمنا ليتدفأوا بها في شتاءٍ قادم. حتى الآن لم يفعلوا ذلك حرفيًّا، لكن حياتنا أقرب ما تكون إلى حياة حيوانات..قد تُعطى طعامًا أفضل منا."
صمتت لحظة، ثم تمتمت
"أظنُّها تحصل على طعامٍ أكثر."
قلتُ باسمها، وقلبي يتلوّن بغصة
"سيرشا..."
انفجرت فجأة، بنبرةٍ لهجت بكل ما في صدرها من احتقان
"لم يدعوني لأعيش! لم أرَ الغيوم إلا بعيونٍ دامعة من التعب! نساؤهم ينامون تحت سقفٍ دافئ ويرتدون ثيابًا لائقة، ونحن نرتدي الخِرَق. أطفالهم يضحكون، وأطفالنا يعملون حتى تتقطع أذرعهم... ويواجهون ما واجهته ميراي."
اقتربت الدموع من شفتيها حتى تغلغلت في كلامها "نوح... سُلبت روحها بسببي. لقد أهديتها العقد الذي صنعته لها... لو لم أهده لها لربما..."
أمسكت بكتفها وأحسست ببرودةٍ شديدة في كلامها، الكلمات تعود وتعاقب نفسها
"بسببك؟! لا، بل بسبب ذلك السيد المختل الذي فرَّ هاربًا! ويجب أن ألوم نفسي أيضًا...لو راقبتها، لو لم أتركها..."
سقط صوتها، وانهارت أخاديدها: "هذا خطأنا جميعًا. لأننا لم نرمها، لم نساندها. تمسكنا بأوامر السادة اللعناء فكنَّا أدواتٍ لا غير."
نظرتُ إليها؛ احمرتُّ خديها، وعلت في عروقها نبضات الغضب القديمة، غضبٌ لم يبرحه منذ سنوات. قالت بنبرةٍ حنونة مُمزوجة بمرارةٍ قديمة
"نوح... لقد سكتَ عمري بأكمله. رأيت أمي تُذبح أمام عيني ولم أُحرِّك ساكنًا لأنني عبدة وضيعة. رافقت صديق طفولتي حيثما ذهب لأنه لم يبقَ لي صوتٌ أُعلنه. سُلبت مني الحياة لأنني كنتُ صمَّاء عن الحق، عمياء عن رؤية ما تحطّم حولي. خسرت كل شيء بصمتي."
همست بهدوءٍ يقطر ألمًا
"سيرشا... تلك الحياة غير عادلة بالفعل. نحن هنا نتوسّل للعيش بينما غيرنا يتوسّل لمرفهات العيش..."
توقفت، ثم أمسكت بيدها كطفلٍ يختطف دفء من يديه نظرت في عينيها وأمسك خَدَّها بيد واحدة، وصرتُ أقول بما بقي لديّ من عزمٍ وألم
"سأنهي تلك العبودية بيدي!"
الكلمة لم تكن تهديدًا فحسب؛ كانت قسمًا يولد من حطامنا. في صمتٍ تردّد، بدا كأن الحائط نفسه استمع وأدرك أن الليل لم يعد يحتمل خسائرنا بعد الآن.
ابتسمت ابتسامةٍ مريرة ثم أزاحت يدي ببرودٍ كأنها تردُّ على أمانٍ مهترئ. همست بصوتٍ قاسٍ، ملسعٍ
"توقف عن تلك الأحلام التافهة. من سيصغي إلى خطاب عبدٍ بالكاد يعرف كيف يكتب؟"
شددت حاجبيّ وأجبْتُها بلا تردد
"لن أسمح لتلك الدماء أن تُسفك بعد اليوم."
عندما رأت عيوني وقد غرقت بالدموع، فهمت أن كلماتي لم تكن لعبًا؛ تسلّقَت الدهشة محاجرها ثم همست، وكأن صوتها يختنق بالرجاء
"أ... ستجعلنِا حقًا...احرار؟"
وضعت يدي على يدها وأجبْتها بلهجةٍ تزنها العزيمة "على جثتي إن بقيتِ هنا. سأذبح هذا الجسد كي أراكِ حرة. خسرتُ ميراي، ولن أخسركِ أنتِ."
ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ هزيلةٍ منتصفها ألم، ودمعتان ترقّان خديها
"ربما أكون أنانية في قولي هذا... لكن شكرًا للعبودية التي جعلتك تقف إلى جانبي... لا أظن أني أستطيع العيش بدونك."
نهضتُ، وصوتي امتلأ بحزمٍ ناعم
"لا...بل تستطيعين." تابعتُ قبل أن يتشنج صوتي بالبكاء
"إذا متّ... فلا أبغيك أن تبكين. اذهبي وعيشي حريتكِ."
فجأةً، وكأن كلمات العزم ألهبت قلبها، قبضت يدها الضعيفة وطرقت صدري بقبضةٍ رقيقةٍ لكنها قاسية. همست بصعوبةٍ مختلطة بغضبٍ ومحبة
"فلتخرس... توقف عن تمني الموت..."
شعرت بارتعاش قبضتها على جلدي، فحنوتُ على جسدها النحيل واحتضنتها كما يحتضن آخرُ دفءٍ متبقٍ في الدنيا. ابتسمتْ.. ابتسامةٍ غلفتها الدموع والارتياح معًا...وقلت بصوتٍ يكاد يكون اعترافًا
"أحبك حين ترفضين بعنف..."
حانت ساعة القرار، وكأن السماء نفسها توقفت عن التنفّس لتهدّي أنفاسنا. اجتمعنا في الساحة الرئيسية صفًا واحدًا من أجسادٍ مُرهَقة، وأمامنا تقف وجوه السادة المشرقة بابتساماتٍ مَرِحة، مبتسَماتٍ تُشبه قبضةٍ على القلب.
يبتسمون وكأنهم استولوا على الدنيا وما فيها. همهمات مانسا اخترقت الهواء بمرارةٍ ضئيلة
"أكره وجوههم المبتسمة هذه..."
أيدته أثينا بنبرةٍ مشابهة، وعيناهما تشيران إلى ثِقَلٍ لا يُرى.
"هم يبتسمون عوضًا عنا... وكأنّ طفلةً ماتت قبل أيام ليست سببًا لكسر أحدهم."
نظرت أثينا إلى سيرشا بترقّبٍ؛ همست لها بصوتٍ رفيقٍ مملوءٍ بخوف
"هل... تظنين أنهم سيعدموننا جميعًا؟"
أجابت سيرشا بهدوءٍ لم يخفِ قلقها
" لا... ربما أسوأ من ذلك. من يدري."
ثم علت صوت أحد السادة، جهوريًا صارمًا
"سنرسل عبيدًا نختارهم بأنفسنا ليخدموا في أحد القصور مقابل مبلغ من المال... لنا طبعًا، ومن ثم سيعودون!"
تبدّلت الملامح حولي بعضهم رعدةٌ من الخوف، وبعضهم ابتسامةٌ محكومة بالانقياد. أما أنا، فخفتُ. خفت الفراق الذي قد يلتهمنا جميعًا. نظرت إلى سيرشا وقلبي ينوء، لم أستطع أن أردد إلا تلك الجملة الصغيرة في داخلي
لا أريد أن أفارقها...
خطى أحد السادة نحونا وهو يحمل عصا ترمز لسلطته، كمن يختار بهائمٍ للذبح. أشار إلى مجموعةٍ من العبيد وقال بصوتٍ جاف
" أنتم!"
هزّ عصاه يمينًا ويسارًا؛ عينه طافت فوق وجهي فلوّح بكلماتٍ كرّست رعبًا بسيطًا
"أنت ذو الحواجب العريضة!!"
اتسعت عيناي حين نُطقت تلك الكلمات، وداهمني ذعرٌ كأنّه سائلٌ باردٌ يتسلل إلى صدري. ثم التفت السيد بعصاه وأشار إلى سيرشا. لقد أخترانا معًا أو اختارنا أن نُطرح في مصائرٍ متباينة بنفس الوقت.
همستُ لها بلا مبالغةٍ ولا تلوين
" لحسن الحظ لن أترككِ..."
صمتت لبضع ثوانٍ ثم قالت بتوترٍ مسموع
" لست مرتاحة بهذا الشأن..."
أنزل السيد عصاه وقال ببلاهةٍ ما
"هذا العدد فقط. الآن أَوضبوا أشيائكم، ستنطلقون فجر الغد."
تنحّى السادة إلى حجورهم المريحة، تاركيننا في تجمعٍ صامتٍ بين ما يشبه الاستسلام وما يشبه التخطيط. اندفعت أثينا صوب سيرشا، كأنما تحاول أن تصنع حاجزًا من الكلام لدرء الخوف
"أتوسل إليكِ!!!!! لا تموتي هناك!!"
صرخت سيرشا بادِّعاءٍ وشجاعةٍ محشوة بالخوف
" لن أموت!! أقسم بأنني لن أموت!!"
نظرت أثينا إليّ بطرفة عينٍ فيها شيءٌ من الحقد والصلابة معًا
"لا بأس بموتك أنت."
ردّ مانسا بهدوءٍ غريبٍ
" أظنكِ تكرَهين الرجال كثيرًا."
هزّت كتفيها بلامبالاةٍ مقنعة
"لن يبقَ رجالٌ في الأساس!"
قهقهت سيرشا بخفةٍ لتخفيف الوحشة، ثم جرّت بضحكةٍ أقرب إلى تحدٍ
"رفاق... لا تقلقوا، سنبقى أنا ونوح سويًا، وسنحافظ على سلامة بعضنا، وسنعود بالتأكيد! أعني... ما أسوأ ما قد يحدث في قصر؟"
لمحتُ في كلامها رغبةً في إثبات نفسها لها ولنا، فأجبت بدوري، محاولةً أن أمنح الأمل حجمه
"لا شيء! القصور آمنة حسب علمي، لم أدخل واحدًا من قبل!"
فرك مانسا ذقنه كما لو أنه يقيس احتمال النجاة بعقله "ربما لا يعانون مشاكل خارجية بقدر المعارك الطبقية."
لوحت سيرشا بيدها كأنها تلوّح لقدرٍ يمكن إقناعه، وقالت بثقةٍ مهتزة
" سننجو بالتأكيد."
نقلت قلقي هامسًا، لأن فكرة الهروب كانت تلمع في عيوني مثل حلمٍ محترق
" ماذا عن... خطة الهروب؟"
عقد مانسا حاجبيه ثم تكلّم بحزمٍ تخطّى الفزع
"من أخبركِ بأننا استسلمنا؟ سنواصل ترتيب الخطة وشؤون العبيد. أنا وأثينا سنجهّز كل شيء، وسننتظر عودتكما لننفّذ هروبًا لائقًا. لن نُقدِم على أي هروب من دونكما!"
ضربتُ ظهره بخفةٍ، محاولةً أن أُخفي الخوف بالإعجاب "أحب عقليتك!!!"
وهكذا وقفنا ..مع خفقانٍ ممتزجٍ بالأمل والخوف... نستعد لليلٍ قد يغيّرنا، للأقدار التي ستقرر من يبقى ومن يرحل، لكن الشعبرة الأهم كانت تلك الوعود الصغيرة؛ أن نُبقي بعضنا بعضًا، حتى لو هدّدتنا القصور بابتلاعنا.
بزغ الفجر، لكنه لم يكن فجرًا عاديًا. بدا وكأنه يفتح أبواب قدرٍ جديد. لأول مرة منذ زمنٍ بعيد سُمح لنا باعتلاء العربات الخشبية، عربات بالية متشققة الأطراف، كأنهم أرادوا أن يُغلفوا قسوتهم بنعيمٍ زائف. ومع ذلك، وقعت سيرشا في فخ هذا الوهم، عيناها تلمعان بدهشة طفلٍ لم يتعرف على القسوة بعد.
جلست بجانبي، وصوتها يتقد حماسًا
"لم أركب عربة من قبل!"
ابتسمتُ بخفة وأجبت
"أما أنا... فقد قدتها."
شهقت، ممسكةً بكتفي بدهشة تكاد تُضحك الحجارة
"قدتها!؟ تمتطي حصانًا بنفسك؟!"
أومأت برأسٍ يفيض بالفخر، وكأنني فارسٌ في حكاية منسية
"أجل."
لكن السعادة لم تدم في ملامحها سوى لحظة، إذ تبدلت بسرعة إلى رهبة وذعر، انعكس ارتجافها في صوتها
"لا أصدق... سندخل القصر يا نوح... قد نموت هناك!
انتصبتُ بنبرةٍ مصطنعة، كأني أستعير غضبًا كي أخفي خوفي
"بحقكِ؟! كنتِ تباهين أمام أثينا بشجاعتكِ، وها أنت تنهارين الآن!"
لوّحت بيديها بعصبية، كلماتها تتسابق مع أنفاسها
"أنت لا تفهم!! مانسا ليس برفقتنا!"
قلت بدهشة
"وماذا في ذلك؟"
رفعت يديها المرتعشتين إلى وجهي، كأنها تريد أن تثبت عينيّ في مكانهما
"من سيوقفك عن افتعال المشاكل إذن؟!"
انعقد حاجباي بشبه غضب
"ماذا تظنينني؟ مصارعًا؟"
زفرت بمرارة
"أسوأ من ذلك بكثير! كيف سأمنعك قبل أن تجرّنا إلى كارثة؟"
صرختُ مدافعًا عن نفسي
"لن أجرّنا إلى شيء!"
"عدني إذن!"
التفتُ جانبًا متكتفًا، متظاهرًا بالبرود:
"لست أكذب."
هزّتني بعنف، بعينين تلتمعان بالرجاء أكثر من الغضب:
"عدني!!!"
تأففتُ مستسلمًا
"حسنًا، حسنًا أعدكِ! يكفي رجًا... أما يكفيكِ اهتزاز العربة فوق الحصى؟!"
ابتسمت، وأطلقت تنهيدة طويلة كأنها تُسلم أمرها لريح الصباح، ثم قالت بابتسامةٍ صغيرة
"أظنني... مستمتعة قليلًا."
ضحكتُ بخفة، وذكرتها
"أذكر أنكِ كنتِ سعيدة أيضًا حين جئنا لشنقيط."
ارتبكت، ارتسمت على وجهها ملامح خجلٍ متوتر
"كيف تعرف؟ كنتُ مع جوستاف!"
أجبت ببرودٍ مقصود
"ببساطة لأننا جئنا في السفينة ذاتها. كنتُ أجلس في الزاوية... أراقب تلك الفتاة المفعمة بالطاقة."
تألقت عيناها بفضولٍ طفولي
"وما الذي فكرت فيه حين رأيتني؟"
أغمضت عيني وتظاهرت بالضجر
"يا إلهي... ليتها تصمت."
تجمدت في مكانها، الغضب يطلّ من ملامحها، فانفجرتُ ضاحكًا وقلت
"أمزح! لم أقل هذا!"
مددت أصابعي لأقرص خدها بخفة، وأكملت بصدقٍ مُخفي في المزاح
"قلت لنفسي: ليت ساحرة الجمال هذه تنظر إليّ ولو صدفة."
ارتبكت بشدة، وجاء صوتها هامسًا متلعثمًا
أنا؟ ساحرة الجمال؟!"
"حقيقة لا يمكن إنكارها."
لكن صوتًا خشنًا قطع لحظتنا، أحد الرجال الجالسين أمامنا سعل بغيظ
"لا تنسوا أن العربة مزدحمة، دعونا نرتاح، اخرسوا!"
انعقد حاجباي من جديد
"فلتصمت أنت ولا تقاطع لحظاتٍ_"
قاطعنـي بتهكم
"عريض الحاجبين."
تجمدتُ لحظة، ثم انفجرتُ غاضبًا
"بحق السماء! ألم تلاحظوا حجم حاجبي بعد سنواتٍ من العمل؟!"
كتمت سيرشا ضحكاتها، ثم انفجرت أخيرًا وهي تقول ساخرة
"إنهما عريضان بالفعل!"
كنتُ لأغضب... لولا أن ابتسامتها تلك، الساحرة، التهمت كل ذرة غضبٍ بداخلي.
مرت أيام الرحلة ثقيلة كأنها قرون، ليل يجرّه نهار بلا رحمة، والاهتزاز المستمر للعربة جعل الزمن يبدو بلا نهاية. ومع ذلك، حين بان القصر أخيرًا أمام أعيننا، أحسست أن كل تلك الليالي المرهقة لم تكن سوى ممر إلى عالمٍ آخر.
ارتفع القصر شامخًا كأنه يتحدى السماء، مبنيًا من حجرٍ رماديّ صلب، تتلألأ واجهاته الرخامية تحت الضوء وكأنها مرآة لزمنٍ مختلف. من بعيد، كانت الغرف الهائلة واضحة للعين، شبابيكها العالية مفتوحة على فراغٍ يثير الخوف والفضول معًا. وعلى الجوانب، صفوف الحرس وقوفًا في صمتٍ بارد، أجسادهم مستقيمة كالرماح، وعيونهم جامدة لا يلينها شيء.
لكن ما شدّني لم يكن الحجر ولا الحرس، بل الحدائق التي التفّت حول القصر. خضرةٌ لم أرَ مثلها قط في شنقيط؛ أشجار وارفة، نباتات تلوّن الأرض، وزهور نادرة بدت كأنها خرجت من كتاب أساطير. حتى الهواء تغيّر، صار أخفّ، أنقى، يحمل رائحة عشبٍ رطب لم يلمس قلوبنا من قبل. السماء نفسها بدت مختلفة، صافية يختلط صفاؤها بغيومٍ بيضاء هادئة، وكأنها تعكس وجه عالم لا يعرف الغبار ولا القيود.
عندها فقط، أيقنت أن ما ينتظرنا لن يكون مجرد عملٍ في قصرٍ جديد... بل شيء آخر، شيء لم يختبره حتى الحرّ بنفسه، مزيج من الخوف والدهشة، من الوعد والوعيد. كأننا نُساق لا إلى مصيرٍ معلوم، بل إلى بوابة لعالمٍ سيعيد صياغتنا، شئنا أم أبينا.