الفصل 24
خلف الابواب
دخلنا ابواب هذا القصر.
ذلك العالم المضيء بالرخام والترف، حيث لا يُسمح لخطواتنا العارية الموحلة أن تدنس صفاءه. شعرت بأن جدرانه تنظر إلينا بازدراء، كأن الحجر نفسه يعلم أننا لسنا من طينته.
كان أول ما وقع بصري عليه جماعة من الخدم، مصطفّين كالتماثيل، لا ابتسامة تخرج من وجوههم، ولا دفء في أصواتهم. كبيرهم تقدّم نحونا، كانت كلماته باردة، صلبة، كأنها حجارة سقطت فوق رؤوسنا. ليست ككلمات السادة المشتعلة بالاحتقار، لكنها لم تترك لنا موطئًا للراحة أيضًا.
إلى جواري، كانت سيرشا تبتسم باندهاش طفوليّ، كأنها دُفعت إلى قلب النعيم فجأة. التفتت إليّ، صوتها مرتعش بالحيرة
"هل يجوز لنا حقًا أن نمشي في هذا المكان الساحر؟!"
أجبتها بهدوء حاد
"ولِمَ لا يجوز؟ نحن بشر مثلهم… لسنا حيوانات."
هزّت كتفيها باستهزاء، وعيناها تلتمعان بسخرية
"هذا ما تظنه أنت."
اكتفيت بالإيماء، بينما خطوات الرجل المسنّ تقترب.
كان طويلًا، جسده نحيل لكن ملامحه مشدودة كالنصل، كأن التجاعيد فيه أوامر محفورة عبر الزمن. عين واحدة تلمع من خلف عدسة زجاجية، أما شعره الرمادي المتناثر فبدا كرماد نارٍ انطفأت منذ زمن. أنفه الحاد جعل وجهه أشبه بنسر يترصّد فريسته.
توقف أمامنا، وصوته خرج جافًا
"أنا كبير الخدم… كريستوفر. أنتم جئتم من المعسكرات، من القذارة. منذ أن وطئت أقدامكم هذا القصر، انسوا حياتكم السابقة. قد تكون إقامتكم هنا مؤقتة، لكنها بالنسبة لنا قد تدوم للأبد. من يُحسن التصرف ويعمل بجد، ربما نختاره لينضم إلى خدم القصر. عندها… نشتري له حريته."
سكت لحظة، ثم أنهى بصرامة
"فكونوا مطيعين."
شعرت بقلبي يخفق بعنف، وخرج صوتي قبل أن أتمالك نفسي
"حرية؟!"
التفت نحوه بعينين متألقتين
"أيها العم كريس! متى ستشترون حريتنا؟!"
ارتسم الغضب على وجهه، حاجباه انعقدا كغيمة سوداء، وسيرشا إلى جانبي كادت تبتلع لسانها من الحرج، تلعن اللحظة التي التصقت بها خطاي بخطاها.
اقترب مني، يديه مشدودتان خلف ظهره، وصوته ثقيل بالإنزعاج
"أولًا… لا تنادني بالعم. أنا سيدك هنا. ثانيًا، اسمي كريستوفر وليس كريس. ثالثًا، الحرية لا تُمنح من الزيارة الأولى… بل بعد زيارات متعدّدة."
قلت متحديًا، حاجباي معقودان
"زيارات متعدّدة؟! وكم تستغرق الواحدة؟"
"سبعة أيام."
أجاب بلا تردّد، كأنه يلفظ حكمًا لا نقاش فيه.
صمت الجميع. العيون مطرقة، الأفواه مغلقة، فقد وُلد هؤلاء وهم لا يسألون، لا يعترضون، لا يجرؤون على الارتجاف خارج القيد.
ابتعد كريستوفر بخطوات رتيبة، وصوته يتردّد في القاعة
"هنا، في هذا القصر، أنتم لستم عبيدًا لسبعة أيام. ليس ذلك كرمًا، بل لأننا ننزع هويتكم القديمة لنمنحكم هوية الخدم."
توقف، ثم استدار نصف استدارة دون أن يمنحنا وجهه
"النساء سيتبعن ماري، مساعدتي… أما الذكور فليلحقوا بي. سنعطيكم ملابس تليق بالمكان، ونشرح لكم قوانين القصر."
كما قيل، افترقت النساء عنّا، ذهبن مع ماري لتتعلم كل واحدةٍ منهن قوانين القصر؛ قوانين دقيقة، ثقيلة كالأغلال. كان عليهن أن يصبحن أشبه بنبيلاتٍ زائفات يعتنين بالنظافة، يطبخن، يرتدين ما يفرض عليهن من ثياب، يستحمن في أوقات محددة، ثم الجزء الأبسط… أو ربما الأثقل على الروح: السمع والطاعة.
أما نحن، فُرضت علينا الحراسة.لا اكثر من ذلك
في أثناء تجوالنا لمحنا مدرسة ضخمة قرب القصر، مدرسة مصارعين. همس بعضهم أن حظنا قد يدفعنا يومًا إلى الحلبة، حيث الدم يختلط بالتراب. آخرون قيل لهم إن خدمتهم ستكون قرب النبلاء، أن يحيطوهم كظلالٍ بشرية.
حين عدتُ إلى غرفتي المؤقتة، غسلت جسدي حتى صار جلدي لامعًا كما لم أرَه منذ زمنٍ بعيد، كأن كل ذرة وسخ كانت جزءًا من تاريخٍ محكومٍ أن يُمحى. سرّحت شعري الأسود الطويل وربطته للخلف،عاليًا قليلًا، طلبت من أحد الخدم كحلًا طبيًا فاكتحلت به، ثم ارتديت ثوب الخدمة وحذاءً بسيطًا. بدت الثياب بالنسبة لي أنيقة، ربما لأنني نسيت شكل الأناقة الحقيقية.
سيرشا فعلت الشيء ذاته، لكنها حين ظهرت أمامي… لم تكن خادمةً عادية كما أرادوا. غسلت شعرها الكستنائي المموج، ورفعته وربطته بطريقة متقنة. ارتدت ثوب الخدم الأسود مع ملاءة بيضاء بسيطة، ثوبٌ باهت أمام أعين الآخرين… لكنه أمام عينيّ كان لوحةً مسحورة.
خرجت مترددة، ابتسامة صغيرة تبرق على شفتيها. همست بخجل كأنها تخشى أن تُسمِع الجدران
"هذه أول مرة أرتدي فيها شيئًا كهذا…"
وجدت نفسي أُميل رأسي دون وعي، أدرس تفاصيلها كما لو كنت أكتشفها للمرة الأولى
شعرها الذي يشبه أمواجًا صغيرة، عيناها العسليتان كمن يخبئ نورًا من عالمٍ آخر، بشرتها السمراء اللامعة كأنها قطعة من ليلٍ صيفي، وشفاهها الممتلئة التي تُصرّ على الابتسام رغم كل شيء. شعرتُ أن روحي تنسلّ من صدري لتسكن عند قدميها.
تمتمتُ بصوتٍ متوتر
"ت… تبدين…"
لم أكمل، أشحت ببصري سريعًا كمن يخشى أن يُفتَضح قلبه، ثم همست
"جميلة… للغايـة."
هزّت رأسها بسرعة، كأنها تدفع عن نفسها التهمة
"ما الذي تقوله؟! لستُ كذلك! أنا أبدو مضحكة! ثم…"
توقفت قليلًا، رمشت بعينيها وقالت
"ثم إنك لم ترَ ثياب النبيلات بعد… تلك الفساتين المطرزة، الملوّنة، المحلاة بالجواهر… هذا هو الجمال الحقيقي."
تجمدت لحظة، حاجباي ينعقدان بدهشة حقيقية
"أي نبيلات؟! هل كان هناك نبيلات؟"
أومأت بإيجاب، نبرة صوتها واثقة
"بالطبع، الكثير منهن."
تنفست ببطء، ثم رفعت كتفيّ كأنني أتخلص من ثقل العالم، وقلت
"لا أظنني قادرًا على النظر إلى أي أنثى سواكِ، يا سيرشتي."
ارتبكت، طأطأت رأسها قليلًا، حاجباها معقودان بخجلٍ طفولي وهي تهمس
"توقف عن هذا…"
قهقهتُ بخفة، أستمتع برؤية رد فعلها العفوي البريء، ذلك التوتر الذي يجعلها أجمل من كل نبيلات العالم.
كان لا بد من الانفصال منذ الليلة الأولى؛ الذكور يُلقَون في غرفة واحدة، والإناث في أخرى، فالنبلاء لا يطيقون فكرة اختلاطٍ يجرّدهم من "نقاء" قوانينهم.
بعد جولة طويلة بين ممرات القصر، عُرفت مواضع الغرف، وأُسند إليّ أن أقف حارسًا عند أحد الأبواب. مهمة جافة، مملة، لكنها تبقى أهون من تلويث الجسد في الطين وحمل الحجارة الثقيلة.
أما سيرشا، فقد وقع الاختيار عليها لتكون في خدمة إحدى النبيلات اللواتي يقمن في القصر مع خادماتهنّ المعتادات.
النبيلة كانت أشبه بظلٍ من الرخام المصقول
بشرة حليبية ناصعة، شعر أشقر مشدود بعناية، وعينان خضراوان متسعتان، تلمعان بثباتٍ غامض، كأنهما تبتلعان الأسرار ولا تسمحان لها بالخروج. في حضرة تلك الملامح الهادئة، بدت سيرشا كطفلة سُلبت دفء بيتها للتوّ، واقفة بين صفٍ من الخادمات، ترتجف دون أن تجرؤ على رفع بصرها.
تقدمت النبيلة نحوها، نظرت إليها نظرة متفحصة، باردة في ظاهرها، عميقة في خفائها، من رأسها حتى أخمص قدميها، ثم سألت بصوتٍ لا يعرف الارتباك
"أأنتِ الخادمة الجديدة؟"
ارتبك صوت سيرشا وهي تجيب
"أ... أجل، سيدتي..."
أمالت النبيلة رأسها قليلًا، كمن يقيس ثِقل الاسم على لسانها
"بماذا أناديكِ؟"
ابتلعت سيرشا ريقها، وأجابت بتلعثم
"كما تشائين يا سيدتي..."
عقدت النبيلة حاجبيها، وقالت بنبرة حازمة، تقطع أوهام الخضوع
"لستُ أمًا لكِ. ماذا سمّتكِ أمكِ؟"
همست سيرشا بقلق
"اسمي..سيرشا...."
لمعت عينا النبيلة، وابتسمت ابتسامة خاطفة، كأنها عثرت على لغزٍ ممتع
"سيرشا؟! اسمكِ يعني الحرية... ما أبشع المفارقة!"
ارتبكت سيرشا بابتسامة باهتة تحاول أن تخفي توترها، فأضافت النبيلة بثقة
"تجيدين الأيرلندية؟"
"لا...البتة."
قالت بنبرة واثقة
"أنا أجيد الكثير من اللغات... الدراسة متعتي."
ثم ابتعدت بخطوات هادئة، وضمت ذراعيها خلف ظهرها، لم تُرَ ملامحها من زاوية سيرشا، لكن صوتها جاء ثابتًا، كأنه توقيع نهائي
"من اليوم، أنا سيدتكِ... اسمي أندروميدا."
تسمرت عينا سيرشا، يلمع فيهما انبهار مكتوم، وتمتمت بخفوت
"اسم ساحر... غريب... مثير للفضول."
راحت تتأملها من بعيد؛ امرأة قوية، لغتها رشيقة، لا تعرف التردد، وفي حضورها يختلط الجمال بالهيبة... امرأة تشبه الحرية نفسها.
وهي، سيرشا، لم تكن سوى نقيض ذلك كله.
سارت سيرشا خلف سيدتها الجديدة بخطوات مترددة، خطوات تشي بالحرج أكثر مما تشي بالطاعة. طوال اليوم، ورغم صلابة ملامح أندروميدا، لم تُثقل عليها؛ طلباتها بسيطة، كأنها ترفق بخادمتها المترددة: أوراق تُنقل إلى غرفتها، مشط يمرّ عبر خصلات شعرها الحريري، كأس ماء يُوضع برفق على الطاولة. لم يكن اليوم كما توقعته سيرشا، بل مضى سلسًا، حتى كاد أن يشبه حلمًا مؤقتًا. حين أرخى المساء ستاره، استقرت ابتسامة صغيرة على شفتيها، ابتسامة رضًى خجول، كأنها تذوقت لأول مرة وهم أن تكون ملكة تملك العالم كله.
في طريقها نحو غرفتها، خطت سيرشا في الممرات الرخامية التي انعكس عليها نور المشاعل، حتى لمحَتني من بعيد، واقفًا بجانب النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على البوابة، كظلٍ يسهر على حراسة المجهول. لم تتردد، هرولت بخفة نحو مكاني، وصوتها المرتجف بالفرح سبق خطواتها
"نوح!"
التفت إليها، والابتسامة اجتاحت ملامحي دفعة واحدة
"سيرشا! هل أنهيتِ عملكِ؟"
أومأت برأسها بحماس، واقتربت بخطوات أبطأ، يسكنها الاطمئنان هذه المرة، ثم همست كمن يبوح بسرّ ثمين
"لن تصدق! سيدتي أندروميدا... ساحرة الجمال. ذكية بشكل لا يوصف، تحب التعلم! رأيتها تدرس طوال الوقت."
ابتسمت بفتور، ثم قلبت عيني كأنني أزيح عني ثقل فكرة مزعجة
"آمل أن حبها للتعلم لن يجعلها مختلة مثل بقية النبلاء."
قطبت حاجبيها بدهشة
"كيف تقول ذلك؟"
حككت مؤخرة رأسي في ارتباك، وقلت
"لنقل إن بعض النبلاء... وقحون. أكره الاحتكاك بهم. لخسن حظي أنني وُلدت ذكرًا فلا أُجبر على الوقوف إلى جوار نبيلة. لا أرغب في الحديث مع أحد منهم، صدقيني. سيعايرونكِ دائمًا بالفوارق الطبقية، فلا تُصغي."
لوّحت بكفها مستنكرة، وفي صوتها دفء دفاع طفولي
"أنت تظلمهن! السيدة أندروميدا حكيمة للغاية، عرفت معنى اسمي منذ الوهلة الأولى. ثم إنها لم تغيّره كما يفعل الآخرون، بعض السادة اعتادوا أن يستبدلوا اسمي كل فترة!"
كانت تلعب بخصلات شعرها المتموجة، وعيناها معلقتان بالسماء الموشّحة بالنجوم، نجوم لامعة كخرزٍ فضي يرصّع فستانًا ملكيًا لا ينتمي للأرض. تلاشت ابتسامتها في همسة حملت عبق الماضي
"لكنني... تمسكت بالاسم الذي غرسَته أمي في حياتي، كأنه قدري المكتوب."
قهقهتُ بخفة، وقلت لها وأنا أحدّق في انعكاس النجوم في عينيها
"بل سيكون قدركِ حتمًا... يا سيرشا الحرة."
لوهلة، اخترق سكون الليل صوت المفصلات الثقيلة، حين فُتح الباب الخارجي للقصر، ذلك الباب المحصّن الذي لا يجرؤ أحد على العبور منه إلا بمراسيم مشددة. لم يدخل غرباء ولا غزاة، بل كانوا جنود القصر أنفسهم... أولئك الذين تُلقى أرواحهم كل يوم في ساحات الحرب.
لكن وجوههم لم تكن وجوه المنتصرين. كانوا أشبه بظلالٍ باهتة تسللت من قبرٍ مفتوح؛ شحوبهم قاتل، عيونهم متسعة كمن شهد ما لا يليق بعين بشر. بعضهم ملوث بالدماء، ألوانها الداكنة تنزلق على الدروع كما تنزلق خطاياهم على أرواحهم. خطواتهم كانت مترددة، مثقلة بالعار، كأن النجاة نفسها جريمة، وكأن الموت وحده هو الشرف الحقيقي في معركةٍ لا تنتهي.
أنا، عبدٌ محاصر في أسوار هذا المكان، لم أعرف أي معركة عادوا منها، ولا أي عدو كسر نفوسهم، لكنني قرأت في ملامحهم ما يكفي لأفهم أن بعضهم قد مات في ساحة القتال ولم يعد إلا بجسده، يتحرك كجثة مسكونة بالذعر.
تمتمتُ، وصوتي أثقل من الحجر
"يا للبؤس... انظري إليهم. ما قيمة الحرية إن كانت تعني أن تحمل سلاحًا وتفنى به؟"
أجابت سيرشا بخفوت، كأنها تهمس للريح
"مساکين... لا بد أنهم انتزعوا نجاتهم بشق الأنفس."
لكن بين ذلك الحشد المكسور، وقعت عيناي عليه.
روحٌ عفنة، مشبعة بالخراب. ملامح جامدة، يتكسر في صلابتها صدى صرخاتٍ لا تزال عالقة في الأفق. عينان متسعتان، لم يزل فيهما أثر الهول الذي ابتلعها، وبشرة سمراء محملة بأوحال الماضي. كان يرتدي بذلته الحديدية الملطخة بالدماء؛ دماء لم تكن دماء أعدائه على الأرجح، بل دماء أناس حاولوا الدفاع عنه.
رجلٌ لم تزل رائحته تحمل الخراب، رجلٌ أبغضه حتى الموت، رجلٌ كان الشرارة التي دمّرت حياتها.
قبيح الوجه....ضيق العينين.....
جوستاف.